الرئيسية » مقالات » التديين والتطييف والارتكاس العائد سياسياً

التديين والتطييف والارتكاس العائد سياسياً

ثمة موجة من الكتابة ضد اليسار الفلسطيني، بعضها موجه من مواقع ومراكز الدين السياسي المذهبي، دَعْ عنك جانباً هؤلاء، وحالتهم ومنطقهم وكلامهم الأسود، وهم يخلطون بين الإله الحقيقي والدولار المنفوط في الزمن المذهبي ورياح السموم عربياً. وكنا نصطلح على حركة فتح “حزب السلطة”، وإذ بنا نتنقل من “حزب الحكومة إلى حكومة الحزب (حركة حماس)؛ وإلى محاصصة احتكارية بين “حزب الحكومة وحكومة الحزب”، وبما حملت الأخيرة من انقلاب عسكري “دستوري” في قطاع غزة، لينتقل اليمين الفلسطيني المذهبي المتطرف كما فعل اليمين السلطوي لفتح، وبكل ما ملك من مال وإعلام فضائيات وكتاب مرتزقة، ووسائل متاحة تحملها رياح السموم، إلى محاولة محاصرة اليسار بشتى مكوناته، خاصة اليسار الواقعي الثوري الجامع بين “سياسة السلاح وسلاح السياسة”، ومحاولة اللعب على تياراته عموماً …
ومع إدراكي التام لحالة المرارة الشعبية الفلسطينية من الواقع القائم، لم يعد هناك ما يغري بنقاش أدوات هذه الموجة. حتى الشتيمة لم يعد لها وقعها، وما عساها أن تنفع حين تكون الحياة المطلوبة لديهم نوعاً من الروث، وأتساءَل لِما كل هذه الكراهية للحياة ؟ وكم هي أولوية مهمة الخروج من براثن البلاهة والارتزاق واللصوصية باسم الله. وبالمعنى الأوحد؛ الردة الشاملة عن المستقبل وعن السير نحو الحضارة الإنسانية، فإذا كانت قضيتها “المشيئة الإلهية” فالله لا يرضى عن الدم والدموع والسواد، الذي تغدو به العدالة حلماً في ليلة صيف، والحياة احتفال بكل ما هو جميل وبكل ما هو نشوة وفرح، في الثلاثية الإنسانية وما يستتبعها من موسيقى الخلاص؛ النضال والحب والفرح، فأين أنتم أيها الجهلة، المشعوذون، النهابون، البلهاء من قول العرب “والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا”، بل أنتم في مقعد ابن هانئ ومن على خيوط ربابته ولسان حاله لوليه؛ وعلى ركبتيه جاثماً أمام المعز لدين الله الفاطمي:
“ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
فكأنما أنت النبي محمد وكأنما أنصارك الأنصار”

هذه هي الحركة التي انقلبت على قواعد المسرح السياسي وقوانينه وملأته بالجرائم والمهازل.
المهزلة المأساة؛ أنهم ذاتهم في كل مكان وبكل أصنافهم العربية يكذبون على الله. في بلاد الرافدين هم على دبابات الجنزير وذيل الخنزير المحتل، فالأولوية الوصول إلى السلطة. وفي فلسطين … يا أيها الفلسطينيون: وطنكم يراد له أن يذوب وأن يَفنى وأن يلحق بما تبقى بالأقطار العربية كسكان مقيمين، لا كمواطنين هم أصحاب الوطن والأرض، لقد باتت الدعوة ـ علناً ودون خجل ـ؛ فالأولوية للرسالة والخلافة والإمارة البريئة البراءة كلها من الله، البريئة من الشرف الوطني والضمير الوطني والأخلاقي، فهذه لا يمكن أن تُشترى وتستورد بالدولار المنفوط، وبعقلية “الديوث” في هذا الزمن العاهر، الذي يريدنا بلا حرية ولا أحلام ولا استقلال ولا تاريخ، وبلا ثقافة، وبلا ذائقة، وبلا جمال، ونشوة وفرح وشموع. وبكل البلادة والبهاتة البائسة حدود محو الإنسان في الصمت والخَرسْ، وعموم ألوان القبح الأحمق الذي يجلس مع الظلام في ظهيرة النهار.
