الرئيسية » الملف الشهري » ثورة الرابع عشر من تموز والبحث في الهوية الثقافية وخلفيتها الشعبية

ثورة الرابع عشر من تموز والبحث في الهوية الثقافية وخلفيتها الشعبية

توطئة وتهاني بالعيد
الأعزاء جميعا كل عيد وأنتم بخير وبتمام الصحة والسعادة.. في اليوم الوطني العراقي (14 تموز) بوصفه يوما لاحتفالات السومريين بعيد الحياة وتجدد الولادة وعيد البابليين بحصاد ثمار زرعهم وعيد التقدم بالثورة الوطنية الديموقراطية في العراق الحديث والعمل الأبرز لاستكمال شروط الاستقلال الوطني والتحرر والانعتاق الاجتماعي الاقتصادي والسياسي من ربقة آلام وجراح تحكمت في مرحلة ولادة الدولة المعاصرة.. بهذا العيد الذي لا يقف (محصورا) عند مؤشر متغير صبيحة اليوم في العام 1958 وما اكتنفه بل يتابع الاحتفال عملا وجهدا من أجل مواصلة بناء الحياة بلغة وطنية وهوية إنسانية.. بهذا العيد الذي يمتد لعمق التاريخ الحضاري للعراقيين مذ كانوا مهد المدنية والتراث الإنساني نحتفي واسمحوا لي وتقبلوا مني أن أضع بين أيديكم باقات ورود ملونة بيضاء بنقاء القلوب العراقية و روح التسامح و”عفا الله عما سلف” في موضعها الصائب، وحمراء بروح العنفوان والتحدي لمهام الزمن ومتطلبات ما أمامنا وزرقاء بخيمة العراقيين وسمائهم وأمواه الرافدين والبحيرات والأهوار وحيث من الماء تبدأ الحياة.. أما الخضرة بباقات الورد فهي لنبعِ ِ سيظل ولودا ولنخلة كشجرة آدم التي تأبى إلا أن تبقى خالدة الحياة.

ثورة الرابع عشر من تموز والبحث في الهوية الثقافية وخلفيتها الشعبية

المعادلة التموزية تقول: بالثقافة ينتصر الشعب وبالظلام يضل وينزوي منكسرا

أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي*

كان مسار بناء مؤسسات الدولة العراقية قد تقدم بعد حوالي الأربعة عقود من رحلة التشكّل والبناء. وقد جرى ذلك بين محاولات وطنية تستند إلى محاولة استكمال أشواط البناء وتعميد دولة القانون وخدمة الإنسان العراقي ومكونات المجتمع كافة وبين محاولات سلبية من جهة التأثيرات العديدة داخليا وخارجيا.. وما نجم عن حركة الإيجاب والسلب في تلك المسيرة تمثـَّلَ في قرار القوى الوطنية التصدي للتغيير راديكاليا بعد أن وجدت منافذ التغيير عبر آليات تقليدية لم يكن متاحا.. وبعد أن وجدت أن العراق وشعبه بقي رهينة الاستلاب والمصادرة ما أدخلهما في نفق معتم كان يمكن أن تتعاظم فيه أبعد، خسائر الشعب والوطن.

وعلى الرغم من سيادة الأمية الأبجدية ومن واقع الجهل وأمراض التخلف التي فرضتها السياسات العامة للسلطة المحلية طوال تلك المرحلة؛ إلا أنَّ الشعبَ العراقي كان بطبعهِ متطلعا لاكتساب المعارف والخبرات محبا للدرس، شغوفا بنهل العلم والاستزادة منه. وما شجع على هذا طبيعة التحدي وتمكن قواه الطليعية من التركيز على الجوهري في توجهات المرحلة وأهدافها. مع وجود الأثر النوعي الكبير والمميز لتلك الطلائع ممثلة بالمبدعين في مجالات الأدب والفن والصحافة وصلاتهم الوطيدة بهموم الناس وبمعالجتها في أعمالهم بوساطة فلسفة تنويرية وبمنطق عقلي متفتح..

