الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي المدمر- الحلقة الأولى

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي المدمر- الحلقة الأولى

القوة العسكرية للعراق بعد الحرب العراقية الإيرانية

خرج العراق من حربه مع إيران، بعد ثمان سنوات من الدماء والخراب، وهو يملك جيشاً جراراً هو في واقع الحال أكبر جيش في الشرق الأوسط، ويمتلك ترسانة حربية ضخمة من شتى أنواع الأسلحة، التقليدية منها، وأسلحة الدمار الشامل الصاروخية، والكيميائية، والبيولوجية، والجرثومية، إضافة إلى الأعداد الهائلة من الدبابات، والمدفعية، والطائرات، وكميات كبيرة من العتاد، والقنابل التي جرى حشوها بالغازات السامة، كغاز السارين، والخردل، هذا بالإضافة إلى أن العراق كان قد قطع شوطاً طويلاً في بناء مفاعله النووي لغرض الحصول على السلاح الذري.
لقد كانت الأسلحة تنهال على العراق خلال سنوات الحرب من دول الشرق والغرب دون قيود، وكان النظام العراقي قد سخّر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية، وموارده النفطية، من أجل التسلح، كما ساهمت السعودية دول الخليج مساهمة كبرى في دعم العراق اقتصادياً، لضمان تدفق السلاح إليه، بسبب خوفهم من المد الإسلامي الإيراني من جهة، وبضغط من الولايات المتحدة من جهة أخرى.
لقد قُدّرَ ما كان يملكه العراق من الطائرات عند نهاية الحرب، بما لا يقل عن 500 طائرة من مختلف الأنواع، ومن الدبابات 5000 دبابة، بالإضافة إلى 3500 مدفع من مختلف العيارات، وأعداد كبيرة من الصواريخ المختلفة المديات، والتي تتراوح ما بين 150ـ 1250 كم، وكميات كبيرة من القنابل الكيميائية، والبيولوجية والجرثومية، هذا بالإضافة إلى القوة البحرية.
كانت هيئة التصنيع العسكري التي كان يشرف عليها [حسين كامل] صهر صدام حسين، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل توسيع المصانع الحربية، وتخزين كميات هائلة من إنتاجها، وكان تحت تصرف حسين كامل 72% من موارد العراق النفطية، المسخرة للتسلح. لقد وسع النظام العراقي الجيش خلال سنوات الحرب، حتى تجاوز الرقم المليوني جندي وضابط، وإذا ما أضفنا إليه الجيش الشعبي، الذي أجبر نظام صدام جميع البالغين، وحتى سن الستين، على المشاركة بهذا الجيش خلال الحرب، فإن عدد قواته المسلحة لا يمكن حصرها.
لقد خلقت تلك الحرب من صدام حسين اعتا دكتاتور عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جعل من نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبه عسكرية في الجيش، وهي[ رتبه مهيب ركن]،علماً أنه لم يسبق له أن خدم في الجيش [الخدمة الإلزامية]، فقد كان شريراً فاراً من وجه العدالة لقيامه بأعمال إجرامية، كان منها اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء، وقائد ثورة الرابع عشر من تموز.
ركز الدكتاتور جهوده لإخضاع الجيش وضباطه، بإقدامه على إعدام أعداد كبيرة من الضباط، حتى بمجرد الشك في ولائهم له، وخلق أجهزة أمنية واسعة ومتعددة داخل صفوف الجيش وخارجه، لتقدم له التقارير عن كل حركات الناس وسكناتهم، وحماية نظامه الدكتاتوري الفاشي بشتى وسائل البطش والإرهاب والتعذيب والقتل والسجون.
ولم يكتفِ الدكتاتور بكل ذلك، بل أقدم على تصفية معظم قيادات حزبه، وخلق قيادات هزيلة بدلاً منهم، تأتمر بأوامره، ولا تتجرأ على معارضته.
وهكذا أصبح الحزب أداة طيعة في يده، وغدا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، والقيادة القطرية لحزب البعث، والمجلس الوطني، ومجلس الوزراء، مجرد موظفين عنده، ينفذون أوامره لا غير، والويل كل الويل لمن يشك في ولائه له، وصار صدام حسين يتخذ وحده كل القرارات مهما كانت خطيرة، دون أن يجرأ أحد من أعضاء وزارته، أو قيادة حزبه، أو مجلس ثورته، على مجرد مناقشته، حتى ولو كان القرار يهدد مستقبل العراق وشعبه.

