الرئيسية » الملف الشهري » الصدر والشهادة الغائبة – مهداة الى عبد الكريم قاسم في ذكرى ثورة تموز

الصدر والشهادة الغائبة – مهداة الى عبد الكريم قاسم في ذكرى ثورة تموز

((مضى نصف قرن على انعقاد أول جلسة عربية لمحاكمة عبد الكريم قاسم وثورة 14/تموز ولم ينته النظر في هذه القضية مع ان المتهم الرئيسي فيها اعدم رميا بالرصاص دون محاكمة ومرت خمسون سنة على إعدامه ،شهود النفي صامتون وشهود الإثبات وحدهم الذين كتبوا الكتب ونشروا المذكرات وسودوا أعمدة الصحف بالسطور الغامضة)).
بهذه الكلمات الحزينة التي تحمل عتبا كبيرا لأبناء العراق افتتح حسن العلوي كتابه الجميل(عبد الكريم قاسم) الذي يحكي سيرة الرئيس المظلوم والمفترى عليه والمغيّب الزعيم الراحل(عبد الكريم قاسم) رحمه الله.
ولان حسن العلوي قد ارتكب حماقة يوما ما وانتمى عن قناعة الى حزب البعث فان كل ما يتحدث به مهما كان صادقا يبقى مريبا ومشكوكا فيه ولا يمكن ان يكون بريئا وفق الذهنية العراقية التي تنظر الى من قال فقط , وبالتالي فأن حسن العلوي الشاهد الحي على مأساة الزعيم لا يستطيع ان يرفع الظلامة عنه خصوصا وان الأجيال الحالية -تاريخا وحتى سلوكا -هي حصيلة سنوات البعث وحكمه البربري .لهذا كله رحل الزعيم وحيدا خالدا في قبره بانتظار السنين وما تحمل.
وفي وقت قريب وعن طريق الصدفة عثرت على جوهرة مفقودة من جواهر الصدر الثمينة ،كتاب عنوانه (ومضات) يحوي نفائس نادرة من كلمات الصدر التي كتبها في مراحل زمنية متباينة والتي تعبر عن موقفه إزاء الإحداث والمواقف التي شهدها العالم في تلك الفترة ومنها المنشورات السبعة التي كتبها “قدس” بمناسبة ثورة 14/تموز/1958.
وسوف أقوم بتفكيك الخطاب الصدري في هذه المنشورات وكيف تعامل الصدر الفقيه مع الزعيم قاسم المتهم بالإلحاد .في البدء يقول الصدر((الآن ولأول مرة منذ مئات السنين تشرق في بلدنا الحبيب أضواء الحرية والاستقلال بفعل الثورة التحريرية الكبرى والمعركة الفاصلة التي وقف فيها الزعيم الأوحد والبطل المنقذ سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم “حفظه الله”رائدا للإسلام والمسلمين.
الآن ولأول مرة منذ قرون يشهد العراق زعامة حاكمة منبثقة عن صميم الشعب تسهر على مصالحه وعلى تحقيق آماله وأحلامه وتتجاوب مع عواطفه ورغباته وتستمد منه قوتها الجبارة وسياستها الرشيدة)).
انطلقت هذه الكلمات من قلم الصدر الكبير بعد ان أعلن عن بضاعته الفكرية الجديدة”فلسفتنا” التي سجلت براعة اختراع معرفية ما زال فيضها يملئ الأفواه الفارغة والمندهشة مما يعني ان الصدر نطق هذا وهو في كامل رشده المعرفي ولا يمكن ان نعتبر هذه المنشورات مجرد خطاب عابر او نزوة عاطفية أراد الصدر من خلالها ترويض قائد الثورة او استجداء رضاه عن الاسلام.مثلما جاء في هامش الكتاب الذي يعتذر لقراء الصدر بان المديح الوارد في هذه الخطابات لزعيم الثورة كان انسياقا مع المصالح العامة المرتبطة بتلك الضروف.