إن موقفي هذا من عدم الرد؛ لا يحرمني من حق التعبير عن رأيي بحق أي جزء من مكوناتهم “اللاهوتية المذهبية” عندما يكون النقاش مجدياً، لأن الحالة الراهنة بلغ بها الكلام مشارف الصمت، خاصةً عندما أرى الدجالين والنكرات يطلعون علينا في الفضائيات الملوثة نفطاً، ويطلبون المال والتبرع من أجل “النساء الفلسطينيات والأيتام” دون أن يصل هؤلاء شيئاً، بل يذهب كل المال إلى فصيل أوحد دون أحد من الشعب (!) …
وأتذكر هنا قصة الببغاء والصقر؛ حينما حاولت الببغاء تعليمه الكلام بدءاً بالحروف الأبجدية (ألف با وبوباية …)، وأصيب الصقر بالملل لكثرة التكرار طالباً التوقف وأن تدعه وشأنه، حتى صاح: “اللعنة عليك وقتلها”، مع الفارق أنني أؤكد أنه لا تتوفر لديّ أية نوازع أو رغبة لإيذاء أي ببغاء أو كائن حي، لكنها الببغاء المعلمة التي تريد أن تثقف الواقع الفلسطيني، وأنا أرثي للببغاء، والببغاءات من المثقفين، لكن ليسوا وعلى أي حال؛ لن يكن (الببغاوات) بطلات لقصة حبي …
ومنهم الرئيس السوداني “المؤمن البشير” من مدرسة “أخوة يوسف”، الذي اضطر إثر تهديده بالمحكمة الدولية لمذابح دارفور، أن يتعرى إلا من الريش والرمح والترسْ، وأن يرقص حافياً على الصنوج والطبول الزنجية، أتساءل بعد ثلاثة عقود من الحكم: لماذا لم يرقص “عطيل” هذه الرقصة إلا الآن ؟ وكان بإمكانه أن يفعلها مرةً واحدة بالعام على الأقل على امتداد ثلاثة عقود؛ طالما أنه يتقنها، نصيحة ثمينة … و”لِنسمِ الأمور بمسمياتها”.
هل يفي هذا بالغرض المطلوب ؟ علماً أن الكثير من الأصدقاء سبق لهم وأن طلبوا رأيي في الراقصة الشهيرة فيفي عبدو، فهي حقاً قد قفزت بالرقص الشرقي ورَقتهُ، وصولاً إلى أرقى قاعات باريس، أليس حقاً من الأجدى أن نكتب عن عصامية وإبداع بنت الحي الشعبي “الجدعة” بالدارجة المصرية !.
ولكيما يكون الحديث كريماً الآن؛ فلا بد لي من النقاش مع “د. عادل سمارة”، في كنعان النشرة الإلكترونية العدد 1945 تاريخ 4 تموز/ يوليو 2009 مقالته حول “مؤتمر توحيد اليسار” (برام الله) وتحت عنوان “توحيد اليسار بتمويل غربي!”، ففي الحلقة الثانية من مقالته يشرح للقارئ مَنْ هي روزا لكسمبورغ؛ “فهي لم تكن يسارية، ولم يكن سقف اليسار قد هبط إلى هذا الحد”، ذلك لأن المؤسسة التي أشرفت على المؤتمر هي مؤسسة روزا لكسمبورغ” اليسارية الألمانية التي استشهدت برصاص الثورة المضادة اليمينية الدامية، ثم يُعرّف القارئ بخلافها مع لينين “الواسع والحاد”، لم نفهم أن هذا الخلاف يكفي لسحب الصفـة اليسارية عنها أم ؟ وهي معروفة بأنها ماركسية ثورية، ولينين ذاته لم ينفي عنها ثوريتها اليسارية، ثم بعد القراءة يشعر القارئ بأن المقالة على غير عادة، كتبت بتلقائية تسطيحية لم نعتدها من د. سمارة، اختلط بها الحابل بالنابل، وكأن اليسار الفلسطيني شريحة ولون واحد وليس أطيافاً متعددة … وهم بأطيافهم كلها مستهدفون لدى د. سمارة، فالحملة هي على اليسار عموماً.