الوضع الاقتصادي للعراق بعد الحرب

خرج العراق من حربه مع إيران، بوضع اقتصادي لا يحسد عليه، فقد أستنفذ نظام صدام كل احتياطيات البلاد من العملة النادرة، والذهب، البالغة [36 مليار دولار]، وكل موارده النفطية خلال سنوات الحرب، والتي تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً.
وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة وفرنسا، والاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، وألمانيا واليابان والصين والعديد من الدول الأخرى، وقد جاوزت الديون [90 ملياراً من الدولارات]، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهظة لقسم من ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً.
هذا بالإضافة إلى ما تطالب به إيران من تعويضات الحرب، بعد أن أقرت لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب، وتطالب إيران مبلغ [160 مليار دولار] كتعويضات حرب.
لقد أثقلت الديون كاهل الاقتصاد العراقي، وتوقفت معظم مشاريع التنمية، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود، فقد جاء في تقرير أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي:
{إن الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر بخير، دخله وصل إلى 25 مليار دولار، في عام1988، ولكن صورة الاقتصاد العراقي خلال السبعينيات قد تلاشت، وحل محلها وضع اقتصادي مظلم، وخراب واسع في أنحاء البلاد، وفي ظل الحكومة الحاضرة، وسياستها الاقتصادية، فإن الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ، وإن ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة، في محاولة للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر به}.
لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من اقتصاد متدهور، وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً، ولكنها غنية جداً، تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه نظام دكتاتوري يقوده رجل كصدام حسين، هذا الرجل الذي أصابه غرور لا حدّ له، بعد أن أنتصر في حربه ضد إيران، وأصبح لديه جيش جرار، وترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، ومصانع حربية متطورة، ولكنه يفتقد إلى المال لسداد ديونه، وتعمير ما خربته الحرب، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه، ومواصلة تسلحه، ناهيك عن إعادة بناء ما خربته الحرب، ومشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد، والتي توقفت خلال سنوات الحرب.
ولاشك أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، التي خلقها النظام العراقي نتيجة تهوره، واندفاعه لتنفيذ المخططات الإمبريالية، بشنه الحرب ضد إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، والتي ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر على أبعد الاحتمالات، وأراد لها مخططوها أن تدوم سنوات طوال، وبقوا يغذونها باستمرار، تارة يقدمون المساعدات للعراق، وتارة أخرى لإيران.
ولابد أن أشير هنا إلى أن العراق، الذي خاض ثمان سنوات من الحرب، لم يجابه خلالها نقصاً في السلع الغذائية، وغيرها من السلع الأخرى، فقد كانت الأسواق تُملأ كل يوم بكل ما يحتاجه البلد، حيث أغرقت الولايات المتحدة
وحلفائها الأسواق بالمواد الغذائية، والألبسة، والأجهزة المنزلية كافة.
فقد كان على مشعلي الحرب أن يخففوا ما استطاعوا من التذمر الشعبي من تلك الحرب المجرمة، التي حصدت أرواح نصف مليون من خيرة شباب العراق، ورملت مئات الألوف من النساء، ويتّمت مئات الألوف من الأطفال، وأصابت بالعوق الدائمي ما يقارب المليون، ومزقت قلوب الآباء والأمهات، حيث يندر أن تجد عائلة عراقية لم تفقد عزيزاً لها في تلك الحرب الكارثية، بل لقد قرأت شخصياً لافته عزاء لإحدى العوائل تشير إلى استشهاد الابن السابع والأخير، وكل ذلك من أجل أن تستمر الحرب، لكي يعبئ كبار الرأسماليين جيوبهم ببلايين الدولارات، على حساب بؤس الشعبين العراقي والإيراني وعذاباتهم، ودماء أبنائهم.