من هنا كان استهداف الشعراء والأدباء والكتّاب العاملين في صحافة المرحلة مباشرا. فلطالما تعرضوا للتنكيل والسجون والنفي وأشكال المنع.. ولكن صلاتهم المتينة بأوساطهم الشعبية كانت تزداد وتتسع لأنّ جماليات التعبير لم تتقاطع مع عمق المضامين وطبيعة الهمّ الاجتماعي السياسي الذي تناول حيوات الفقراء ومطالبهم وتطلعات الشعب وأهدافه في السيادة والاستقلال والتقدم. إذن تعمّدت مسيرة الحركة الوطنية الديموقراطية العراقية بجهود المفكرين، المثقفين، المبدعين في مجالات الآداب والفنون ما طبع الأجواء بنتائج حيوية مهمة انعكست في مستوى وعي الحركة الوطنية وجوهر الإجابات المؤملة عن أسئلة الأوضاع بتفاصيلها ومنها تحديدا السؤال الجوهري الذي تمثلت إجابته في ثورة الرابع عشر من تموز يوليو 1958…

وفي ضوء هذا، لا أرى ضرورة أن تؤخذ هذه الثورة بعمقها الراديكالي، وبسعة جوهرها وطبيعتها الحقة؛ من زاوية تقاطعها مع الملكية ونظامها وفي ضوء ما اكتنفها من وقائع يركز بعض المحللين عليها كما في مثال ما تعرضت له العائلة المالكة. فالدارس الموضوعي المنصف للثورة، بحاجة لموقف مسؤول ينظر في تلك التحولات الكبيرة على مستوى التحول النوعي في التركيبة الطبقية للمجتمع وفي تعديل آليات المسار الاقتصادي من غلبة الاقطاعية وآلياتها في بلد غالبيته من الفلاحين ومن الاقتصاد الزراعي المحكوم بهذه السمة الاسترقاقية إلى التحرر من عبودية النظام بمستويات اجتماعية وسياسية وبأرضية مادية اقتصادية جديدة اعتمدت قانون الاصلاح الزراعي الذي حمل مفرداته دوليا منذ الثورة الصناعية في أوروبا ولكنه ظل مقيما هنا في بلادنا على الرغم من سقوط سلطة التركة العصملية ودخوله مراحل الانتداب والحكم المحلي الوطني طوال عقود من الزمن…

ومع بدء الثورة انطلقت حركة شعبية عارمة إذ لم يكن مشهد الاحتفاليات الجماهيرية الكبيرة مألوفا بالطريقة التي شرعت بها الثورة. ولم يكن ذياك التعبير العفوي والموجه بهذا الحجم بسبب من شعور حقيقي بأن الحياة تغيرت بالفعل وفي الجوهر. وأن هذا التغيير جاء ليمسّ حياة الإنسان الفرد والمجتمع. ووجدنا تعبير المتغير في ظهور تنظيمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية تأخذ كينونتها بطريقة أداء مختلفة. فهي هذه المرة ليست تنظيمات سرية مختفية تحت الأرض؛ وهي ليست محصورة بعدد طليعي نخبوي من المناضلين؛ بل هي امتداد متسع من عشرات ألوف ومئاتها ومن ملايين يحتلون الشارع السياسي والممارسة الاجتماعية…

إنَّ مثل هذه الحركة الشعبية الكبيرة لم تستطع ترتيب أوضاعها تنظيميا بلا ثغرات جمة معروفة سواء من ذلك حالات التشنج الراديكالي والاحتكاك الشديد والتفاعلات التي صاحبها الغليان وردود الفعل الحادة بقدر تعلق الأمر بمسألة استيعاب حالات الاختلاف والتعددية من جهة ومن جهة أخرى بإمكان التعامل مع بقايا الماضي من أمراض وتركة ثقيلة منها العناصر التي استمرأت التعاطي مع الحلول الدموية لوأد الثورة ووقف تقدمها ومنع انتقالها للشرعية الديموقراطية التي كانت ستعني نهاية حاسمة لآمال القوى المعادية للشعب ولقواه الوطنية الديموقراطية..