والخلاصة اعتباره لهذا الدعم “شكل من أشكال الاستعمار (!) وما الغرابة (…) على هذه الأرضية تبنت مؤسسة روزا لكسمبورغ في رام الله تمويل مؤتمر توحيد اليسار”. ثم يواصل سمومه على اليسار وعلى الليبرالية ويغدو “الحابل بالنابل” أشبه بمرثاة ملكية في حيص بيص فحواها واستخلاصها يذكر بـ “المال الإسلامي الحلال بمئات ملايين الدولارات المنفوطة لليمين بوجهيه السلطوي والديني المذهبي”، أي مال “البقشيش” السياسي، والمال “الحرام” الأوروبي اليساري أو الإنساني، يذكر بالمرثاة الملكية الباردة لليسار، “تضاهي” مرثاة ملكة شكسبير لأوفيليا البريئة المساقة لحتفها الحتمي ببرودة شديدة، بسببٍ من جمالها واتقاد شبابها وحبها للحياة، مع الفارق طبعاً بين تراجيديا شكسبير والهلوسات القومجية الإسلاموية …
1 ـ كيف ينسى د. سمارة أن الفكر الماركسي واللينيني أوروبي المنشأ، وكذلك الأفكار الاشتراكية وببعد أممي وصل إلى أقاصي الأرض، من الصين وفيتنام … إلى أمريكا اللاتينية، وما بينهما من عوالم. بل إن النقاش والحوار العربي اليساري لا يمكن له أن يخرج من خصوصيته الخانقة دون دخوله في رحابة الحوارات العالمية، رغم أن الدول العربية وبكل ما فيها من موارد منهوبة من حكامها “المسلمين” هي الأكثر معاناة لشعوبها لما فيها من تخلف واختلالات اجتماعية وسياسية طاحنة، بسبب نهب “أولي الأمر فيها”.
إن هذا الهمّ هو إنساني مشترك وإن تعددت إرهاصاته وتداعياته، فقضايا الاستقلال وتقرير المصير، والحرية والمساواة والتضامن الأممي مرشحة الآن للإعلاء كعناوين كفاح عالمي في الدول المتطورة والمتقدمة، قبل النامية أو المتخلفة الفقيرة والقروسطية منها، خاصةً وإن شهدنا أن المظاهرات المليونية الكبرى ضد هولوكوست قطاع غزة قد انطلقت من مؤسسات المجتمع المدني اليسارية والليبرالية لتلك المدن والعواصم الأوروبية، بينما لم تشهد مثيلها وجديّتها في العديد من العواصم العربية.
أما لماذا مرشحة للتصاعد في هذه المرحلة ؟ فمن المؤكد أن التسونامي الذي ضرب مؤخراً المرتكزات المالية لليبرالية المتوحشة ونظامها الاقتصادي، سيترتب عليه نهاية الحقبة الرأسمالية المتوحشة المنفلتة، والدعوة متاحة أن نعمق التفكير نحو لحظة توازن جديدة، نحو عالم متعدد الأقطاب مقبلون عليه سريعاً، أو نحو لحظة توافقية بين الربحي الرأسمالي والمجتمعي بمضامين إنسانية نحو العدالة والحرية والمساواة. ثم ألم يتنفس العرب الصعداء (الرسميون أولاً) بعد أن طوى أوباما صفحة “صدام الحضارات”، وطوى بعض برامج الليبرالية المتوحشة، بينما العديد من التوابع العربية ما زالت تسير على “هدّيها” المتوحش، بما تحمل من مفارقة غريبة؛ قد يؤسلمها بعضهم دفعاً لنهبهم اليومي الوحشي دونما حساب لحالة شعوبهم وتقدمها، وعلى حساب تطورها إنسانياً وعلمياً. وأخيراً ألا يؤثر هذا كله في الوضع العربي برمته، أم أنه بمجموعه “غربي وإمبريالي” بامتياز (!).
