الرئيسية » مقالات » عن مجزرة تدمر

عن مجزرة تدمر

كعادة تاريخنا العربي و الإسلامي يتحول التاريخ القريب إلى مادة تنتج رؤى متناقضة للحادثة التاريخية و تغذي مشاعر في غاية التناقض , يكفي هنا أن نستعيد أحداث الفتنة المعروفة التي ما يزال السرد السلطوي , الذي صاغته السلطة الحاكمة يومها , الأموية , هو السائد و الذي يتهم كل النظرات الأخرى بالهرطقة و الكفر , ما تزال الرؤية السلطوية الراهنة أيضا هي السائدة اليوم , و الرؤية المعارضة , التي طالما كفرت بحماسة الرؤية المعارضة لأحداث الفتنة , هي اليوم تعامل كهرطقة , لم يغلق الملف بعد , و ما يزال كل التاريخ القريب للسلطة السورية بحاجة لمحاكمة جدية , و هناك الكثير من الضحايا الذين ينتظرون العدالة و لو بعد سقوطهم , و لا يبدو في الأفق أي أمل لحدوث أي من هذا كله , قد تنحل الأمور بشكل عفوي , يسقط النظام فتتحول ضحاياه فجأة إلى رموز ميتة , تموت , أو تقتل , للمرة الثانية , أو ربما رموزا للموت نفسه , إلغاء الآخر إلى درجة قتله الجسدي مرة أخرى , هذه المرة باسم العدالة , التي يتضح أنها مجرد سلطة جديدة تقوم على تغيير “جذري” في أسماء السجانين و الضحايا , أو أن يتبنى النظام بعضا من التغيير الجزئي في سياساته المعلنة , كما فعل الملك الأب في أواخر أيامه و تابعه الملك الجديد الابن في المغرب , أو كما فعل النظام “الجديد” في جنوب أفريقيا , عندما تتحول ذكريات القهر إلى مجرد قصة توضع على رفوف المكتبات تتاح فيها فرصة نادرة للقتلة ليعبروا عن “ندمهم” كنهاية مبتكرة لقصة حزينة تزخر بالموت و القهر و الذبح , في ذلك اليوم قامت أجهزة النظام الأمنية من النخبة بعرض سخي بالدماء و الرصاص , كالعادة كانت الكلمة العليا لرصاص القتلة , قد يكون من التبسيط الشديد و المؤدلج أن نعتبر مجزرة تدمر حربا بين الخير و الشر , ما دامت حتى النظرة التقليدية للإنسان تعتبر كل منا خليط من الخير و الشر , على الأقل يجب تعريف الشر بشكل صحيح بحيث نرى بوضوح كيف أن السلطة التي تصر على قمع الآخر لدرجة ذبحه بدم بارد تشكل تجسيدا مطلقا للشر , طالما كانت هناك مشكلة في القمع الواقع على الأصوليين , و طالما كان هناك وهم أن الإقرار به , ناهيك عن مقاومته , يشبه تقرير حق الأصوليين في الوجود , طالما كانت موضوعة الحرية , و حتى الحق في الوجود , ثانوية و طالما كانت هناك قوائم من الممنوعين من التفكير و التصرف المستقل و المحتاجين للحجر على وعيهم و حياتهم , و حتى للقمع المنفلت , من قبل قوة أكبر و أكثر وعيا , لكن السكوت عن ذبح البشر لأنهم لا يشبهوننا أكثر من عادة سيئة تخدم القتلة , إنه في النهاية مشاركة في الجريمة……