وبصرف النظر عن التدخلات الدولية والأصابع الإقليمية وبعض الظروف غير المؤاتية ونواقص وأخطاء قد تكون كبيرة (أحيانا) في العامل الذاتي، مما أوقع الثورة في نهايتها المأساوية؛ نركز هنا على الإشارة إلى المعالم والسمات الثقافية لها؛ الأمر الذي قد يعطي العبرة المناسبة للإفادة والاستفادة من تلك الدروس والتجاريب. فثقافة أشاعتها الثورة عن تلاؤم بين طبيعتها وأهدافها ومنتجها الفكري الفلسفي كانت تتمثل في إشاعة الديموقراطية الاجتماعية السياسية كطابع رئيس عام فيما ابتعدت جماهير الثورة عن الرؤية الليبرالية وطابع التداول النخبوي الفوقي بعد أن أطاحت بنظام وبتشكيلاته السياسية التي جسدت وجوده لا الشكلي المتمظهر به بل الجوهر المختفي وراء تلك التمظهرات بأغلب مفاصلها…

وهكذا كانت ثقافة الديموقراطية الشعبية منجزا وطنيا يتناسب والخيارات التي صبَّت الجموع الجماهيرية مواقفها فيها. مؤكدين هنا أن الثقافة لا تعني في مفهومها الأداء المعرفي الفردي بل هي جملة جمعية تجسّد السلوكيات والتقاليد والأعراف التي يتبناها الناس عبر وجودهم الجمعي واتفاقهم الجمعي المشترك، ومن هنا نشير إلى ثقافة تحققت بفضل الاتفاق الشعبي العام في ضوء الانتفاض على الاقطاعية والشروع بحركة التصنيع وبناء الركاز الرئيسة للبنية التحتية الجديدة ما تطلب حتما بنية فوقية مختلفة نوعيا في رؤيتها وفي سلوكياتها وفي منتجها وعطائها الثقافيين… وطبعا هذا هو ما مثـَّل الثقافة الديموقراطية الشعبية…

وللتعمن في هذي الإشارة نحيل إلى بذورها الموجودة لا المفتعلة ولا المفاجئة في ولادتها وظهورها. فقد كان لاتساع مساحة النص الأدبي والفني ومنه القصيدة الشعرية والمسرحية أثرهما في الحياة العامة.. إذ جاءت الثورة في تغير شكل التعبير انعكاسا لتغير الجوهر الدلالي وهذا هو ما جاء بقصدية الشعر الحر وأهدافه وبظهور البنية المسرحية في النص الأدبي الجديد، تمثيلا لحال الصراع والانقسام بين الوجود الشعبي الواعي لاستقلاليته وحاجاته النوعية المختلفة وبين السلطة ونهجها والبنية التي تساندها وتمثل وجودها الاجتماعي المغاير، مثلما تمثل التعبيرات الجمالية (الأدبية، المسرحية، الشعرية) أيضا وعيا أنضج بالمستوى المدني الجديد للمجتمع وبطبيعة توزيع العمل وتقسيمه وما يعبر عنه من أدوات جمالية أحدث؛ مثلا تجاوز رتابة الحكاية وأفقية جريان وقائعها لصالح بنية التوتر والانقلاب في نقطة تحول المسرحية وذروتها.. وفي موضوعات الأدب والفن كانت تلك المرتبطة بتثوير الجمهور والاستجابة لحركته النضالية من أجل مطاليبه والإعلان عن أنفاسه الفائرة تجاه أحزانه وأوصاب يومه المثقل بالهموم من مثل قصائد الرصافي في وصف تمثيلية “علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرّف” ومن مثل يوم الشهيد للجواهري وأين حقي لشاعر الشعب (بحر العلوم) وقصائد التفعيلة والشعر الحر للسيّاب والبياتي والملائكة ومنتجهم الثرّ في الثورة على مظالم المرحلة…

