الرئيسية » دراسات » صدام والحرب العراقية الإيرانية الحلقة الخامسة والأخيرة

صدام والحرب العراقية الإيرانية الحلقة الخامسة والأخيرة

أولاً: استمرار الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها
اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986، حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين، واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب، حيث شنت هجوماً واسعا على القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[ قصر شيرين] و [ سربيل زهاب ] و[ الشوش ]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على نظام صدام الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.
لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض أو شقة أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 90 مليار دولار.
لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، والوطن نحو الدمار والخراب.
ثانيا:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات البشرية المتتالية تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي من العراق.

أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985 .
لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج.
أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو، وركزوا على منطقة [ جزر مجنون ] الغنية جداً بالنفط واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.

ثالثاً:النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل

كاد نظام صدام يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.
غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود] ، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية.
وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء.
فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.
وتمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.
كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من انتاجها وتعبئة القنابل بها.
أحدث برنامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها 300 شركة.
كما قام الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [ يحيى المشد] الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي الدكتور [ جيرالد بول ] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [ أوزيراك ] في ميناء [ مرسيليا ] الفرنسي حيث كان معداً لنقله إلى العراق.
غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، ومساعدتهم من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.

رابعا: حرب الناقلات وتأثيرها على إمدادات النفط

عمل الطرفان المتحاربان على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه، بالنظر إلى اعتماد كلا البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب، ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتماداً كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل منهما، واستمر القصف طيلة الحرب.
كما قامت القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء البكر النفطي، مما اضطر العراق كما أسلفنا إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي التركية والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار عبر أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني منذُ نشوب الحرب.
كما قامت الكويت ببيع النفط لحساب العراق ونقله على ناقلاتها، مما دفع إيران إلى مهاجمة الناقلات الخليجية، حيث أصيب أكثر من 160 ناقلة منها 48 ناقلة كويتية، واضطرت الكويت إلى شراء الحماية لناقلاتها من الولايات المتحدة، وقامت برفع العلم الأمريكي عليها لمنع إيران من مهاجمتها. كما قامت حكومة الكويت بتأجير 11 ناقلة سوفيتية لضمان عدم الاعتداء عليها، وحاولت شراء الحماية من الصين كذلك.
لكن الولايات المتحدة عارضت ذلك خوفاً على مصالحها من التغلغل الصيني في الخليج.
أما حكام العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات من طراز[سوخوي 23] وطائرات من طراز [ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق، والمحملة بصواريخ [أكزوزسيت] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في الخليج لملاحقة الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها إيران لتصدير النفط .

وهكذا اشتعلت حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين، أصبحت عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى عالٍ جداً، مما سبب في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

وفي تلك الأيام قامت طائرة عراقية بضرب طراد أمريكي في 18 أيار 1987 ، حيث اعتقد الطيار أنه طراد إيراني، وأدى قصفه إلى مقتل 28 فرداً من القوات الأمريكية، واعترفت الحكومة العراقية بقصف الطراد، وقدمت اعتذاراً للحكومة الأمريكية، وتم دفع تعويضات لأسر العسكريين القتلى بمقدار 800 ألف دولار لكل قتيل، ولم يصدر أي رد فعل أمريكي ضد العراق، فقد كانت العلاقات بينهما على خير ما يرام.

استمرت حرب الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب حيث أصبحت تمثل خطراً حقيقياً على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب، وأصبح الخليج مملوءاً بالألغام، وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع والخراب والدمار الذي عم البلدين، لتمتلئ جيوب الإمبرياليين.
وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق لأخذ المبادرة وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب.
وجاء ذلك الدعم بمختلف السبل، من تقديم المعلومات العسكرية إلى تقديم شتى أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار، بالإضافة إلى القوات المصرية والأردنية واليمانية، وغيرها من السبل والوسائل، وبدأ العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية من أراضيه.
خامساً:معارك العام الأخير للحرب

1 ـ معركة تحرير الفاو:
في عام 1988، العام الأخير للحرب تحول ميزان القوى مرة أخرى لصالح العراق وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه من الاحتلال الإيراني، وكان في مقدمة أهدافه تحرير الفاو التي مضى على احتلالها 21 شهراً.
حشد النظام العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري، ومعدات لا حصر لها كان من بينها 2000 مدفع، ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988، واستطاعت القوات العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت المنطقة إلى كتلة من لهيب ودفع العراق حياة خمسين ألفاً من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو.

2 ـ تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة
كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب هدفاً لقصف المدفعية الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك فقد ركز النظام العراقي جهد قواته على تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية معارك شرسة دامت ثلاثة أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة بعد أن قدم التضحيات الجسام.

3 ـ تحرير منطقة جزر مجنون
بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو كان أمامها الهدف الثالث الذي لا يقل أهمية عن الهدفين الأولين [جزر مجنون] التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطيات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني بعد أن دفع الجيش العراقي ثمنا باهظا من أرواح جنوده.
3 ـ تحرير المناطق الحدودية الممتدة من البصرة إلى مندلي
بعد معارك تحرير جزر مجنون انتقلت القوات العراقية إلى ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب، ومندلي في القاطع الأوسط ، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية، مستخدمة مختلف الأسلحة التقليدية، وأسلحة الدمار الشامل، حتى أخذت معنويات القوات الإيرانية بالتراجع يوماً بعد يوم، واستطاعت القوات العراقية طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.

5 ـ اختراق الحدود الإيرانية من جديد
لم تكتفِ القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية وإنما طورت هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود.
فقد استمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني من جديد حتى وصل إلى مسافة 60 كم في بضع المناطق، مما جعل القوات الإيرانية في موقف صعب للغاية، وتنفس النظام العراقي الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية، حيث استهدف صدام حسين من ذلك إجبار القيادة الإيرانية على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات التي قامت بها العديد من الدول والشخصيات العالمية المعروفة بإقناع حكام إيران بوقفها.

