الرئيسية » مقالات » محمد علي شمس الدين.. بين لغةِ الحلمِ وهاجسَ الحداثة

محمد علي شمس الدين.. بين لغةِ الحلمِ وهاجسَ الحداثة

أُعجبتُ بكلامهِ عندما رأيتهُ يتحدثُ على فضائيّةٍ سعوديةٍ عن سرياليةِ المتنبي..قالَ أنَ بيت المتنبي المشهور( نحنُ قومٌ ملجنِّ في ثوبِ ناسٍ فوقَ طيرٍ لها شخوصُ الجمالِ ) أروعُ ما لدى العرب من تراثٍ سرياليِّ..ولو عاصرَ دالي المتنبي لرسمَ هذا البيت رسماً يدهشُ كلَّ نقَّادِ الفنِ الحديثْ. كانَ ذلكَ منذُ سنواتٍ عدَّة.. كانَ الشاعر ذكيَّاً في طريقةِ نقاشهِ وعرضهِ لمشكلاتِ الشعرِ العربي الحديث.. ومراوغاً في الإجابةِ على الأسئلةِ الشائكة ومحدِّثاً لبقاً وشاعراً يملكُ ثقافةً استثنائيةً فذَّةً لا زالت تبهرني وتدهشني حتى اليوم.

كانَ يتدفَّقُ في كلامهِ كالنهرِ البريء وكنتُ في شوقٍ مُشتعلٍ بكلِ حرائقِ الشعرِ لسماعهِ.
ولا أُنكر أنني متأثِّرٌ بالشعرِ اللبناني تأثُّراً جارفاً وخصوصاً بالجنوبي منهُ وشاعريهِ الجميلين محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع.. اللذين خلخلا بقصيدتهم التفعيلية وتجديدهم الجمالِّي الجريء مسلَّمات القصيدة العربية الحديثة وغيَّرا مسارها بقوة كأنهما أحفادُ بروميثيوس وحملةُ مشعلهِ المقدَّس في الأرضِ المظلمة.أو أحفادُ ديكِ الجنِّ الحمصي في بلادِ الشام. ديكِ الجنِّ الحمصي الذي تغنَّيا بهِ وبعشقهِ وغيرتهِ وجنونهِ طويلاً.

محمد علي شمس الدين شاعر يدينُ لهُ فنيَّاً وعلى مستوى بناءِ القصيدة الحديثة الكثيرُ من الشعراءِ العرب فهو يعرفُ ماذا يريدُ من الشعرِ ومن نفسهِ أيضاً. تعرفتُ إليهِ عبر دواوينهِ الشعرية التي لا تتركُ القارئ في اطمئنانهِ الشعري أبداً وتدفعهُ للقلقِ المضني والبحث عن الآفاقِ الجديدة المجهولة.
كنتُ قد قرأتهُ بنهمٍ ضارٍ قبلَ عدَّةِ سنواتٍ فأدركتُ انني أقفُ أمامَ قامةٍ سامقةٍ وضاربةٍ في أقصى سماءِ اللغة. لمستُ في كتابتهِ الشعريةِ نموذجاً شعرياً حداثوياً نقيَّاً من الزوائدِ والشوائبِ ومكتوباً بحساسّيةٍ عاليةٍ وتركيزٍ جمٍّ قلما وجدتهما عند غيرهِ من الشعراءِ المعاصرين. فهو يتغلغلُ بحسِّهِ الصافي وذكائهِ الفطري إلى جوهرِ الحداثةِ وسرِّها الدفين متشرِّباً بها حتى النخاع. ومشبعاً ظمأ فؤادهِ وروحهِ التي ترفرفُ في محيطٍ يلهثُ شعراؤهُ في شمسِ الصحراءِ العربيةِ القاسية.
أظنُّ أنَّ الكثير من الشعراءِ العربِ تأثروا ظاهرياً بالحداثةِ المستوردةِ من الغربِ وربما بأفكارها أيضاً ولكنهم ظلَّوا بعيدينَ عن نفسِّيتها والخوض في غمارها ذلكَ أنهم لم يرضعوا لبانها في المهادِ ولم يدرجو على هواها في الطفولة وإنما تلَّقوها عن مدارسَ ومنظرِّين وشعراءٍ تأثروا بها أكثر من معانقة نارِ حقيقتها. ومعرفةِ خفاياها.
ولا أريد أن أشيرَ إلى شعراءَ كأدونيس وعبد العزيزِ المقالحِ هنا وهم في نظري مجدِّين في الأشكال الشعرية أكثر منهم مجدِّدين في المضامين. بل أكتفي بالقولِ أنَّ شعراءَ الحداثةِ المرموقينَ بذلوا قصارى جهدهم لكي يصلوا إلى حالةِ الرضى النفسي حولَ تجاربهم الشعريةِ. ومنهم محمود درويش وسعدي يوسف ونزيه أبو عفش وحسب الشيخ جعفر ولكنهم لبعدهم عن منابعِ الثقافةِ الفرنكفونية في فترةٍ مبكِّرةٍ على تفتُّحهم الشعريِّ أخفقوا في كتابةِ قصيدةٍ عربيةٍ ينطبقُ عليها مقياسُ الحداثةِ بكلِّ الجماليَّاتِ والعناصرِ المتعارفِ عليها.
يقول حولَ سؤال عن الماضي في شعرهِ وتجليَّات الحياةِ الجميلة : ( عمليّة القطع مع السيرة ليست سهلة ولا صحيحة. الحداثيّون في الغرب Modernists قطعوا مع الماضي، حتى إن (ماياكوفسكي) اعتبر الرومنسيّة كعضو مريض في جسم حيّ. ايضاً (يوجين يونسكو) المسرحي السوريالي الفرنسي، كتب هجائيات لفكتور هوغو. ثمّ استيقظ العالم على ما بعد الحداثة ليجد أن الحداثيين لم يفهموا جدل العلاقة مع الماضي. لا شيء يموت. كلّ شيء يولد. الولادة هي تجدّد. كلّ قصيدة تخزن كلّ الشعر. لا يؤسّس تجاوز على أي جهل. المعادلة هنا دقيقة جدّاً وخطيرة.)


شمسُ الدين شاعر ثقافةٍ مركبَّة كما يقولُ عنهُ المستشرق الإسباني بدرو مارتينيز مونتافيز فما أن فتحَ عينيهِ على دنيا الشعرِ إلاَّ وجدَ نفسهُ متوفِّراً على منابعِ الكبارِ من الشعراءِ النبوءيونَ أمثال ملارمه وبودلير ولوتريامون ورمبو هؤلاء اللذينَ جعلوا للقصيدةِ رؤى مجنَّحةً ولما يتصِّلُ بها من طقوسٍ لكتابتها أداةً لفهمِ واقعِ الحديدِ والذهب.. وخيطاً رفيعاً من النورِ يربطهم بالوحيِ ولغةِ الأحلامِ الشفيفِ الرفيعة.
لا أعرفُ سبب قلَّةِ انتاج الشعراءِ اللبنانيين وعلى رأسهم محمد علي شمس الدين الذي لم ينتج نصف ما أنتجهُ مجايلوهُ فلهُ عشرة دواوين صغيرةِ الحجمِ كبيرةِ القيمةِ أولها( قصائد مهرَّبة إلى حبيبتي آسيا) وآخرها (الغيومُ التي في الضواحي) الصادر عام 2008 الذي نلمسُ فيهِ لوعةَ ومرارةَ حرب تموز عام 2006ولا يفارقنا شبحُ الحزن على ما حصلَ بالجنوب.ولهُ أيضاً ثلاثةُ كتبٍ نقديةٍ هي رياح حجرية ..والطواف.. وحلقاتُ العزلة. ويحضرني الآن أيضاً الشاعر اللبناني أنسي الحاج فقد بنى مجدهُ الشعري على أقَّل من سبعةِ دواوين.فالمسألة مسألة كيف لا كم في الكتابة.

منذُ ديوان شاعرنا الأوَّلِ ( قصائد مهرَّبة إلى حبيبتي آسيا) الصادر عام 1975 وهو في ارتقاءٍ تعبيريٍّ مستمرٍ نحوَ الكمالِ المجازيِ. فهو يشدِّد كثيراً على الناحيةِ الصورية والحسيَّة في قصيدتهِ. ونجدُ في ديوانهِ هذا أنهُ منذُ بداياتهِ لا يقولُ كلاماً مجانياً ولا يحفلُ بالشعاراتِ المستهلكةِ ولا بالتقريرية. هناكَ فقط ايحاءٌ شعريٌّ فذٌّ وتراكيب منحوتةٌ من أقصى الروح.
نراهُ بعدَ ذلكَ يصعدُ في أُفقٍ تخييلي مزركش بالألوانِ الضاريةِ وفي اتجاهٍ عموديٍ في أعمالهِ اللاحقةِ مثل( أما آنَ للرقصِ أن ينتهي؟) فنلمسُ هذا التمرَّدَ الخطيرَ على ترسُّباتِ القصيدةِ العربيةِ من أواخرِ الستينياتِ إلى يومنا هذا.ونجدُ أيضاً التبرَّم الواضحَ بأساليبِ اللذينَ يرتكزونَ على التراثِ من غيرِ أن يفهموا متطلباتِ الكتابة الشعريةِ الجديدةِ ووعيها العميق. فهم لا يعترفونَ بأنَّ وراءَ الليلِ التتريِّ شمساً للحرية.
فالقصيدةُ مشروعُ مغامرةٍ وتحدٍّ دائمٍ وليسَ في الشاعرِ الإشكاليِّ أيَّةُ صفةٍ تدعو إلى القناعةِ والكفافِ على مستوى الخيالِ والرؤيا.. فهو في بحثٍ مستمرٍ عن الأمثل والأجدر.
وفي قلقٍ وجوديِّ كأنَّ الريحَ تحتهُ وكأنهُ على سفينةِ السندبادْ.
إذن نحنُ أمامَ شاعرٍ عربيٍّ اشكاليٍّ يبلغُ في كتابتهِ أقصى حدودِ الاشكاليةِ والجمالِ وما بعدهما تغني قراءتهُ كلَّ بضعةِ شهور عن عشراتٍ غيرهُ ولهذا السبب أجدني أعودُ إليهِ كُلَّ بضعةٍ شهورٍ لأقفَ على مصادرِ الرحيقِ والشهدِ. لا لشيٍ فقط لجدَّةِ معانيهِ وكثافةِ صورهِ وأصالتهِ. وهذا ما حدا ببعضِ النقادِ العربِ إلى الإشادةِ بأهميةِ تجربتهِ والإشارةِ إلى قدرتهِ غيرِ المسبوقةِ على استعمالِ الرموزِ والأساطيرِ وتوظيفها بالشكلِ اللائق.

فهو قيس وجميل وكلُّ العشَّاق العرب في آن واحدٍ وهو يستندُ على التراثِ العربي بقدرِ ما يستندُ على التراثِ الغربي.. يقولُ في آخرِ دواوينهِ (الغيوم التي في الضواحي) في قصيدة (وجهٌ لليلى) ويرتكزُ على ما تبقَّى من الضوءِ في عينيِّ ليلى العربيةِ كما ارتكز أراغون على عينيِّ إلزا من قبلهِ:

باب ليلى
كان عشقي لها يعذبني
وموتي جميلا
على قاب قوسين من بابها
يصطفيني
تقول:
وهل أنت قيس العليل؟
أقول: نعم
وأضيف: القتيل
إن ليلى
التي لا تزال هناك
محجبة لا تراني
تحيط بها نسوة من حديد
ورجال عبيد
ونسر عجوز على بابها
يرصد القادمين إليها
فيا أهلها في العراق
اسمعوا زفرتي
وهي تمضي مع الريح
أو دمعتي
وهي موصولة بالفرات الجريح
من الشام تمضي
مواكب عشقي
وتحمل راياتها
في الفلاة
وتحدي لها
بالغناء الحداة
ولكن ما حيّر العقل
حتى براه الجنون
أن ليلى
-التي مت في حبها ألف عام-
تخون


أعتقدُ أننا نحنُ العرب محظوظونَ بشاعر مثل محمد علي شمس الدين متمِّم مسيرة بدر شاكر السيَّاب الذي أحبَّهُ وتأثَّرَ بهِ ولكنهُ اختلفَ عنهُ.