نعم لم يغيّر هذا كله في النُظم العربية على المستوى الداخلي، وأقصد هنا التفكير العالمي المتجدد في الهوية المطلوبة لإدارة ترابطات الدولة والمجتمع، وهو ما ينبغي أن يفتح لنا كعرب وكفلسطينيين أولاً نقاشاتنا حول العقد الاجتماعي المطلوب، بالإفادة من كل ما هو حيوي حيثما يتوفر بالغرب أو الشرق في الشمال أو الجنوب خارج حدودنا وأسوارنا، بل أستطيع القول أن اليسار العربي وحده بتلاوينه كلها ومعه الأطياف الليبرالية: إنه الأقدر على تحقيق هذا الربط، لأن لديه أرضية وناصية المقاربات الفكرية والمفاهيمية التي تتيح اكتشاف الذات والذاكرة والفعالية المجتمعية، بالانتقال من خطاب الرؤى إلى البرامج لبيان الوجهة المستقبلية، وبما تعني من تفعيل يساري عربي ينبغي أن يكون صاعداً في محتوى ضميره الإنساني.
2 ـ إن “زواج المتعة” وصناعة التوافق بين النخب الحاكمة والقوى الإسلاموية السياسية المذهبية، لن تتمكن من حل أزمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية، الاختلالات التي تدفع بالقطاعات الشعبية الواسعة الفقيرة والمحدودة الدخل نحو لحظة أزمة حقيقية، خاصة بعد انتهاء مرحلة ضمان تقديم الخدمات الأساسية للتعليم والصحة والضمان الاجتماعي، في نزوع شبه نيوليبرالي في الوقت الذي تشهد به هذه الليبرالية المتوحشة أزمتها؛ ألا يدفع هذا إلى نزوع عربي “شبه يساري” في مواجهة الانفلات من القيود والالتزامات المجتمعية، ألا يشكل فرصة حقيقية لصياغة رؤية بديلة لِـ “نواقص” الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كي لا نقول العدالة والمساواة؛ أي تقليص الفجوة الفاغرة المتزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء في المجتمعات العربية.
3 ـ لقد اعتبر اليسار الفلسطيني وهو محق أنه جزءاً من قوى الثورة العالمية، ولحقه زلزال تسونامي في انهيار تجربة الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وكان مقتلها غياب الديمقراطية الاشتراكية في المجتمع والحياة الحزبية والنقابية والدولة، فلماذا إذا ما وقعت تطورات تقدمية عالمية “أممية” لا يعتبر ذاته شريكاً بها، وهنا كي يكون التشخيص شاملاً متوازناً، أقول: لا يوجد أحد يجهل عنف الهجمة التصفوية الشرسة التي تعرض لها اليسار، من تجفيف الينابيع وصولاً إلى الإقصاء المتعدد الألوان والأشكال، بما فيه الإعلامي والمنابري وحكومات سلطة فتح وسلطة حماس، وحوار اتفاقيات المحاصصة الثنائية الاحتكارية للمال والنفوذ في مكة (8 شباط/ فبراير 2007) وفي القاهرة بجولات الارتداد عن قرارات ونتائج أعمال الحوار الشامل في آذار/ مارس 2009، وست جولات بين حماس وفتح والسابعة يعلنون عنها في 25 ـ 28 تموز/ يوليو 2009، في الوقت الذي واصل اليسار الفلسطيني باتجاهاته المتعددة رغم هذا كله؛ نداءه وعمله وشعاره: نحو جبهة وطنية فلسطينية عريضة شاملة موحدة متماسكة؛ مستندة إلى نظام ديمقراطي حقيقي تستطيع من خلاله تحقيق الأهداف الوطنية، وإطار هذه الجبهة الوطنية هي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد … بل من الصعب على الساحة السياسية الفلسطينية أن تستعيد كامل صحتها في أحادية حاكمة “حزب السلطة أو سلطة الحزب” بالمعنى الحكومي للسلطة، أو أية ثنائية إقصائية، ذلك لأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى جميع الطاقات الشعبية الفلسطينية في الداخل والخارج مهما كانت صغيرة أم كبيرة.