الولايات المتحدة وإسرائيل والموقف من العراق:

أصبح العراق، بعد نهاية الحرب مع إيران، بما يمتلكه من قوة، وسلاح، مصدر خطر على الخليج، وخاصة وأن أزمته الاقتصادية قد أصبحت من العمق ما يهدد بوقوع انفجار جديد في المنطقة، ولاسيما وأن العراق يحكمه نظام دكتاتوري متهور يقوده صدام حسين.
كانت الولايات المتحدة وإسرائيل يراقبان عن كثب تسلح العراق، وخاصة في مجال الصواريخ البعيدة المدى، والأسلحة الكيماوية، والبيولوجية، والجرثومية، ومحاولات نظامه المتسارعة لتطوير قدراته النووية، بغية الوصول إلى إنتاج السلاح النووي، كل هذا أثار حفيظة الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبدأت الشكوك تتصاعد حول مستقبل القوة العراقية، ثم سرعان ما تحولت الشكوك إلى حقيقة واقعة، على الرغم من محاولات صدام المحمومة لتحسين صورته أمام الولايات المتحدة الأمريكية.
ففي أواخر عام 1989، توجه [طارق عزيز] نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، إلى الولايات المتحدة، حيث قابل الرئيس [جورج بوش]، ووزير خارجيته [جيمس بيكر]، وأجرى الطرفان حواراً مطولاً وصريحاً حول العلاقات العراقية الأمريكية، حيث أصدر بعدها الرئيس بوش توجيهاً داخلياً إلى إدارته، يطلب منها أن تحرص على تنمية علاقات طبيعية مع العراق قائلاً: إن ذلك قد يساعد في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. (1)
ثم عاد الرئيس بوش في 16 كانون الثاني 1990، فأصدر أمراً رئاسياً جاء فيه:
{ إن زيادة حجم التجارة مع العراق يمكن أن يكون مفيداً للمصالح الأمريكية}.(2)
وبالفعل، حصلت [شركة بكتيل]على عقود في العراق تصل قيمتها إلى [1200 مليون] دولار، وفي نفس الوقت أقدم العراق على وقف دعمه لميشيل عون في لبنان، واتخذ موقفاً مرناً من الصراع العربي الإسرائيلي، حيث أعلن دكتاتور العراق أن دول المواجهة مع إسرائيل حرة في الحركة للوصول إلى تسوية سلمية للنزاع العربي الإسرائيلي.
إلا أن تلك العلاقة لم تدم طويلا، إذ ما لبثت وسائل الإعلام الأمريكية التي تهيمن عليها الصهيونية العالمية، أن بدأت في الشهور الأولى من عام 1990 بشن هجومها على صدام حسين، متهمة إياه بالعمل على تهديد الأمن والسلام في الشرق الأوسط، والسعي لامتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل.
ورغم محاولات الملك حسين ملك الأردن، والرئيس المصري حسني مبارك لتلطيف جو العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، فإن تلك المحاولات لم تستطع تبديد شكوك الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبالنظر لما تمتلكه إسرائيل من تأثير كبير على السياسة الأمريكية، وعلى وسائل الإعلام الأمريكي والعالمي.
فقد لعبت إسرائيل دوراً كبيراً في تخريب العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، وبدأت الصحافة الأمريكية، والغربية عموماً، تشن حرباً كلامية على النظام العراقي
وتصاعدت حرب الكلمات إلى حرب أعصاب، ثم إلي الكراهية، لتسير بعد ذلك إلى الحرب الحقيقية، والدماء.
ففي 11 شباط 1990 قام [جون كيللي]، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، بزيارة إلى بغداد، وأجرى مباحثات مع صدام حسين حول العلاقات العراقية الأمريكية، وقد أثار صدام خلال المباحثات قضية الحملة الإعلامية التي تشنها الصحافة الأمريكية ضد نظامه.
وحاول جون كيللي التخفيف من آثار تلك الحملة، مدعياً أن الصحافة تمثل وجهة نظرها، وهي حرة في الكتابة والتعبير، وهي ليست بالضرورة تعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة.(3)
وفي 15 شباط، صدر تقرير عن لجنه حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، يتهم النظام العراقي بالقيام بممارسات منافية لحقوق الإنسان، من تعذيب، وقتل، وإعدامات، وقامت إذاعة صوت أمريكا بإذاعة التقرير، ثم أعقبته بتعليق يمثل وجهة النظر الرسمية للحكومة الأمريكية،
وقد أحتوى التعليق على هجوم شديد على تصرفات الحكومة العراقية.
