الرئيسية » مقالات » (قصائد ممطرة ) للشاعرة د. ماجدة غضبان

(قصائد ممطرة ) للشاعرة د. ماجدة غضبان

عن دار تالة للنشر والتوزيع / دمشق صدر للشاعرة العراقية الدكتورة ماجدة غضبان ديوانها الاول ( قصائد ممطرة ) الذي احتوى على اكثر من عشرين نصا شعريا وقد صممت الغلاف الكاتبة رشا فاضل و قدّم الشاعر عبد الرزاق الربيعي المجموعة قائلا :

مطر (ماجدة غضبان) الشعري



بعد طول انتظار، وتمهل، ومراجعة، أمطرت غيوم الشاعرة ماجدة غضبان وكان مطرها قصائد مثخنة بأوجاع شاعرة تعيش في خضم أزمنة تضع الألم عنوانا لها.

لقد عرفت الشاعرة منذ سنوات بعيدة، حيث كانت موزعة بين دراستها العلمية الطبية وهوس القصيدة، وفي بداية تلك المعرفة كانت تعرض لي نصوصا كتبتها على حواف أوراق مليئة بالمصطلحات الطبية والرسومات التوضيحية لأنها كانت تكتب تلك النصوص والمقاطع في قاعة المحاضرات، فظننت إن العلاقة بالكتابة ستنتهي بمجرد أن تتخرج وتدخل في خضم الحياة العملية، وسيجف نبع الشعر المتدفق في وجدانها، لكنها فاجأتني بإستمرار تدفق ماء هذا النبع، عندها تيقنت بأن الكتابة بالنسبة للشاعرة ماجدة غضبان ليست تعبيرا عن نفثات وجدانية، بل هي إنها موقف من العالم والوجود،

ومما يؤكد هذا إنني حين طلبت منها أن تستبدل كلمة (مومس) في قصيدتها (عندما تكتب المومس شعرا) بكلمة أخف وطأة على السامع من حيث إن الشعر جماليات في النهاية، مقترحا عليها مفردة “غيمة” أجابتني بقولها “كيف يمكن ان اغير هذه الكلمة الموغلة في الألم والواقعية الى كلمة شاعرية ورقيقة مثل “غيمة”؟؟؟ مضيفة ” أريد ان أمنح المومس صوتا، أن أدعها تتكلم، أن تقول لم تخلى عنها الأهل؟ او الحبيب؟ لم تخلى عنها حتى الوطن؟ فبيعت ببضعة الاف من الدنانير، وحرمت من العودة او الاتصال بذويها واجبرت على مالا تريد في زمن النخاسة الجديد؟ ارجوك ان تقرأ القصيدة ضمن هذا التوضيح وان تركز عليها لانها صوت من ليس لديهن الحق في ان يكون لهن صوت، انها صرخة فتيات الرق، لقد نصحني المثقفون أن أغير عنوان القصيدة لانه يتصف بالوقاحة لكني اراه يتصف بالضمير والوطنية لذا لن أغير العنوان ابدا، انها وفائي لوطني الذي تربينا فيه على المثل والقيم العليا على ان لا نبيع كلمتنا فكيف بنا ونحن نرى اجساد فتياتنا تباع ..؟! ”

فالقصيدة بالنسبة لماجدة صرخة إحتجاج مدوية تطلق في فضاء مليء بالطيور الكاسرة التي تصادر هذه الصرخات، مثلما تصادر الرغبة في الحياة لدى الحمائم الأليفة التي تبحث في ظلمة هذا الكون عن غصن زيتون، لكنها تمتلك من العناد والجرأة والتصميم ما يكفي لبث الذعر في قلوب تلك الطيور الكاسرة، لذا فإنها تقول لي في رسالة “لا اخفيك قلقي أن تتسبب لي هذه المجموعة بمشاكل انا في غنى عنها، لكن الى متى سنصمت، الى اي حد سنصل لنصرخ ملأ الالم الذي يتآكلنا؟؟؟!” وهذا ينطلق من إيمانها بقوة صوت الشاعر:

” الشاعرُ

بين َجدرانـِه ِالأربعة!

ينازل ُالفصول َالاربعة!”



وحتى لوكان مصفدا ببدلتِه ِالعسكرية كما في “الإغتراب ُالثلاثيّ الأبعاد” فإنه سرعان ما يثور حيث :



“مزَّق َفجأة ً

جدرانَه الأربع !