وبُعيد ثورة تموز صعد نجم ثقافة راديكالية ولكن سرعان ما اكتنفتها سمات التسرع وثغرات ضغط الحجم الضخم وكثافته لأداء فعل التغيير العام في مستويات البنية التحتية والفوقية.. فليلاحظ الراصد لسنوات الثورة خطاب رد الفعل الحاد في عدد من الممارسات مثلما سيلاحظ تباينات بين نضج بعض المفردات في هذا الخطاب وضعف في أخرى ووضع الإيجابي السليم في غير موضعه كخطاب التسامح في رأس السلطة السياسية وشعارها “عفا الله عما سلف” فيما يلاحظ الراصد ذاته ممارسات لدى القاعدة الشعبية وصلت أحيانا حدّ التصفيات الدموية بدل التفاعل مع مبدأ الاختلاف والتعددية بطريقة أهدأ وأكثر موضوعية ونضجا..

وفي الحقيقة فإن المجتمع العراقي منذ مراحل نشأته التاريخية زمن تراث الإنسانية ومدنيته وتشكل أولى بذور ثقافاته، كان يتأسس على التنوع والتعددية في إطار من التكافل والوحدة الحضارية، إيجابية الأساس والجوهر لا قسريته.. بمعنى وجود حال من احترام الآخر حتى أن المجموعات البشرية التي تعايشت حملت هوية اللغة السومرية الأولى شعبيا ورسميا لألف عام تالية قبل أن تدخل البابلية الحديثة وتتداول الوجود الثقافي بمفرداته متمسكة بالمنطق العقلي وبالتنوير والتفتح والتفاعل البنـَّاء الذي حقق الانتصار لهذه الحضارة العريقة وثقافتها على الرغم من عدد من الانكسارات العسكرية التي طاولت البلاد… ومن هذا الأساس وجدنا استمرار المجتمع العراقي بكل أطيافه (بقومياته، أثنياته، مجموعاته الدينية، المذهبية، وغالبية فئاته وطبقاته) محبا شغوفا متمسكا بتعليم أبنائه وبثقافة العقل المتفتح وهو يعاود الإعلان عن هذه القيم الثقافية السامية مع كل تغيير يتضح به الصوت الشعبي العريض لهذه المكونات والأطياف…

وفي ضوء هذي الحقيقة، نجد طابع التعليم والثقافة في عراق الرابع عشر من تموز قد انتعش بقيم إيجابية وصار لهما الدور الأوضح في مسابقة الزمن ومتطلباته من أجل إعداد كوادر البناء وتعزيز سلوكياته الإيجابية البناءة… فتنظيميا كان جهاز التربية والتعليم يضم الفئة الأكثر اهتماما بفلسفة التنوير ونقل الخبرات المعرفية للأجيال الجديدة وبنائها وتحصينها بالنهج الوطني.. ومن هنا جاء التوجه في إطار نقابة المعلمين وفي اتحاد الطلبة بامتداداتهما الكفاحية وبرامجهما المهنية الديموقراطية التي تبنت مبادئ حرية المجتمع وحقوق مكوناته وقيم التحرر بالخصوص هنا مبدأ تحرر المرأة وتفعيل مساهمة نصف المجتمع المعطل وإشاعة ديموقراطية التعليم وإنهاء الفلسفة الاقطاعية وفكرها الذي عفا عليه الزمن على الرغم من مخلفات تركته المرضية… وهكذا أشرق شعاع الجامعة العراقية وتنامى تأثيرها وتحولت إلى مركز أبحاث علمية تتبنى معالجة مشكلات البلاد والمواطنين.. في مقابل خطط القوى المعادية للحياة والثقافة والإنسان وحقوقه في المعارف والثقافة تلك المخططات التي حاولت إشاعة الرعب عبر الاغتيالات التي طاولت الطلبة والعلماء والأساتذة وسلسلة هجمات مخصوصة حاولت النيل من رجال التعليم العالي بخاصة منهم المتنور وحامل لواء دمقرطة الثقافة والتعليم؛ وهذا كله في إطار اللعب على حبال تمزيق الوحدة الوطنية ومحاولات اختلاق الصراعات والاحتراب وصب الزيت في نار التعددية والتنوع لإحالتها من قوة بوحدتها ولوحدتها إلى ضعف في تمزقها وتقاطعها..