وفي 19 شباط، ألقت السلطات الأمريكية القبض على أحد عملاء النظام العراقي، بتهمة تدبير محاولة اغتيال معارض عراقي لاجئ في الولايات المتحدة، وقامت الحكومة الأمريكية على الأثر بطرد أحد أعضاء السفارة العراقية في واشنطن، وردت الحكومة العراقية على الإجراء الأمريكي، بطرد أحد أعضاء السفارة الأمريكية في بغداد.
وفي 20 شباط 1990، أعلنت إسرائيل أنها اكتشفت وجود وحدات عسكرية عراقية في الأردن، وعلى الأثر قامت الطائرات الأمريكية بطلعات استكشافية فوق الأردن، أعلنت بعدها الولايات المتحدة عن اكتشاف 6 قواعد إطلاق صواريخ عراقية قرب قاعدة ( H2 ) الجوية الأردنية، وقامت إسرائيل إثر ذلك بتكثيف حملاتها على العراق، واتخذ الكونجرس الأمريكي قراراً بوقف بيع القمح الأمريكي للعراق.(4)
وفي 21 شباط 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في العراق يتألف من 12 صفحة، وصفت فيه حكام العراق بكونهم أسوأ مُنتهك لحقوق الإنسان، وممارسة التعذيب، والقتل دون محاكمة، أو إجراء محاكمات سريعة لا تتيح للإنسان الدفاع عن نفسه.

لقد بدا وكأن الولايات المتحدة قد اكتشفت لتوها جرائم نظام صدام، التي مارسها بحق الشعب العراقي منذُ تسلطه على الحكم في البلاد عام 1968، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، وسكتت عن حملة الأنفال الفاشية، وقتل سكان مدينة حلبجة عن بكرة أبيهم بالسلاح الكيماوي، فلم تكن كل تلك الجرائم تحرك ضمير حكام الولايات المتحدة، طالما لا تؤثر على المصالح الأمريكية، والإسرائيلية.
وفي 9 آذار تصاعدت الحملات ضد النظام العراقي، على أثر إقدام النظام على اعتقال الصحفي البريطاني [فازاد بازوفت] مراسل صحيفة الابزورفر البريطانية بتهمة التجسس، حيث اتهمته بالقيام بزيارات لمنطقة عسكرية تضم مجمعاً لإنتاج الصواريخ، وأحالته إلى[محكمة الثورة] التي أصدرت عليه حكماً بالإعدام.
ورغم جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا، وحلفائها الغربيين لإنقاذ حياته، فقد أقدم حكام بغداد على تنفيذ حكم الإعدام به في 15 آذار، وأدى ذلك الإجراء إلى تصاعد الحملات على النظام العراقي في الصحف الغربية، ووصفت صحيفة [الابزورفر] صدام حسين بأنه جزار بغداد، وكأن صدام حسين لم يصبح جزاراً إلا بعد أن أقدم على إعدام الصحفي بازوفت!!. (5)
وفي 18 آذار، أعلنت الحكومة البريطانية أنها عثرت على شحنات من أجهزة المتسعات التي تستخدم في التفجيرات النووية كانت في طريقها إلى العراق، وتمت مصادرتها. (6)
وفي نفس اليوم، وقف صدام حسين في اجتماع عام، أمام عدسات التلفزيون، وبيده مجموعة من المتسعات، وهو يتحدث باستهزاء قائلاً:
{هذه هي المتسعات التي يتحدث عنها الإنكليز؟ لقد صنعها أبنائنا النشامى في هيئة التصنيع العسكري}. (7)
وفي 27 آذار 1990 التقي صدام حسين بملك السعودية [ فهد ] في حفر الباطن بالسعودية، وشكا له من الولايات المتحدة، وأبلغه بأن الولايات المتحدة تضمر الشرّ للعراق، وقد أجابه الملك فهد بأنه لا يعتقد ذلك، وأن الرئيس بوش رجل طيب!!، ثم انتقل صدام في شكواه للملك فهد إلى حكام الكويت، قائلاً:
{إن حكام الكويت قد رفعوا إنتاجهم النفطي عن الحصة المقررة في مؤتمر الأوبك، وأن هذا الإجراء قد أضر كثيراً، ليس بالعراق فحسب، بل وبالسعودية أيضاً، فقد أدى إلى انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهذا ما أدى إلى انخفاض دخل العراق بشكل كبير، ذلك أن انخفاض بمقدار دولار واحد لبرميل النفط يعني خسارة العراق لمبلغ بليون دولار سنويا]، وقد وعد الملك فهد بالاتصال بأمير الكويت، والتباحث معه حول الموضوع}. (8)
كانت هذه الشكوى مؤشراً واضحاً على نوايا الحاكم بأمره في بغداد. وفي الوقت نفسه وجه صدام حسين تحذيراً شديداً إلى الدول التي تتجاوز حصص الإنتاج، وطالب برفع سعر البرميل الواحد من النفط إلى مستوى 25 دولار، وعدم السماح بهبوطه إلى ما تحت 18 دولار. وكان موقف الحكومة السعودية مع الحفاظ على حصص الإنتاج، وأقدمت الحكومة على إعفاء وزير النفط [أحمد زكي يماني] من منصبه، بالنظر لمساعيه الكبيرة، والمكشوفة، في خدمة المصالح الأمريكية والغربية.
وفي 29 آذار من نفس العام، أعلنت بريطانيا أنها عثرت على قطعة من مواسير المدفع العملاق، الذي كان العراق يسعى لتصنيعه في طريقها إلى العراق، وجرت مصادرتها. (9)
وكانت المخابرات الإسرائيلية قد قامت قبل أسبوع من هذا التاريخ 22 آذار باغتيال العالم الدكتور [جيرالد بول] الخبير في صنع المدفع العملاق، في أحد فنادق العاصمة البلجيكية [بر وكسل].
وفي 30 آذار 1990أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أن إسرائيل لابد أن توجه ضربة وقائية للعراق، في أي وقت تشعر فيه بأنه قد أصبح خطر عليها. ثم أعقبه رئيس الوزراء [ شامير] بالقول بأن إسرائيل ستوجه ضربة للعراق إذا أحست انه في طريقه لإنتاج قنبلة نووية. (10)
في الأول من نيسان رد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً:
{إن العراق سوف يرد على إسرائيل، إذا ما تجرأت على استخدام السلاح النووي ضد العراق، ويحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج}. (11)
وفي 3 نيسان 1990، أطلقت إسرائيل قمرأً تجسسياً، وأطلقت عليه أسم [الأفق]، وكان الهدف من إطلاقه مراقبة ما يدور في الجانب العراقي.
وفي 14 نيسان وقف رئيس وزراء إسرائيل شامير يهدد ويعلن بأن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية العمل لتدمير قواعد الصواريخ العراقية.
وفي 19 نيسان، رد صدام حسين في مقابلة له مع وفد عربي من اتحاد نقابات العمال قائلاً:{إن أي هجوم من قبل إسرائيل على العراق سيواجه بحرب شاملة، لن تتوقف إلا بتحرير كامل الأرض العربية}.(12)
وفي 19 نيسان، أعلن الرئيس الفرنسي [متران] أن فرنسا تؤيد جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، وأن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن سوف يجتمعون في تموز القادم لبحث الموضوع.
وفي 21 نيسان، أعلن العراق أن طائرة استطلاع أمريكية، وطائرات الأواكس، قد حلقت في سماء العراق. (13)
وهكذا بدأت الحرب الكلامية، وتصاعدت بين النظام العراقي من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، حتى بدا وكأن الحرب على وشك الوقوع في الشرق الأوسط، بين العراق وإسرائيل، وكان صدام حسين ينتهز كل فرصة للتحدث عن قوته، وسطوته، وأسلحته، واستعداداته الحربية، ويهدد بضرب إسرائيل بالكيماوي المزدوج، ويتفاخر باستطاعة هيئة التصنيع العسكر إنتاج المتسعات، في الوقت الذي كان نظامه يعاني من أزمة ‎اقتصادية حادة لا يعرف كيف يخرج منها.