الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -27

حرب وسجن ورحيل -27

لقد زج النظام العراقي كل مقدرات العراق البشرية والمادية أضافة ألى المساعدات الخليجية الهائله وخاصة المساعدات السعودية والكويتية للخروج من الحرب منتصرا فبالأضافة ألى العدد الهائل من المواليد التي قاربت العشرين التي زجها في الحرب كان النظام يلاحق البقية الباقية من المراهقين الصغار الذين الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر بعد أن زج آباءهم في الحرب أو من الشيوخ الذين لهم أبناء وحتى أحفاد في الحرب ولن يكتف بهذا بل طالب المرأة العراقية بأنجاب خمسة أطفال ليكونوا جيش ( القادسية ) في المستقبل فاستوحى صدام ذلك الأمر من التراث الفاشي الذي كان يعتبر المرأة أداة أنجاب فقط لتنفيذ سياسة الحرب والعسكره وقالها بعظمة لسانه في أحدى جلساته الأمبراطورية ( من الأفضل أن تتزوج الفتاة العراقية وتنجب طفلا ليكون هدية المرأة العراقية للقائد بدلا من التدافع نحو الجامعات وقضاء سنين طويلة فيها!!! )
وياليت أنه اكتفى بطفل واحد لكنه طالب المرأة العراقية في خطاب آخر بأنجاب خمسة أطفال وكانت منال يونس الآلوسي رئيسة أتحاد نساء العراق أول من لبت الطلب وظهرت في وسائل الأعلام عدة مرات تقابل رئيسها المفدى وهي حامل في شهرها التاسع لتكون قدوة لنساء العراق اللواتي كن يترملن بالآلاف ومن كان يستطيع أن يتفوه بالحقيقة المره مادام القائد هو الخصم والحكم .؟ وكانت المقرات الحزبية تعيش حالة نفير دائم للقبض على من تبقى في الداخل لزجه في قادسية صدام مادام المصريون يشغلون كل حيز وفراغ في العراق ووصلوا ألى أبعد نقطة في الريف لرعي الأغنام وغيرها من الأعمال . وكان هم القائد الأول والأخير هو الأنتصار ولو على بحر من الدماء ولم يكن النظام الأيراني بأحسن من النظام الصدامي فقد ركبه الغرور وقرر أن يستمر في الحرب ألى النهايه رغم رجحان كفة النظام العراقي في السنة الأخيرة للحرب ولكن كلا النظامين الأيراني والعراقي كانا بعيدين عن حسم المعركة نهائيا لصالحهما وهذا ماكانت تسعى أليه أمريكا وأسرائيل وحلفائهما وهو أطالة أمد الحرب لتحطيم مقدرات البلدين تحطيما نهائيا لأن ذلك يخدم مصالحهما على المدى المنظور والبعيد.
ومن خلال هذا الهدف كانت كل منظمة حزبية تنافس الأخرى للقبض على أي رقم بشري لأرساله ألى جبهات القتال ورفع العدد ألى القيادة العامة للجيش الشعبي ومن ثم ألى مكتب القائد العام للقوات المسلحة لتقييم المنظمات الحزبية البعثية على هذا الأساس والويل كل الويل للمنظمة الحزبية التي يغضب عليها الرئيس لو ثبت تقصيرها في تلك المهمة المصيرية .
في أحد المساءات أحضرت الشرطة شخصين ومعهما بعض البعثيين يرافقهم جواد الحركاني مدير السجن وتم توديعهما عند باب السجن بعد أن تحدثوا معهما في غرفة مدير السجن وفي الممر المؤدي ألى السجن القبو وعند دخولهما وقفا مبهوتين وقال أحدهما ( هاي منين أجتنه هالبلوه أحنه وين والسجن وين ) فأجابه صاحبه ( الله كريم هي ليله ليلتين ويخلصن ) ودخلا وهما يلقيان نظراتهما الفاحصة على الجميع ومن حسن الصدف أني كنت أعرفهما وأحدهما يعرفني وهو معلم بعثي أسمه (كامل صكر) والثاني أسمه ( عزيز الياسري) وهو بعثي أيضا وعرف السجناء قصتهما في اليوم الثاني . لقد خرج هذان الشخصان بأمر من المنظمة الحزبية ألى ريف محافظة واسط للبحث عن ( متطوعين )جدد في قادسية صدام في سيارة لاندكروز وهما مسلحان ترافقهما مفرزة أخرى مسلحة لحمايتهما وعند دخولهما القريه هرب بعض الصبية من القريه وتم ملاحقة أثنين منهما بعد أن اختبآ في أحد الأنهر الجافه ولكن تم مطاردتهما وقتل أحدهما بأطلاقة أطلقها أحد الشخصين وتم ألقاء القبض على الثاني وقد تبين أن القتيل هو في السادسة عشرة من العمر وأن عائلته استشاطت غضبا من هذا العمل اللاأخلاقي وهرب الشخصان من القرية وحضرا ألى المنظمه ليخبراها بالحادث وجلبت المنظمة البعثية الشخصين وسلمتهما ألى الشرطة للحفاظ عليهما من التهديد الذي تلقيانه من عائلة القتيل ريثما ينجلي الموقف بعد أعلام السلطات العليا بذلك . بقي البعثيان ليلتين فقط في السجن وفي اليوم الثالث وردت برقية مستعجلة من رئيس ديوان رئاسة الجمهورية استنادا ألى أمر القائد العام للقوات المسلحة بأطلاق سراحهما ودفع دية لأهل القتيل من قبل منظمة الحزب تجمع من الأشتركات الشهرية باعتبار الشخصين عضوين نشطين في حزب البعث وأنهما ارتكبا خطأ غير مقصود نتيجة تكليفهم بالواجب المقدس ولابد لحزب البعث أن يدافع ويحافظ على رفاقه المخلصين للحزب والقائد !!!وهذا الذي كان .
في أحد الأيام من أيام السجن لمح السجناء مدير السجن وهو يسير جيئة وذهابا في الممر مع شخص ثم جاء به ألى باب السجن وخاطب السجناء ( وينكم ياشباب هذا الشاب الليله خطاركم سووله مكان ينام بيه ليله وحده بس باجر من الصبح مسافر!) وقد جلب أحد الشرطه يطغا نظيفا له لينام عليه . وحال دخوله خاطب السجناء قائلا ( هاي شنو .. الله يساعدكم هاي شلون عايشين هنا .. شنو هاالريحه .. شنو هاالقذاره ؟ هذا المكان يحتاج تعقيم .. هاي شلون ماتتمرضون ؟) ولم يجبه أحد خوفا من أن يكون عميلا للنظام وفعلا كان أحد عملاء النظام .
أحسست من خلال اهتمام جواد الحركاني به أنه شخص مهم في السلطه البعثيه وأخذ يتحدث مع سجين كان بقربه وعرفنا أنه سائق لقائد الفيلق الأول في الجيش العراقي في تلك الفتره وأنه دهس فتاة بسيارة القائد أثناء سياقته لها قبل فترة من الزمن وحدد يوم محاكمته وجاء القائد ألى المحافظة ليلا ومر به على الحاكم في بيته وأوصى به خيرا وتلقى الأطمئنان من سيادة الحاكم لتتم محاكمته بعد يوم من توقيفه حسب الموعد المقرر سلفا ومن الصدف أن يذهب للمحاكمة معه شخص سوداني دهس طفلا أيضا عن طريق الخطأ أثناء سياقته لسيارة تحمل تنكرا من الماء لتوزيعه في منطقة داموك التي كانت تفتقر ألى الماء وأثناء استدارته دهس الطفل الذي كان متعلقا بمؤخرة السياره فحكم نفس الحاكم على سائق قائد الفيلق بالبراءه( لكون الدهس قد وقع قضاء وقدرا أثناء خروج أطار السيارة عن مكانه أثناء السياقه) وحكم على السوداني بالسجن لمدة 10 سنوات ( رأفة به ولكونه من القطر السوداني الشقيق )!!! هكذا كانت العدالة تدار في زمن القائد والتي كان يتم التعتيم عليها في أغلب الأحايين .
أما ذلك الموظف المصري الوديع فقد كانت قصته تختلف عن قصص السجناء الأخرى وتتعلق بمديرية أمن الكوت والأشخاص المتنفذين فيها بعد أن بلغ فسادهم وانحطاطهم فيها ألى حد لايصدق ولكنها الحقيقة سأقولها واضحة جلية فقد كان ذلك الشاب المسكين يذرف الدموع مثل النساء وبقي صامتا لعدة أيام وأخيرا نطق بالحقيقة المره وهو أن حظه العاثر عينه محاسبا في مديرية كهرباء واسط لكونه يملك شهادة وخبرة في الحسابات العامه ولم يوجد من يحل محله من العراقيين الذين يحاربون في جبهات القتال وسأدرج قصته الغريبة بكل أمانة وصراحة في الجزء اللاحق بأذن الله .

جعفر المهاجر
السويد
15/7/2009