الرئيسية » المرأة والأسرة » (تحديد النسل)… هل من جديد؟

(تحديد النسل)… هل من جديد؟

كانت ظاهرة النمو السكاني الكبير عقبة أمام الكثير من الخطط الإنمائية في بلدان كثيرة ترى بأن زيادة نسبة الولادات ومن ثم التزايد السريع لعدد السكان مقابل النمو الضعيف للموارد الفقيرة، والتي لا تستطيع الكثير من الحكومات في الدول النامية استثمارها على الشكل الأمثل تشكل عامل كبح أمام التقدم

وهذا ما حدا بالحكومات للبحث عن حل لتجنب الآثار السلبية لها فكانت الدعوة لتحديد النسل كحل قابل للتطبيق بواسطة بعض القوانين الرادعة والمعاقبة لمن يقترف جرم عدم التقيد بتحديد النسل وقوانينه الناظمة في الدول التي تسنها وعبر الإعلان الدعائي تارة أخرى لإقناع المواطنين بجدوى هذا الحل لهم وللدولة.
عادة ولكن!
وبعد مرور الزمن الطويل على مسألة تحديد النسل، تلك العملية التي أصبحت عرفا غربيا تعوّد عليه كل قاطن هناك، تلك العملية التي أصبحت أيضا وجهة للكثير ممن يسمون بالمثقفين أو من الذين صعبت وقست عليهم ظروف الحياة، هل من جديد في تطبيق هذه العملية الناظمة لأهم مسألة مؤثرة على قدرة المرء على الوصول إلى الرفاهية المنشودة عبر الأزمنة المتعاقبة؟.
ربما يكون من المفيد النظر في اعتراضات الكثيرين ممن فرضت عليهم هذه القوانين دون أن تكون لهم الرغبة فيه والذين لم يستطيعوا التأقلم معه مع مرور الزمن، أولئك الذين بدأت تنمو لديهم الرغبة في إنجاب أكثر من طفل لأن لدى هؤلاء وجهة نظر ربما تكون فيها بعض من الأمور التي لابد من الوقوف لديها.
حجج جديدة لمعارضي التحديد
تبدأ هذه الحجج من المكنونات الداخلية في شخصية الطفل التي يعتقد الكثير من الأهل وبعض المرشدين النفسيين بأن الطفل الوحيد في العائلة يعاني غالبا من الكثير من الطباع والسلوكيات السلبية وغير القادرة على التوازن والتلاؤم مع المجتمع بطريقة سليمة، ومن تلك الصفات السلبية التي يعتقد بأن الطفل الوحيد يكتسبها: الأنانية، الشعور بالوحدة، الدلال الزائد وما يؤدي إليه من ضعف في الشخصية وانهيارات على الصعيد النفسي حين تتعارض رغبات هذا الطفل مع الواقع الخارجي الموضوعي.
ولا تقف هذه الحجج عند شخصية الطفل بل تتعداها إلى شخصية الأهل الذين وما أن صدرت هذه القوانين في بعض الدول حتى بدأ التحايل عليها بطرق شتى ومن أهم طرق التحايل عمليات الإجهاض التي فضل بواسطتها الذكر على الأنثى في عائلات كثيرة أو تم إنجاب أطفال دون تسجيلهم وغير ذلك من الأساليب، فهذا الحجز لحرية الإنجاب يجب أن يقف على أرضية صلبة غير قابلة لمبدأ سيطرة القدر والوراثة وغيرها من العوامل النفسية المتحكمة بهذا القرار الإنساني في النهاية.
أما العامل الثالث المتحكم بهذه القوانين فهو العامل الاقتصادي الذي يتطلب التعامل بطريقة معينة مع هذا القانون لأن التقيد به تماما يؤدي مع مرور الزمن إلى حالة من الشيخوخة الاجتماعية، والتي تؤثر في العامل الاقتصادي ومدى توفر العمالة الشابة، وبعيدا عن كل هذا فإن نشوء حالات ومشاكل اجتماعية معينة ناتجة عن تطبيق القرار من شأنه أن يسبب عائق أمام الكثير من التوازنات الاجتماعية كتنامي نسبة جنس معين على حساب الآخر والذي يؤدي إلى الكثير من المشاكل التي تتطلب حلولها التساوي إلى حد ما في نسبة الجنسين إلى بعضهما البعض.
نماذج اجتماعية
ولعل أكثر المجتمعات البادية للعيان والتي اضطرت لإتباع سياسة تحديد النسل في قوانينها نتيجة لشح الأراضي وإمدادات المياه والطاقة والزيادة غير المعقولة في عدد السكان، هي الصين (أكبر دول العالم سكانا) والتي فرضت قيودا منذ أواخر السبعينات تلزم معظم الأسر بإنجاب طفل واحد، ولكن إحدى الدراسات التي تناولت تطور هذا القانون والنظرة بشأنه والتي نشرت في جريدة تشاينا ديلي والتي نقلت عن (غينغ فان) نائب وزير مفوضية تخطيط الأسرة قوله:” إن دراستنا توضح أن 70.7 في المائة من النساء سيروق لهن إنجاب طفلين أو أكثر”، لأن‏ الدراسة تؤكد بأن معظم النساء أو 83 في المائة منهن يرغبن في إنجاب ذكر وأنثى حسب الدراسة.
أما في ألمانيا فإن الوضع الاقتصادي وتحول المجتمع باتجاه الشيخوخة هو الذي يتحكم في الرأي حول هذا القانون أو التشريع الاجتماعي، الذي تعود عليه المواطن وأصبح من الصعب الرجعة عنه بقرارات، فما كان من الحكومات ومنذ العام 1966 وبعد أن لاحظت بأن نسبة العائلات التي تنجب ثلاثة أطفال فما فوق قد هبطت بنسبة الثلثين إلا أن بدأت فأوقفت باب الهجرة أمام ” العمال الضيوف “، ورفعت ألمانيا الغربية – سابقا- المنحة المعروفة باسم ” ألكسندر جيلت ” – أي منحة الأطفال التي تعطى عند ميلاد طفل ثان – من 736 إلى 858 دولار سنويا . وتأسست هيئة جديدة أطلق عليها اسم ” الأم والطفل ” وهي تشبه رعاية الأمومة والطفولة ، وتقدم مساعدة مالية لكل سيدة حامل تصل إلى 368 دولار شهريا.
ولعل تحيد النسل يكون من الوسائل الناجعة في معالجة بعض المشاكل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن التفريط فيه يؤدي إلى العكس ويخلق مشاكل لا حصر لها تقف عقبة أمام تطور المجتمع بشكل سليم ولذلك فإن فرض مثل هذه القوانين يجب أن يكون مدروسا ولفترات زمنية معينة.