إحتمى من طيش ِالنِبال ِ

والقـِوّاد ِ

بنهديها…. ربما!

أو بقصيدة ٍسارعتْ

الى الإختباء ِ

بينَ خصلات ِشعرِها

أو بأهداب ِعينيها

أو …ربما…بكل ِّمافيهِ

وبكلِّ ما فيها” .. !



من هنا، فنص ماجدة مرآة تنعكس عليها اللحظة العراقية الراهنة، الوجع العراقي المزروع في خاصرة الوقت، مؤكدة إنتماء الشعر للواقع وعدم تمترسه خلف جدران الذات، ولم يأت هذا الإنتماء مباشرا، بل جاء بشكل موح ٍ ، ذلك لأن نص الشاعرة ماجدة ينتمي الى الكتابة الحديثة، من حيث البناء واللغة:



“أستلقي في دُرجي

لكني لا أعرِفُ طعمَ النوم

النومُ في الأدراج صعب

والنومُ فوقَ السطوح ِ

دربٌ

الى النجوم ِ

في آنيةِ السماء ”

بهذه البساطة التي تشبهها كإنسانة، تؤثث (ماجدة) جدران بيتها الصغير الذي يستمد خصوصيته من كونه نزيف أوجاعها وآهاتها، وهي آهات إمرأة عراقية عاشت وتعيش مأساة متصلة منذ أن فتحت عينيها على فضاء متخم بدخان الحرب والموت والدمار فتعود الى السياب ودموعه التي:



“تهطـل ُ من عينـيّ

ويهـزُّ بدني بكاه ُ

عراق…!

جيلا بعد جيل ٍ

ينهـبُـنا الـسُـلُّ

ونعول ُ في السديم ِ

عراق..!”



وتكرر مفردة “حزن” إثنتي عشرة مرة لتذكر كلمة “فرح” مرة واحدة مشيرة الى أن الأحزان تحاصرها حين تخاطب الحرير الذي :



“اصطفاهُ الربُّ

لدجلة َ والفرات!

ياباقة َ وردٍ شذاها

حزنٌ .. وحزنٌ .. وحزنٌ

وحزنٌ .. وحزنٌ .. وحزن

حزنٌ .. وحزنٌ .. وحزنٌ

وحزنٌ .. وحزنٌ .. وحزن

وفرح!



ليمرَحْ

في شريانـِكَ دمي

الى الأبد!

كي لا اخافَ القبرَ

قوافلَ الديدان

وأسرابَ النسور!”



وتستعير قناع “عشتار” وهي تعول على تموز في العالم السفلي، في إشارة لأسطورة من التراث الرافديني القديم :



“بـُكائي

على قدميِكَ

محرقٌ

وملَّحٌ

ووفي!

ينهمرُ

على كفَّ تموزَ”



وتتوقف عند ملحمة كلكامش حيث يعود كلكامش من رحلته الخائبة لا ليعمر البلاد مثلما

أوصته “سيدوري” صاحبة الحانة بل ليزاول مهنته القديمة قبل لقائه بـ “إنكيدو” منتهكا

العذارى , لأنه بطل محبط :



“بالحديثِ مع كلكامش

زارني اليومَ

ممتطياً الليالي الهاربة َ

يقتطفُ بقايانا

التي نقشَ عليها المنقبون

أسماءً جديدة..!”



وحين نصل الى نصها “عندما تكتب المومس شعرا” وهو من أطول نصوص المجموعة وأكثرها جرأة، حتى إن الشاعرة كانت قد نوت ان تسمي المجموعة بإسمها لولا خشيتها من ضيقي الأفق في الثقافة العربية وهم كثر!! فإنها تعود لتقلب أوراق المرأة التي أغوت “أنكيدو” لتأتي به الى المدينة حيث كان “كلكامش” ينتهك العذارى ليصارعه ومن ثم يتآخيا ليقضيا على “خمبابا” في “غابة الأرز” ، فتلك البغي كانت واسطة لإخراجه من أفق ضيق “أفق الغابة والحيوانات” الى أفق أوسع “المدينة والحضارة” فهي تنظر لهذه المرأة التي تمتهن أقدم مهنة في التاريخ بمنظور أوسع وأعمق فتقول على لسانها:



“عجنتُ الارضَ

ومنحتُها..

لذة َ الدوران ..!

أهديتُها نجمتي ..

والقمر..

وعلى جبينِها ..

سقيتُ الشجر..

وبصوتِها غنيتُ ..

احمليني …

يا سفائنَها ..

على عذبِ رُضابي”



وبأداء يشبه التراتيل الدينية في المعابد والنصوص التي قرأناها في الرُقم البابلية والآشورية القديمة تقول:



“ليكن للأرض ِ

مُحيـّا رغيف …



وللنجمةِ طعمُ القـُبلةِ..



وللقمرِ.. وجهُ حبيب ..!

وللاشجارِ ظلـُّها الرحيب



ولي .. أن اجمعَ ثـُمالتـَها

واغفوَ ..

حتى طيفي القادم ..

أو صحوتي المرعبة ..!”



ذلك لان المرأة تحتل مساحة واسعة في نصوصها فهي ترى الكون متجسدا في هذا الكائن الذي همشه المجتمع وتعامل معه بفوقية فتتساءل :



“من يجرؤُ أن يرتديَ

نهديّ

ليختبيءَ الكون ُبينـَهـُما

مَشُوبا ًبالهدوء؟”



ويكبر السؤال في فمها حين ترى نفسها فراشة “كسيرة الأجنحة” وهي تقول:



“من ذا الذي يُعنى

بفراشة ٍكسيرة ِالأجنحة ِ

سـِوى عنكبوت َبالمرصاد ِ

وعشرات ٍمن خطوط ِالنمل ِالزاحفة ِ؟





من ذا الذي يـُعنى

برعشتـِها الأخيرة؟

أو بإستسلامِها ما قبل َالأخير؟

لكنها تحتج على هذا الوضع فتطالبها بالتمرد :

كوني ..

غيرَ الفراشة ِالكسيرة

وغيرَ النهود ِالعابقة ِ

بالعطور!

غيرَ البطون ِالتي يتوسدُها

الذكور!

وغيرَ الأرداف ِالمحصورة ِ

بينَ قوسين!

وغيرَ السَبيـَّة ِالمبتذلة ِ

على أسلاك ِالعنكبوت!”



وحين تعجز، يتجه نظرها الى السماء لتكتب نصا هو أشبه بحكاية تروى لطفلة في المساء :



“إستعرتُ ذاتَ يومٍ..،

قمراً من السماء..،

أجلستُهُ على ساعدي،

ألبستُهُ قصائدي..،

مَنحتُهُ وجهَ امرأة،

وأودعتُه الايام..،

حين حمَّلوه ..

أثقالَ الأنوثة..!

بكى..

فساحَ النورُ

على وجهِ المساء..!”



قصيدة ماجدة غضبان بإشاراتها الأسطورية والتاريخية معجونة بماء الألم وحرارة الواقع معبرة عن إشكالاته في نصوص فيها لعل أبرز مميزاتها إنها على قدر كبير من التلقائية والصدق والعفوية، لتدون اوجاعها غير مكترثة لما يقال عن كون نصها ينتمي للمدرسة الفلانية والاتجاه الفلاني، عازفة عن الجلوس تحت ظل شجرة شعرية، أية شجرة كانت، سوى شجرة الشعر العربي الوارفة الظلال، ناثرة بذور قصيدتها في فضاءات الجمال .



الكاتبة في سطور :


ولدت الشاعرة ماجدة غضبان في قلعة سكر في الناصرية 1964 . حصلت على شهادة البكلوريوس في الطب والجراحة البيطرية من جامعة بغداد عام 1988. عاشت شطرا من حياتها في اليمن ونشطت ثقافيا هناك. نشرت قصائدها في صحف مختلفة تكتب القصة القصيرة والنقد الادبي ولها مجموعة شعرية قيد الطبع .

masaash2000@yahoo.com



من قصائد المجموعة :



( وثائق أنثوية في محفظة رجل )



امرأة في العشرين

بلى..
أسندت ظهري
إلى الجدار
عابقة بك
همتُ بعيدا
بعيدا جدا
حتى تداعى النهار..!





المحار

انزفي
أيتها ألآليء
يا ألم المحـّار
يا شموسـَه على أعناق
النساء
أطلقي العـِنان
لصرخة أنثوية
أطلقي العنان
لصرخة المحار!




نشوة

ستجد كتابي مفتوحا
وثغري غائما بالقبل
وأجفاني مطبقةً
على النشوة الأخيرة
وانفي يبحث
عن عبير
لم ينضج بعد..!




نساء

الخارطة التي قادتـْكَ
إلى كوكبي
الطاعن في السن
كانت خربشةُ طفل
على ورق غابر
وخفقة جناح
مسَّ أفئدة نساء
لا نعرف!




النزع الأخير

أسمعيني..
شدوكِ..
واقتربي!
ليس هذا مقام النهايةّ!
بل هنا براعم الخطى،
ومربع البداية!

هنا كان الملوك ينقرضون

هنا سارت الممالك
نحو النزع الأخير




جنود


ناديتـُك بصوتي
وطارت الحمائم،
ناديتك بهُيامي
تأرجحت العَبَرات،
ناديتـُك ساعة غسق
سُجِّي الفجر
عند أقدام الجنود المتراصفة
وطفقتُ أعد النجوم
في غيهبِ احتلال




أين


أين ستجدُ عينيّ؟،
عيني الحالمتين..،
عيني السوداوين..،
عيني الغافيتين..
على عينيك،
عيني المطفأتين
كجمرتين
تحت رحمة هطولك
المتجبر؟؟؟!





أجنحة



مبعدة أنا
ما دمتُ امتلك أجنحتي

وحيدة
ما داموا يقتفون اثر الدفء
في الأقاليم البعيدة

يبنون أعشاشهم
في البلاد
التي لن يعودوا لها
أبدا,,!

يواصلون الاحتكام
إلى الغيب

وأواصل الاحتكام
إلى أجنحتي
وعمق الوجود..!




غابات

ماذا أقول
لتنطقَ الغاباتُ المتشابكة
في نعيق قلبي؟،

بماذا أسعفك
لتشمَّ ضوعَ الزهر غِـرّا،
لتتذوق رهافة الأجنة،
ليخزك الشوكُ الفظّ،
لتختفي بين الأدغال
لتنتمي إلى الشمس المخاتلة
بين أوراق الربيع؟؟

ماذا أقول
لتدخلني..
ونوصد الغاباتِ
على عصفورنا الصغير،
تطارده أعين الصيادين
عشقـــِنا الصغير
الذي لا اكبرَ منه
في غابتي الموحشة!!




مجرّات



متاعي كلمات ـ نياق
حفرتْ مناسمها
على ظهري
احملها حيث حللت
اجمعها حين يصير
الغضب
سلاسلَ تثقل قدمي
وأنا صدفة
التصق بقاع البحر

افردُها
حين يكون رأسي
كرة أرضية
خارج كلِّ المجرات




السرمد


سأكون كلمة
أخرى..
تضاف إلى ثرثرة الأولين،

سأكون سطرا آخر
تـُذيبهُ جحافلُ المغول
في دجلة،

سأكون الحلاج
يتمتم بصلاة مبهمة
لتفقأ عيون الليالي البيض
وتلدَ غيرها،

سأكون أنا السرمد،

طينا في قاع الفرات،

قصبة في هور سومر،

ذرةً لا تفنيها

غربةُ عينيك!




رقعةُ شِعر


تلك آخر قطرة
من دمي،

آخر ما نزفته ريشتي
على رُقاقة زوّادتي،

آخر قصيدة تنشدُها
أفواه شراييني الحمراء،

آخر رقعة شعر
توسم شاهدتي..




امرأة في الثمانين

احدودب ظهري
وصارت أنفاسي
تلفح بيت النمل
تحبط جهد النملة
تمشي مثقلة
بكسرة خبز
أشياء تتسلق ظهري
ايام ساخرة،
غيمات صاخبة..
وأنا امضي بأناة
وهل املك
غير ما تملكه قدماي؟؟
…………………….
…………………….
وجهي يلامس رمادا
اسودَ,,
عابث..
…………………
يا لوقاحتِهِ
………………..
………………..
هل احترق الكون؟


للتواصل مع دار تالة للنشر والتوزيع

dartala2008@yahoo.com  
magdolen_refaie@yahoo.com  

مديرة الدار
الكاتبة ماجدولين رفاعي / دمشق