هذه الهامش يتكلم نيابة عن المؤسسة الدينية منذ تأسيسها ،يحكي قصة القطيعة المبررة او غير المبررة أحيانا كثيرة بين رجل الدين والسياسي خصوصا في المجتمع العراقي المميز بجذوره الدينية القوية والمشهور بانقلاباته المتوالية . نعم أنها الإشكالية القديمة ذاتها ومحورها الأصالة لمن (للفقيه أم للسياسي)؟ من يكون القائد ومن يأتي بالمرتبة الثانية ؟وهل ان السياسة من الأمور المرجوحة شرعا كي نبرر عملية الطلاق الخلعي بين رجل الدين والسياسي؟ما هو سر هذه القطيعة التاريخية ؟.
باختصار ان لهذه القطيعة جذورها التاريخية العتيقة التي ترتبط بتأسيس الدولة الحديثة وولادة المفهوم السياسي بالمعنى المتعارف وابعد من ذلك الى عمليات الانقلاب والخداع التي مارستها السلطات بعد خلافة الراشدين وحتى قبلها مما ولد نوع من الخوف والريبة والشك لدى الفقيه من الاقتراب للسلطة هذا أولا والأمر الآخر ان الحاكم داما يتعامل مع الواقع بكل همومه ومشاكله وتناقضاته وبالتالي فانه لا يتمكن من إرضاء الجميع، هذه هي قصة السلطة وهذا هو وقودها(تناقضات الواقع وقبول او سخط الجماهير) أما الفقيه فانه يتحرك من ثوابته التي يفهمها من النص الكبير ويعمل جاهدا في تحقيق دولة العدل والرفاهية والعبودية لله وهذا هو المستحيل وفق معطيات الواقع .
هذه الثنائية الحادة جعلت رجل الدين- وهو هنا كناية عن الفقيه- يعشق المعارضة السلبية بتعبير الصدر أي الابتعاد عن السياسي صاحب القرار والاكتفاء بالنصح والإرشاد من بعيد دون ان تتلوث يداه بغبار الواقع ومشاكله المعقدة.
وللإنصاف بقي شيئا آخر ساهم وبشكل واضح في هذه القطيعة وهو السلوك الإنساني الشاذ لأغلب الملوك والزعماء الناشئ من عدم سمو الهدف لدى السياسي واكتفاءه بمصالحه الذاتية دائما منطلقا من الحقيقة الزائفة التالية (في صندوق السياسة لا يركد شيء إلا المصالح) هذا مع استثناء القليل من الزعماء الذين رحلوا الى الله دون ان يملكوا حتى دارا للسكن ومنهم قائد ثورة تموز الزعيم عبد الكريم قاسم “رحمه الله”.
سابقا وقبل الاطلاع على بيانات الصدر كان الشك وعدم الرضا والخوف من الاحتفال بذكرى الثورة المجيدة هو النسق المهيمن على تفكيرنا نحن الإسلاميون لكن و(بالنظر الى من قال) وهو الصدر في حديثنا (وهنا لابد من الاعتراف اننا في العراق وخلافا لمقولة امير المؤمنين”ع” ننظر الى من قال فقط ويبدو ان هذه ثقافة شعبية متأصلة نتوارثها عبر الاجيال).
ومن خلال شهادة الصدر الغائبة او المغيبة عنا منذ نصف قرن تقريبا بات واضحا ان القطيعة لا يمكن ان تكون أبدية ودون هدنة خصوصا اذا اقتربت الدوائر من بعضها(دائرة الفقيه+دائرة السياسي) كالصدر وعبد الكريم قاسم مثلا وهذا ما يفصح عنه خطاب الصدر حيث يقول((ان الاسلام الذي يقول على لسان رسوله الاعظم”ص” من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عيال الله بالإثم والعدوان ثم لم يغيّر بقول ولا فعل كان حقيقا على الله ان يدخله مدخله” هو الذي دفع الى ثورة 14/تموز التي أشعلت نارها في وجه الظلم والطغيان حين رأت سلطانا جائرا وأمة جائعة وبلدا مستعمرا فضربت الظلم والاستعمار ضربتها القاضية التي هزت بروعها وجلالها العالم الاسلامي كله)).
