الرئيسية » الملف الشهري » رسالة عبد الكريم قاسم: التماسك الوطني، والتسامح..

رسالة عبد الكريم قاسم: التماسك الوطني، والتسامح..

تهل ذكرى ثورة 14 تموز علينا في وضع عراقي شديد التناقضات، وكثير المخاطر الأمنية، ومع تراجع الولاء الوطني لحساب الطائفية والعرقية والحزبية الضيقة.
ثورة 14 تموز كانت ثورة إشكالية بكل امتياز، تعددت حولها الاجتهادات والتقييم، والتهبت بشأنها المشاعر. المؤسف أن التغيير الثوري العراقي تحقق بانقلاب عسكري مسلح، وكان الأفضل للعراق وشعبه لو توفرت الظروف والإمكانات للوصول لثورة التغيير على خطوات سلمية، إصلاحية، جريئة، ولكن تلك الظروف والإمكانات قد انغلقت تماما منذ منتصف 1954، بصدور المراسيم الاستثنائية المتعسفة، وحملة الاعتقالات الواسعة، وغلق الصحف الوطنية، ومطاردة الأحزاب المعارضة، وفرض جو إرهابي خانق على البلاد.
الثورة السلمية تتجنب سفك الدم، ولا تفجر مشاعر الثأر والعنف كما تفجرت منذ اليوم الأول لثورة 14 تموز، والتي وصلت لحد ممارسات السحل، وقتل العائلة المالكة بمنتهى الوحشية. لقد تظافر تراكم الشعور بالغبن والظلم، والتآمر الناصري – البعثي، واندلاع الصراعات الحزبية العنيفة، وتحرك شركات النفط لقلب النظام؛ تحالفت جميعا لتمنع التطور الهادئ لخطوات الثورة، وحاصرت الزعيم عبد الكريم وطوقته، بحيث كانت الأمور تفلت منه غالب الأحيان. وقاسم لم يكن دمويا، لكن من المؤلم أن الشارع اليساري هو الذي شحن المظاهرات المتواصلة بترديد هتافات مثل ” اعدم! اعدم”، والتي شكلت ضغوطا متواصلة على قائد الثورة.
ليس هذا المقال تحليلا متعمقا للثورة، فقد صدرت بذلك عشرات الكتب والدراسات القيمة، التي كتبها مثقفون وطنيون موضوعيون، أمثال الدكتور عبد الخالق حسين والدكتور عقيل الناصري، وغيرهما.
إن غرض مقالي ومحوره هما الرسالة الحقيقية التي آمن بها الزعيم الخالد، والتي أراد تحقيقها تحت قيادته: تلكم هي رسالة الولاء للشعب والوطن، والتآلف التعايشي بين الأديان والمذاهب والقوميات، ونبذ الطائفية والعنصرية، واحترام حقوق المرأة ونشر روح التسامح في مجتمع تشبع بثقافة العنف ونزعة الانتقام البدوي.
لقد أحب الراحل شعبه، وخصوصا الطبقات المسحوقة منه، واتخذ العديد من الإجراءات والخطوات الإصلاحية التقدمية لصالح الجماهير، من عمال وفلاحين وكسبة ومختلف الفئات الشعبية. ولا يسع المجال لتعداد تلك القرارات الجريئة، التي اتخذها بهذا الاتجاه. أما المرأة العراقية، فقد وجدت لديه اهتماما خاصا بصدور قانون الأحوال الشخصية، والخطوة التاريخية الجريئة عن تساوي الإرث بين الجنسين. لقد أقدم على ذلك رغم مقاومة القوى المحافظة، ولاسيما من رجال الدين من المذهبين، الذين كفّروه في فتاواهم المعروفة،[كفتوى السيد محسن الحكيم]، ودعوا لإسقاطه، ملتقين مع قوى البعث والناصرية لاغتيال الثورة والتخلص من قائدها.
عبد الكريم قاسم هو أول حاكم في العراق بل وفي البلاد العربية، يستوزر امرأة، وكان ذلك فريدا على كل النطاق العربي كله. وعبد الكريم قاسم هو الذي عين عالما صابئيا مندائيا جليلا لرئاسة أول جامعة عراقية. وعبد الكريم هو الذي ألقى خطبته الهامة في الكنيسة. أما الأكراد، فقد تعاطف مع حقوقهم ولكن لم تسمح له الظروف لبلورة برنامج ديمقراطي لحل القضية الكردية، كما أنه لم يكن متحصنا تجاه بعض المحيطين به من الشخصيات العنصرية، عسكرية ومدنية، وإنه من المأساوي أن القيادات الكردستانية انجرت وراء الدسائس الرجعية والإيرانية، فرفعت السلاح ضد حكومة قاسم، والتقت بذلك، هي الأخرى، بقوى التآمر المتعددة الأطراف.
لم يكن الزعيم معصوما من الأخطاء، وانجرف مع موجة التمجيد الشعبي المبالغ به نحو مطب النرجسية؛ ولكنه، برغم كل شئ، كان أقل أخطاء من كل القيادات السياسية عهد ذاك، والتي لم تبد نضوجا كافيا للتعاون البناء مع قاسم للسير تدريجيا وبهدوء وعقلانية نحو نظام دستوري، برلماني، ديمقراطي. اليسار أخطأ كثيرا، والراحل كامل الجادرجي، تلك الشخصية الديمقراطية ذات التاريخ الوطني العريق، قد رفض التعاون، وعامل الزعيم بتعال وجفاء لحد رفض طلب عبد الكريم منه للانكباب على صياغة دستور دائم جديد للبلاد.
بعد كل تلك العقود، والتي شهد فيها شعبنا مآسي كبرى وجرائم بشعة منذ انقلاب شباط 1963، فإن اسم عبد الكريم قاسم لا يزال يشع، وإن العديد من الزعماء السياسيين، الذين عارضوه وحاربوه، من بعض القوميين ومن الزعماء الأكراد، قد عادوا للاعتراف بفضله وتقييم شخصه ودوره إيجابيا، وها نحن اليوم، بعد سقوط صدام، لا نزال في أمس الحاجة لزعماء من طراز عبد الكريم: إخلاصا للوطن والشعب، ونكرانا للذات، وعفة يد ونزاهة، ومبشرا بالخيمة الوطنية الشاملة، التي تجمع فئات الشعب بكل طوائفه وأديانه وقومياته، ومن دون تجاهل حقوق كل منها.
أجل، ما أحوجنا اليوم لرجل من طراز عبدالكريم قاسم في عراق اليوم، حيث التقاسم الطائفي، واضطهاد المرأة والأقليات الدينية، وأخطار أعداء أمن العراقيين، من إيران والقاعدة وبعض أوساط الجوار الأخرى، وحيث النهب والفساد، اللذان جعلا العراق في الصف الأول من دول الفساد في العالم.
إن الخالد عبد الكريم قاسم كان رسول المحبة والسلام المجتمعي، ورمز الوطنية الخالصة. فألف تحية لذكراه، ومجدا لثورة 14 تموز.
____________________
خاص بعراق الغد