الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -26

حرب وسجن ورحيل -26

لايمكن أن تغيب عن ذاكرتي صورة ذلك الشاب ( صبري جمعه غريب ) من أهالي الحي ذلك الشاب مثله مثل آلاف الشباب من أمثاله الذين عاملهم النظام الصدامي معاملة أبشع من معاملة العبيد في الجاهلية الأولى وصادر حريتهم وكرامتهم ومواطنتهم وفصلهم عن عوائلهم دون أي ذنب يذكر وستبقى لطخة عار كبرى في جبين البعث الذي يدعي بأنه بعيد عن الشوفينية والعنصرية والطائفيه وكأن التأريخ ستطويه صفحة النسيان وتبقى تلك القصص الرهيبة مطمورة تحت الأرض ! لقد كان ذلك الشاب العراقي البريئ من الأكراد الفيليين ويمتلك شهادة الجنسية العراقية من صنف 4/آ ومن التبعية العثمانيه التي تعتبرها السلطات الصداميه والسلطات التي قبلها شهادة عراقية أصلية وكأن العثمانيين لهم تأريخ زاخر بالأمجاد في العراق فتيمنت جنسية العراقي باسم تلك الدولة العتيده المهم أنه لم يكن من التبعية الأيرانية التي لاشفاعة لها كما يقال ولكن مادام الشخص كردي فيلي فلو حمل من الوثائق العراقية بقدر ماحمل المهلب بن أبي صفره من كتب على جماله فلن تشفع له وسيقال عنه أنه ( أيراني )!!!. كان ذلك الشاب يقاتل كجندي في جبهات القتال على الخطوط الأمامية ضد الجيش الأيراني وقد عاد في أحدى الليالي بعد حصوله على الأجازة ألى بيت أهله في مدينة الحي / محلة السراي فوجد الدار مقفلة ومختومة بالشمع الأحمر فطرق بيت الجيران ليعرف ماذا جرى فأخبره الجيران بأن أمه وأباه وأخوته وأخواته قد هجروا ألى أيران في ليلة ظلماء مع الكثير من العوائل وما عليك ألا أن يدبر حالك وتختفي قبل أن تقع في أيدي جلاوزة السلطه . وقد كان له أخ أسمه (حربي جمعه ) وكان زميلي في المرحلة المتوسطة فأسقط في يده ودارت به الدنيا ولم يعرف ماذا يعمل فركب سيارة أجره في جنح الليل ليسافر ألى بغداد حيث يوجد أحد أقاربه
وهناك في بغداد أخذ يبيع بعض الحاجيات ليعيل نفسه ويجمع مبلغا يستطيع به التسلل عبر الحدود الأيرانية والألتحاق بأهله يبعد أن يشخص المخيم الذي أعد لهم وقرر أن يترك الخدمة العسكرية بعد الذي جرى لعائلته وكان يعيش في قلق دائم ويتنقل من منطقة ألى منطقة خوفا من عيون عملاء السلطة من الأمن والمخابرات التي كانت تجري مسحا سكانيا لكل المناطق بين آونة وأخرى . وفي أحدى الليالي أحس بحركة سيارات خارج البيت المتهالك الذي يسكن فيه مع أفربائه في أحدى الأزقة الفرعية من شارع الجمهوريه وسلطت الأضواء الكاشفة على المنطقه فشعر بأنه وقع في قبضة عملاء النظام وكان ذلك الهاجس يلاحقه أينما حل وفكر في بداية الأمر الهروب هو وأثنين من أقاربه لكنهم لم يفعلوا رحمة بالعوائل الآمنة التي كانت تسكن تلك المنطقه السكانية المزدحمة حيث البيوت متلاصقة ببعضها وأن عملاء النظام الصدامي لايرحمون أحدا وربما سيطلقون النار بصورة عشوائية ويكونوا سببا في موت أشخاص أبرياء وبعد أن سمعوا طرقا شديدا على الباب و أمرا بتسليم أنفسهم تأكدوا من الحقيقه فخرجوا وهم رافعوا الأيدي وعزل من السلاح وسلم الثلاثة أنفسهم وأحدهم هو صبري جمعه غريب فتم القبض عليهم وتفريقهم وكان نصيبهم من الضرب والسب والشتم كبيرا . فنقل المسكين صبري ألى أحد زنزانات الأمن العامة المنتشرة في بغداد ولم يعلم ماحدث لقريبيه الآخرين وبعد ستة أشهر من التعذيب جيئ به ألى سجن التسفيرات في الكوت بعد أن سحبت شهادة جنسيته وهوية الأحوال المدنية منه وأرفقت معه مذكرة توقيف سريه ألى سجن التسفيرات في الكوت باعتباره ( متسلل أيراني ) وكان هذا الأسلوب عاديا بالنسبة للسلطات الصداميه وقد طبق على المئات من شباب الكرد الفيليين الذين كانوا يدافعون عن العراق في جبهات القتال ثم يسجنون ويغيبون بطرق جهنمية مختلفة لايقرها عرف ولا دين ولا قانون في هذا العالم وكان حظ صبري جمعه أفضل من غيره حيث راوده الأمل بأطلاق سراحه ليلتحق بعائلته سرا وقد صرح لي بذلك ولا أدري ماذا حدث له وهل حقق أمنيته أم وأدها نظام العث القومي التقدمي جدا !. وكان شاب آخر خريج كلية الهندسة وأسمه عادل الحاج خلف تم القبض عليه بعد تسفير عائلته وهو جندي واندثرت أخباره وبقيت عائلته مهجرة واختفت آثاره بالنسبة لي أيضا .
في أحدى الصباحات جيئ بأربعة فتيان وهم في حالة يرثى لها من شدة الضرب والتعذيب التي تعرضوا لها وكانت الكدمات الشديدة بادية على وجوههم وتحت أعينهم وتجمعوا على شكل كتلة بشرية وهم يئنون من شدة الألم وبعد يومين من المكوث والأنكباب على وجوههم في ذلك المكان القذر والمزدحم فتحوا أعينهم ليجدوا أنفسهم وسط هذا الحشد البشري وأخذوا ينتحبون فأثاروا شفقة السجناء وفضولهم أيضا فاقترب البعض منهم وحاول الأستفسار عن سبب سجنهم وتعذيبهم فقالوا أنهم متهمون بقتل أحد الأشخاص ظلما وعدوانا وأقسموا ببراءتهم وأنهم اعترفوا بجريمة القتل نتيجة التعذيب الشديد الذي تعرضوا له في (مديرية مكافحة الأجرام ) حيث يوجد أقسى أنواع البشر وقد تبين أن أحد الأشخاص وجد مقتولا على رصيف الشارع الرئيسي في منطقة الزهراء في الكوت فتم ألقاء القبض على أولئك الفتيان عشوائيا كمشتبه بهم لأن بيوتهم كانت قريبة من جثة الشخص المجنى عليه وأخذوا ألى مديرية مكافحة الأجرام وهناك اشتغلت عليهم الصوندات والركلات على طريقة علي كيمياوي (وين التوجعك ) فاعترفوا بأنهم القتله حتى يتخلصوا من جحيم التعذيب ولو بعد حين وقد أثبتت الأيام اللاحقة بأنهم أبرياء ولا علاقة لهم بالجريمة لامن بعيد ولا من قريب والقاتل هو شخص واحد أسمه ( بدر فشاخ ) من أهالي منطقة الكريمية في الكوت وقد ارتكب جريمته وقتل الضحية الذي كان يستأجر سيارته للذهاب ألى أحدى المناطق واستولى على بعض النقود التي كانت في جيب الضحيه وسحب بدر فشاخ القتيل ورماه على الرصيف وهرب بسيارته الأجرة ألى بغداد وشتان بينه وهو القاتل وبين الشاب المسكين صبري جمعه وهذه هي مفارقات الحياة لقد لجأ ذلك الشاب ألى بغداد لتحميه من ذئاب البعث فوقع في قبضتهم وبدر فشاخ هرب ليخفي معالم جريمته ويكون الفتيان الأربعة هم الضحيه ولكن ذئاب البعث لم يستطيعوا التمييز بين القاتل والبريئ ولم يكن بأمكانهم القبض على الجاني الأخير الذي أخذ يعاني من تأنيب الضمير ويرى الضحية في المنام ليقول له ذلك السؤال الكبير لماذا وبأي ذنب قتلتني ؟وأصبحت جريمته كالكابوس الذي يلاحقه في كل مكان وقرر أن يعترف فقفل راجعا ألى الكوت وذهب ألى شرطة منطقة الزهراء ليعترف بتفاصيل الجريمه واعترف بكل شيئ وتأكد أن الفتيان الأربعه لاعلاقة لهم بالأمر أبدا واعترف بتفاصيل الجريمة التي ارتكبها وجيئ به ألى السجن وأطلق سراح الفتيان الأربعه الذين نالوا من الضرب والتعذيب الشيئ الكثيروأصبح بدر فشاخ موضع تعليقات السجناء وسخريتهم وكانوا يقولون له لو مات أحد هؤلاء الفتيان الأربعة الأبرياء تحت التعذيب ماذا كنت تقول لربك ؟ فكان يقول (ياجماعه جوزوا مني مو بيدي هذا اللي صار والله أذا لحيتوا علي تره راح انتحر ) هذا ماحدث أمامي ويشهد الله على أنني لم أزد حرفا واحدا عما شاهدته . والله على ماأول شهيد .

جعفر المهاجر
السويد في 11/7/2009 .