إذن الخطاب الصدري يحكي عن إسلامية الشارع العراقي وقت الثورة بخلاف المشاع والإسلام كان المحرك الأكبر للقضاء على الظلم والاستعمار والدكتاتورية آنذاك بالإضافة الى المحركات الاخرى التي اشتغلت في نفس الوقت.
مثلما يفصح خطاب الصدر عن استياؤه من الحكم الملكي الذي سبق ثورة قاسم لوجود الوصايا والاستعمار والظلم وغياب العدالة الاجتماعية بخلاف ثورة تموز وأخلاقيات قائدها فالكل يروي بغض النظر عن معتقده ان عبد الكريم قاسم كان الرئيس المرتجى لولاية العراق.
ان الصدر عرف الحق وشخص رجاله(السيد الخميني او الزعيم عبد الكريم قاسم) لا فرق وتعامل- وهو النابغة الموهوب بالمعرفة- مع الاثنين بما يملك من العلم ،يكتب دستورا لجمهورية إيران الإسلامية وينظر للاقتصاد الاسلامي ويبحث في سنن التاريخ وتفسير القرأن الموضوعي من اجل ايجاد الحلول الاسلامية لمشاكل الواقع ومن جهة اخرى يخاطب جماهير ثورة تموز بعبارات الإطراء والشكر لما قدموه للإسلام ولشعبهم من الاستقلال والحرية وانقاذ طبقات اجتماعية من الانقراض .
ويمكن ان نقول ان ثورة تموز وضروف المعرفة التي صنعتها هي الدافع الرئيسي للصدر من اجل كتابة سفريه الكبيرين(فلسفتنا واقتصادنا). فهناك شعب ثائر وقائد حكيم وصراع فكري وجفاف المنابع المعرفية للتيار الاسلامي او عدم القدرة على تجديد مفاهيمه .هذه الضروف هي التي حفزت الصدر على الكتابة بين عامي(1958-1961) لكن وبعد هذا التاريخ بقليل فقد الصدر شهية الكتابة ولم تمهله الضروف لإكمال الضلع الأخير لمثلثه المعرفي واعني كتاب (مجتمعنا).
ان الصدر ومن خلال منشوراته السبعة التي ذيلت بأسم جماعة العلماء أعلن عن تأسيس مشروع سياسي إسلامي مغيب في ذلك الوقت بل حتى وقتنا الراهن. هذا المشروع يتلخص بالجملة التالية ان الفقيه يمكن ان يغظ النظر ولو بصورة مؤقتة عن فكرة ولاية الفقيه اذا توفر السياسي الكفوء والقادر على تحقيق العدالة الاجتماعية.وهذه هي مواصفات الزعيم قاسم الذي عرفّه الصدر قائلا”ان قائدكم البطل الذي أعاد الى الأمة كرامتها وهزم عدوها صرح مرارا وتكرارا بأنه فوق الميول والاتجاهات”.
وفي نفس الموضوع يثنّي(بلغة البرلمانيين) حسن العلوي على رأي الصدر بالعبارة التالية “شيئان لم يستطع صديق لعبد الكريم قاسم ان يكتشفها فيه على طول العشرة انتسابه العشائري وولاؤه المذهبي، وشيئان يقودان العراق الى كارثة منذ سنوات ولا يستطيع احد ان يوقف الانحدار إليهما انتساب الحاكم الى العشيرة وولاؤه للطائفة”.
لا نريد بحديثنا ان نؤله الزعيم الراحل ولكن من غير المقبول أن نوجه دفة الحديث للبحث عن سوءات عبد الكريم قاسم كما فعل أخيرا مذيع (الحرة) سعدون محسن ضمد في مقالته المنشورة في جريدة الصباح يوم الاحد1372008. وهذه دعوة نوجهها لسياسينا اولا لدراسة ضروف تلك المرحلة ولماذا لم يؤمن عبد الكريم قاسم بالتعددية وما السر في عشق الجماهير العراقية له رغم مرور نصف قرن على ثورته واتمنى من كل قلبي ان اسمع الجواب قريبا.
والحمد لله رب العالمين

شبكة الفيحاء الاخبارية