في مرحلة حركة التحرر الوطني؛ لا يوجد “صيغ عصرية” لما يمكن وصفه بـ “الانقلابات” العسكرية أو “الدستورية”، فهي خارج أُطُر الديمقراطية المتعارف عليها في هذه المرحلة، وأي انقلاب سياسي أو عسكري هو نقيض هذه الديمقراطية الموصوفة بمرحلتها، وعلينا استخلاص الدروس من الجرح الكبير النازف فلسطينياً، تجنباً لعواقب كارثية لا تحتاج إلى تكهن.
4 ـ لا أدري عن أي يسار يتحدث د. سمارة؛ ذلك الذي “لم يبق من يسارتية سوى (شتم الدين)، وتبرير التسوية ..”، أقول الله يرحم الشهيد عبد الخالق محجوب المسلم المؤمن والأمين العام الشهيد للحزب الشيوعي السوداني، وأمد الله في عمر خالد محي الدين الرجل الديمقراطي منذ الخمسينيات، المثقف بالماركسية والمؤمن بالاشتراكية العلمية، الرجل الجدّي والصادق المتمسك بأهداف حركة الضباط الأحرار القومية الوحدوية، والمؤمن بالله والذي يصلي ويصوم حتى في زيارته لكوبا، يطلب سجادة الصلاة في قلب هافانا، تخيل بالله عليك كم يتمتع بالمصداقية الأخلاقية …
ربما تقصد شتم المذهبية السياسية المتمثلة بحركة الإخوان المسلمين “إخوة يوسف”؛ بصفتهم حركة إسلاموية مذهبية عابرة للوطنية والقومية العربية … أليس كذلك !، فهل شتم هؤلاء هوشتماً للدين، وينتحلون صفات الله الحسنى ! مرةً أخرى الكتابة التلقائية قد تصلح للإثارة والتحريك، لكنها لا تصلح للعمل الهادف والمنظم، فهي لا ترتقي إلى صرخة، ونقيضاً للعمل المنظم في العمل السياسي المسلح بإستراتيجية واضحة وتكتيك سليم، ويبقى العمل الحزبي غير الشعبوي هو السهل الممتنع، بقدر ما يبدو بسيطاً بقدر ما يستند على عمليات معقدة، ودراسات مجتمعية متعمقة وبحثية واقعية، تضبط إيقاعه من أي سلوك عدمي أو مغامر أو انتظاري أو متخاذل على حدٍ سواء، دون إثارة غرائز أو شعارات شعبوية لرجل الشارع العادي، خاصة في موضوع الدين، والدين براء، يحضرني هنا ذلك المثل “لتلك” التي تكثر الحديث عن العفّة … وسلامة فهمك لا داعي لذكره …
وكيما يكون الحديث كريماً أيضاً يا د. سمارة، فإن تاريخ اليسار الفلسطيني ليس ألعاباً كرنفالية نارية تطلق في السماء شديدة الوهج سريعة النفاذ، فقد أثبت الواقع الحالي؛ وبرغم الهجمة التصفوية الشرسة أن مفاهيم اليسار الفلسطيني عميقة الجذور في مجتمعاتها بين الوطن والشتات، فهي تستند إلى مخزون وعي ذاتي تاريخي لا إلى أهواء، وإن راكم بطيئاً للأسباب التي ذكرنا، بيد أنه عميق الثبات، لا تؤثر به الأهواء والمعطيات المسطحة والمتبدلة، ولا الإيديولوجيات والشعارات الشعبوية التي تغذي عموم الأصوليات المتطرفة بانغلاقها العقائدي ولغوها