من جانب آخر كانت تنظيمات اتحادات ضمت الأدباء والكتاب والمعلمين وفي مستويات أخرى النساء والعمال والفلاحين، كانت قد أعلنت جهدها (العلماني) طريقا سليما لبناء الوطن وتعميده بقيم المجتمع المدني من دون أن ننكر أنّ ذلكم جرى في أجواء من اعتراض قوى بعينها على المسيرة الوطنية الديموقراطية ما حاول إشاعة خطاب سياسي مشحون وسجال بين تبني طريق الميليشيات وممارساتها وأدوات الثقافة الديموقراطية وجهودها في البناء..



ولابد هنا من توكيد اتجاهات التزمت قضايا الناس على خلفية ديموقراطية يسارية تحديدا بمقابل اتجاهات أخرى بحثت عن طريق السلطة والمآرب الفئوية الضيقة ولكن الصحيفة الأولى توزيعا (اتحاد الشعب) كانت دلالة مهمة على خيار الحركة الشعبية وعلى مدى تغلغل الفكر اليساري الديموقراطي المتمظهر بحركات السلم والتضامن والطلبة والنساء بل كان إقبال الحشود على تبني برنامج يساري راديكالي في الثقافة وفي الفكر السياسي مؤشرا على عمق العلاقة بين هذه القيادة الشعبية وجمهورها ومؤشرا على صواب مفردات ذياك البرنامج واستجابته لتطلعات الفقراء والجماهير العريضة والتحامه بوعيهم وبآليات أنشطتهم وتوجهاتهم لبناء تجربتهم الوطنية المخصوصة…

ومن هنا كان لوجود اليسار الديموقراطي أثره المميز في مساحة مهمة من المبدعين ومن الأنتلجنسيا العراقية وعطائها الثقافي الفكري وخطابها الإعلامي وفلسفته. ونظرة إلى الدوريات الصادرة مذ الخمسينات قبيل الثورة ومرورا بسنوات الثورة القليلة تؤكد هذه الحقيقة.. وطبعا لم يكن ردّ القوى الأخرى تفاعلا ديموقراطيا واحتراما للخيار الشعبي بل جاء بصيغة حملات عنف تصفوية ومؤامرات واختلاق قصص وأحداث تضليلية لتشويه أقطاب الإبداع الجمالي الفكري وفصلهم عن جمهورهم الذي ترك كلمة أفندي ليختار كلمة مثقف التي تعني عند العامة يساري أو ديموقراطي وهو الأمر السائد (نسبيا) حتى يوما هذا..

ماذا تعني أسماء مثل الثقافة الجديدة اتحاد الشعب؟ وبالارتباط ماذا تحتفظ الذاكرة العراقية بأسماء ظلت علامات في طريق الثقافة حتى يومنا؟ إنّ المعنى يكمن في كون هذه المؤسسات هي خلاصة للثقافة الشعبية ولخيار الجمهور لسلوكياته وتقاليده وممارساته وطقوسه التي تمثل جدلا (الثقافة) بالمعنى الواسع للمصطلح. ولكن بالتأكيد لم يكن هذا إلا بتبادل العلاقة بين نضج المنتج الثقافي الفكري وذكاء وألمعية ووعي لدى مستهلكه الإيجابي لا متلقيه السلبي.. فنصب الحرية رمز ثورة تموز لم يأتِ من مخيلة خالية الوفاض ولا من مكاتب منقطعة عن الجماهير أو مكتبات بلا صلة فاعلة بالتراث الحضاري وبالجذور الثقافية النابضة حيوية وحياة بل جاء من انعكاس كل ذلك والدليل في مضامينه وفي طبيعة جمالياته وصلاتها الحية بكل ذلك.