سادساً:النظام العراقي يهاجم مدينة حلبجة الأسلحة الكيماوية

في ليلة 13 آذار 1988، بادرت القوات الإيرانية بالهجوم على مدينة حلبجة الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من العراق، في سهل شهر زور، بمساعدة قوات البيشمركة العائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النظام الإيراني يرمي من هجومه على المدينة التعويض عن هزائمه أمام القوات العراقية في القاطعين الجنوبي والأوسط، ولرفع معنويات جنوده المنهارة بعد تلك الهزائم.
بدأت القوات المهاجمة بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام،ثم أعقبتها بالهجوم البري الذي دام يومين حيث استطاع الإيرانيون من احتلال المدينة في 15 آذار، وتقهقرت القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك تاركة أسلحتها ومعداتها في ارض المعركة، وبدأ الإيرانيون يتحدثون عِبر وسائل إعلامهم عن انتصارات حققوها في منطقة حلبجة، وبدأ المصورون يصورون القوات الإيرانية وهي تحتل المدينة.
أدرك الأهالي أن الأخطار تحدق بهم، وأن نظام صدام سوف لن يدع القوات الإيرانية تحتل المدينة، وكان أكثر ما يقلقهم هو إمكانية تعرضهم للضرب بالأسلحة الكيماوية، ولذلك فقد حاولوا مغادرة المدينة وإخلائها، لكن الإيرانيين منعوهم من ذلك.
لم تمكث القوات الإيرانية في المدينة، حيث بدأت تنسحب منها تاركة الأهالي وقوات البيشمركة فيها، فقد توقعوا أن يشن نظام صدام الهجوم عليها بالأسلحة الكيماوية.
وفي صباح يوم 16 آذار حلقت 8 طائرات حربية عراقية فوق المدينة وبدأت بالقصف العشوائي مركزة على منطقتي [السراي] و[ كاني قولكه ]
وبعد الظهر جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بكل أحيائها، وكانت تستهدف كسر زجاج النوافذ للدور تمهيداً لقصفها بالسلاح الكيماوي، لكي تنفذ الغازات السامة في كل مكان، ولكي تقتل أكبر عدد من المواطنين.
وفي الساعة الثالثة والربع من عصر ذلك اليوم جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بالسلاح الكيماوي، مركزة القصف على أحياء [بير محمد ] و[جوله كان ] و[ كاني قولكه ] [والسراي ] ثم تلتها موجة أخرى من الطائرات بعد ساعة لتقصف المدينة من جديد مركزة القصف على كل أنحاء المدينة.
وتحدث أحد الناجين من تلك المجزرة البشرية، التي ذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن كردي أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ حيث قال: {في البداية سمعنا صوت انفجارات مدوية، تلاها بعد خمس دقائق انتشار ما يشبه الضباب الذي راح يقترب من الأرض شيئاً فشيئاً، وبدأت العيون تدمع وشعرنا بحرقة شديدة، وكانت الرائحة أشبه برائحة البارود، وتسرب الدخان الأبيض إلى كل المنازل، والمخابئ، وبدأ الناس يشعرون بالاختناق، وتدافعت جموعهم للخروج نحو الخارج لتشم الهواء، وكان الناس يصرخون كالمجانين ويضعون أيديهم على عيونهم وأنوفهم ثم يسقطون على الأرض، ويأتون بحركات متشنجة ، ويتقيئون ويبصقون دماً، وأصيبت عيونهم بالعمى، وكانت أنوفهم وأفواههم تنزف دماً، وقد ازرقت بشرتهم، ثم بدؤوا يفارقون الحياة، وكنت أرى الجثث في الشوارع والطرقات وفي كل مكان، وكان البعض منهم لا يزال ينازع الحياة، وقد شوهتهم الحروق، وبدت المدينة أشبه بمقبرة انتزعت الجثث فيها من قبورها، وتناثرت على الأرض، وقد استطاع البعض تصوير تلك المشاهد المرعبة التي تصف جرائم نظام صدام خير وصف }.

سابعا:العراق يكثف حرب الصواريخ لتركيع إيران،ونهاية الحرب

أخذ حكام العراق بعد أن تسنى لهم دفع القوات الإيرانية إلى عمق أراضيهم يضغطون على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب وذلك عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الشعب الإيراني، فقد كانت الصواريخ تنهال على طهران والمدن الإيرانية الأخرى بشكل متواصل، محدثة خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وخلقت
حالة من الهلع لدى الشعب الإيراني.
وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم 579 ، والذي دعا إلى وقف القتال بين الطرفين، وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية، ووجد حكام إيران أنهم قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، واضطر الزعيم الديني [آية الله الخميني] إلى إصدار أوامره بوقف الحرب في 18 تموز 1988 ، والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض، حيث
أعلن الخميني قائلاً:
{أنه يشعر وهو يصدر أمره بوقف الحرب بأنه يشرب السم }.
وهكذا توقفت الحرب بين العراق وإيران بعد مجازر رهيبة استمرت طيلة ثمان سنوات وذهب ضحيتها أكثر من مليون إنسان من كلا البلدين، إضافة إلى ملايين المعوقين والأرامل واليتامى، وتدمير اقتصاد البلدين، وتخريب مرافقهما الاقتصادية، وكان الأخطر من كل ذلك هو التأثير النفسي الذي تركته تلك الحرب المجرمة على أبناء الشعبين المغلوبين على أمرهما، والتي لم يجنيا منها سوى الدماء والدموع.

ملاحظة : للمزيد من الاطلاع على تاريخ هذه المرحلة مراجعة كتابنا الموسوم [ سنوات الجحيم ]على موقعنا على الإنترنيت التالي:
www.Hamid-Alhamdany.com
ِAlhamdany34@gmail.com
11/7/2009