الشعبوي. وبالتأكيد ومنها ثمرتها المرّة للتديين المذهبي للسياسة، وفي “الاجتهادات” الخربة لمؤسسات الإعلام وتوابعها وشخوصها العقدية، ورجال افتائها، وقد أخذت تطال بعض رجال الفكر، وما نعيشه من انقسام فلسطيني هو أحد النماذج الحيّة لها، والتي لم تعد تحتمل التجريب و”التفلسف” المبتذل الدموي التدميري الذاتي في تطبيقاته العراقية وسفك دماء الأبرياء، بإسقاطات مفتعلة وتفعيل سيء للخطأ والخطيئة والتكفير في فلسطين، ومن ثم توسيع الأوهام بأن هذا الزمن العاهر العابر ومحاولة جعله تاريخاً مميزاً، أي في الواقع الزمن الميت والقرون المظلمة. وحتى فوكاياما اعتذر عن رؤيته الأحادية للعالم، وله فضيلة نقده الذاتي. لأن أي أحادية احتكارية أو ثنائية إقصائية تحزباً لزمن الأسلاف، أو لزمن يؤدي إلى تهشيم الوحدة الوطنية “المتسامية”، هو في مستنقع الذاتية على حساب الشعب، وفي اللاعقلانية والانحطاط، ومدمر للمصالح الوطنية العليا.
وأخيراً؛ لا خلاف حول مجتمعنا البطريركي الذكوري تجاه قضية المرأة، والمرأة كجنس هي المرأة ولها حقوق تشملها وينبغي إنصافها، ثم نبحث عن اللواتي “يضطهدنك” طبقياً من البرجوازيات، وهي هنا (نون النسوة) تصبح طبقة والطبقة ذكر وانثى. ولكن هل تتعرض لاضطهاد من برجوازيات وبأي معنى ومدلول هذا الاضطهاد (!)، نأمل أن نحصل على كتابك “عن المرأة”، طالما لا نملك المعلومة التي أوردتها والتي بحوزة الشاعر والروائي الكبير والكاتب إبراهيم نصر الله، واتهامه لك باضطهاد المرأة. بيد أن المفارقة هي بين الشعور والمعنى، وبأن مشروعك السياسي يفتح على نظام فلسطيني سيسهّل “التسري بالجواري” كما كانت في تقاليد حقب في الخلافات الإسلامية، جرياً على أنها تقاليد اليهود وعاداتهم القديمة، فما نراه لدى رموز تعتبر مثالاً إسلاموياً، هو الزواج من أربعة نساء أو مرجانات (جمع مرجانة) بلغة السلف المعتمدة، بما تعني من تكاليف … “الله يرزقهم”، وبما تعني تربوياً من تبعية “الغلام للشيخ” على جري العادة …
إن ما تهدف له القيم اليسارية وبكثير من الدراية الفكرية هو إعادة التأسيس الحيّ للفكر والتاريخ الفلسطيني الوطني والقومي، أي الخروج من نفق الانحطاط والمذهبية السياسية بكل أصنافها وكامل أنواعها وصفاتها.
وإن مهمة المثقفين الجذريين الأولى هو إعادة ضخ الدماء عبر القلب الوطني القومي لكل الشرايين، لا سفكها على محراب السلطة. ومَنْ أراد أن يدخل “الهيكل، فليترك متاعه بالخارج، وبحسب السيد المسيح: “بيت صلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”، وطبعاً هذا كله باسم الله …

مراد يوسف ـ كاتب فلسطيني