والتجربة الأغنى فائدة بعطاء ثورة الرابع عشر من تموز تقول: إنَّ الإبداع بكل أشكاله لا ينطلق إلا في ظل الحريات العامة. وهو (أي الإبداع والثقافة) لا يتقدم ولا يعطي ثماره إلا في مناخ ديموقراطي.. كما أن تمسك الجمهور بمثقفيه وإعلاء مكانهم ومكانتهم في الوسط العام ومنحهم أدوات العمل وتلبية شروطه ومحددات استكمال المنجز يبقى الشرط الحقيقي لانتصار الثقافة ومنطقها العقلي التنويري وبخلافه لا وجود إلا لطبول الهامشي المرضي من أبواق الأسطرة وآليات خطابها من خرافة وتجهيل وضلالة ومن انحراف بخطابات الحياة الإنسانية ومسالكها.. فلا يبدو في الأجواء سوى ظلمات وتسويق للطقسية السلبية التي تمتص طاقات الإنسان في غير ما يلبي حاجاته الروحية الحقة، ومتطلبات وعيه وثقافته.. وها نحن في ظل مثل هذي الحال، نرى اليوم ما للفساد والتشوه من سطوة ومن تردي السلوكيات والتقاليد السائدة من عنف ودموية ومغالاة في مظاهر النكوص والعودة لأردية أزمنة غير زمان الشعب ومطالبه المادية والروحية بسبب من الحرب التي تخوضها قوى الإرهاب والطائفية ضد الثقافة الوطنية الديموقراطية..

إنَّ الشعبَ ما زال ينظر بعين الاحترام والإجلال لتاريخ ثقافته الوطنية ولأعلام هذه الثقافة ولكنه وسط عمليات التشويش والتضليل بحاجة لتوكيد الصلات بينه وبين طلائعه الإبداعية من مبدعات ومبدعين ومن تنظيمات الإبداع وحركاته واتجاهاته الفكرية الفلسفية وثقافته الراسخة بجذورها.. كيما تعود انطلاقة الثقافة الصحية الصحيحة.. من هنا فقط تأتي هذه الكلمة لنقرأ تاريخنا الثقافي الحديث والمعاصر ونلاحظ أنّنا ما زلنا لا نرى في غير المفكر والعالم والأستاذ المتخصص مرجعا ومنطقا وبرنامجا لمسيرتنا وتفاصيل حيواتنا أي لثقافتنا بمعناها الأوسع..

ومثلما كانت ولادة الشاعر كما الجواهري والبياتي والسياب والملائكة حدثا لثورة ليس حدودها القافية والبنية الشعرية بل لمغزى الاستجابة لجماليات الحياة الجديدة وللحاجات الروحية وللمضامين والمعالجات المحدثة.. ومثلما كان عرض مسرحية أو قراءة رواية ليوسف العاني وزينب أو لغائب طعمة فرمان دافعا لتعزيز روح الانتفاض والتظاهر والاحتجاج؛ ينبغي لنا اليوم أن نلتف حول مبدعينا ومفكرينا وعلمائنا وأساتذتنا كونهم المرجع الأحق الوحيد الذي يمكنه أن يحل طلاسم اللحظة الراهنة وأشكال التضليل والتعتيم وظلمات العنف والجهل وأمراضهما.. لقد غادرت ثورة تموز الحلبة وخرجت عنفيا وبأيدي خارجية ولكنها ما فتئت موجودة بفضل وجود حركة الثقافة الوطنية الديموقراطية وبفضل إيمان أبناء شعبنا بتاريخهم الثقافي ومدنيتهم وقيمهم الأمر الذي يتيح لنا اليوم فرصة معاودة المسيرة.. لأن بقاءنا بعيدا عن الثقافة والمثقف يعني قبولنا بسلطة العنف التخريبية التدميرية وباختراق الأجنبي الدولي والإقليمي لوجودنا الوطني، فيما يتسع انتصارنا واستقلالنا بمقدار تمسكنا بالثقافة والمثقف فالمعادلة التموزية تقول: بوجود نور الثقافة ينتصر الشعب وبحلول عتمة الظلام والضلال ينزوي منكسرا لصالح أعداء الفكر الإنساني الحر… وذلكم هو موضع تعرفنا إلى يومنا وغدنا ونوعه في ضوء هذه الحقيقة وحكمة تجربة تموز الثورة والثقافة…

* باحث أكاديمي في العلوم السياسية رئيس جامعة ابن رشد في هولندا رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر.