الرئيسية » مقالات » السيادة العراقية وإنتهاكها بين الخفاء والعلن

السيادة العراقية وإنتهاكها بين الخفاء والعلن

سيادة العراق.. مصطلح يكاد أن يصبح اليوم من تراث ومخلفات الماضي السحيق بعد أن فقد معناه وبات مصطلحاً هلامياً مطاطياً قابلاً للتأويل وأصبح ألعوبة بيد هذا وذاك من مدعي الحفاظ على السيادة العراقية بالعلن ومنتهكيها بالخفاء والسبب هو ما مَر به العراق بالعقود الثلاث الأخيرة التي سبقت 2003 ومايمر به بالفترة الحالية التي تلت هذا التأريخ.. بدئاً لابد من القول بأن الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان أول المنتهكين علناً لسيادة دولة العراق الحديثة يوم كان نائباً للرئيس أحمد حسن البكر وقام شخصياً بالتوقيع على إتفاقية الجزائر المجحفة بحق العراق والعراقيين التي باتت اليوم مسمار جحا الذي تحاجج به إيران ومريديها بالعراق الآخرين عندما يُطرح موضوع أحقيته بأراضيه ومياهه الإقليمية التي تستولي عليها إيران اليوم ثم جائت مغامراته الصبيانية مع إيران ومن ثم الكويت التي كلّفت العراق الكثير وأفقدته هيبته وسيادته اللتان أصبحتا رهناً بقرارات الدول الكبرى فباتت سماء العراق ميداناً لتدريب الطائرات الأمريكية التي كانت تجوبها صباحاً ومساءً أمام أنظار النظام السابق متذرعة بحماية مناطق الحظر الجوي التي أقرّتها وفرَضَتها المنظمة الدولية على العراق فيما باتت أرض العراق ساحة مكشوفة لفرق التفتيش حول أسلحة الدمار الشامل التي إدّعى وتباهى ذلك النظام أمام العالم أجمع بإمتلاكها لتجُر الويلات على العراق ولتصبح فيما بعد الحجّة والذريعة المُثلى التي إستخدمها الرئيس الأمريكي السابق بوش لإحتلال العراق والبدء بعهد جديد من إنتهاك السيادة العراقية لم يشهد له تأريخ العراق الحديث مثيلاً..لذا ليس صحيحاً ما يدّعيه البعض اليوم من أن النظام السابق كان حامي العراق والحارس الأمين لسيادته فهو شِئنا أم أبينا قد ساهم سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إنتهاك هذه السيادة بل ومَهّد الطريق لمن جاؤوا من بعده لتمويع وتسفيه وإلغاء هذه السيادة ومعناها من الوجود .

أما بعد 2003 فقد بدأت مرحلة جديدة من مراحل إنتهاك السيادة العراقية ففي 9 نيسان 2003 دخلت القوات الأمريكية عاصمة العراق الحبيبة بغداد لتعلن رسمياً بعد أيام وعبر الأمم المتحدة إحتلالها للعراق بعد أن تلاشى النظام السابق بكل جبروته وباتت القوات الأمريكية المحتلة الآمر الناهي في البلاد والمتحكم بها وساهمت من خلال القرارات التي إتخذتها قياداتها والممارسات التي قام بها أفرادها في إنتهاك ليس فقط سيادة العراق بل وحقوق أبناء شعبه بدئاً بحَل الجيش العراقي وجميع أجهزة البلاد الأمنية كالشرطة وحرس الحدود مما ترك البلاد نهباً للميليشيات الدخيلة وعصابات الإرهاب والجريمة المنظمة وجعلها مقصداً لشذاذ الآفاق الذين دخلوها ووفدوا عليها من كل حدب وصوب مروراً بتشكيل مجلس الحكم سيء الصيت وصولاً لعمليات الدهم وما صاحبها من تجاوزات على حقوق الناس وممتلكاتهم وإنتهائاً بفضيحة أبو غريب التي ماتزال صورها شاخصة بأذهان الكثيرين.. بالتالي فإن الإنتهاك الأمريكي لسيادة العراق لم يعُد سِراً خافياً على أحد لأنه أسطع من نور الشمس بوضح النهار وواقع يعيشه ويحسّه العراقيون في كل لحظة تمُر عليهم منذ 2003 وحتى اليوم وكل ما يقال عن نقل للسيادة للعراقيين ليس سوى ذرّ للرماد بالعيون إذ يعلم الجميع أن للأمريكان اليوم نفوذاً ليس بالقليل على الواقع العراقي بكل أشكاله سواء سياسياً أو عسكرياً من خلال عديد قواتها التي لاتزال موجودة على الأراضي العراقية على الأقل حتى 2010 إلا أن هذا النفوذ وهذا التجاوز على السيادة العراقية من قبل أمريكا مهما طال فهو الى زوال ولابد ان ينتهي بيوم من الأيام بعد أن تزول مسبباته المرحلية التي فرضتها حسابات دولية وعوامل سياسية وإقتصادية.. وحتى في حال بقاء قواعد أمريكية بالعراق فهو إن تم تنظيمه وفق معاهدات دولية لن يكون إنتهاكاً للسيادة فالعراق لن يكون الدولة الأولى ولا الأخيرة التي ستحتفظ بقواعد أمريكية على أراضيها ولدينا الكثير من الشواهد والأمثلة الشاخصة على ذلك فلا أحد يستطيع القول بأن ألمانيا واليونان وبريطانيا وقبرص ليس لها سيادة كما لا يستطيع أحد القول بأن تركيا وقطر والكويت والسعودية ليس لها سيادة لذا على المتباكين على سيادة العراق في حال إقامة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيه من على شاشات فضائيات بعض الدول التي تحتضن أكبر القواعد الأمريكية أن لا يظهروا بهذه الفضائيات أو أن يحاسبوها ويحاسبوا تلك الدول أولاً على إستضافتهم وسماحهم بأقامة أكبر القواعد ألأمريكية في العالم على أراضيهم خصوصاً وأنها كانت المنطلق لجحافل الجيش الأمريكي التي غَزَت العراق والتي يقاومها هؤلاء !

أما الإنتهاك الأخطر للسيادة العراقية في الوقت الراهن فهو الذي تقوم به بشكل خفي وبطرق مختلفة الكثير من دول العالم وعلى رأسها الجارة إيران التي لا يختلف إثنان على أنها حالياً صاحبة النفوذ الأكبر على الواقع والشأن العراقي الحالي وبأنها تتحكم اليوم بكل مفاصل الحياة السياسية والثقافية والإقتصادية والدينية والإجتماعية بالعراق ولكن بشكل غير مباشر وغير مرئي وملموس لمس اليد كسابقه الأمريكي فأنت تحسّه وتشعر به ولكن ليس بإمكانك إثباته مادياً وهنا يكمُن الخطر الذي يمثله هذا النفوذ حالياً وعلى المدى البعيد على واقع ومستقبل العراق والعراقيين خصوصاً وأنه قد بات كالأخطبوط الذي تمتد أذرعه وتتداخل بكل تفاصيل الحياة بالعراق في محاولة لمسخها وتجريدها من هويتها وخصوصيتها المتميزة وجعلها نسخة مشوهة من التجربة الإيرانية التي أثبتت فشلها في بلادها على جميع الأصعدة والميادين وما يحدث اليوم في إيران خير مثال على هذا الفشل .. إن الخصوصية العراقية الفكرية منها والإجتماعية يتم إنتهاكها اليوم من خلال الفكر الغريب الذي تم ويَتم تصديره إلينا من إيران عبر أحزاب تدّعي أنها عراقية مُتبنّية لهذا الفكر وتُجبر العراقيين على تبَنّيه مرة بالترغيب والخزعبلات ومرة بالترهيب والتهديدات رغم كونه فكراً غريباً ودخيلاً على العراق.. فالعراق الذي عُرف شعبه بالألفة والتسامح بات بلداً يُقتل فيه المرء على الهوية لمُجرد أن إسمه عُمَر أو حَمَة أو عَلي أو جورج وباتت أحياء عاصمته الجميلة بغداد عبارة عن كانتونات وغيتوات طائفية وعِرقية تفصلها عن بعضها أسوار كونكريتية عازلة.. وإن كانت ظروف سبعينات القرن الماضي ساعدت على إنجاح تجربة الثورة الإسلامية في إيران فهذا لا يعني بأنها قد تنجح وبالإمكان تصديرها ونقلها لمكان آخر من العالم كما تحاول بعض أطراف الحكومة الإيرانية فعل ذلك الآن في العراق وبعض دول المنطقة مستغلة وضعها السياسي غير المستقر والتنوع الطائفي والمذهبي لمجتمعاتها كلبنان وسوريا وفلسطين والبحرين والسعودية واليمن.. إن العراق أو لبنان أو البحرين غير إيران وحتى إيران نفسها ليست بالتربة المناسبة والخصبة لمثل هذا النوع من التجارب فإيران بلد عَريق بتأريخه وشعبه من الشعوب التي عُرف عنها إنفتاحها وحبها للحياة فإيران اليوم ليست إيران التي عَرَفها العالم في السابق والتي كانت تسمّى باريس الشرق وفي حال أصبح العراق كإيران فلن يعود حينها عِراقنا الذي نعرف بل سيصبح هو الآخر بلداً غريباً على أهله وهو في طريقه الى ذلك

نحن لانقلل هنا من أهمية ماحدث في الثلاثين من حزيران الماضي والذي تمثل بإنسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية وإعتبرته الحكومة العراقية في خطوة نراها مُتسرّعة يوماً للسيادة وجعلت منه عيداً وطنياً وعطلة رسمية.. فما حدث في ذلك اليوم هو إنجاز مرحلي مهم بإتجاه إنجاز نهائي أهم وهو تحقيق كامل السيادة الوطنية على أرض وماء وسماء العراق وبكل أشكالها وصورها الخفي منها والمعلن إلا أننا نتمنى على الساسة العراقيين أن يكونوا أكثر واقعية ومصداقية وأن لايستعيروا أساليب النظام السابق الدعائية بإطلاق التسميات والنعوت على الحوادث والأيام فذلك اليوم لايستحق تسميته بيوم السيادة التي مانزال حسب وجهة نظرنا بعيدون عنها.. نعم لقد عاد إلينا جزء من سيادتنا إلا أننا لانزال في أول الطريق لتحقيق هذه السيادة بمعناها الحقيقي وهذ لن يتحقق بشعارات وإستعراضات عسكرية لقوات أمن وقطعات عسكرية لا يمتلك منتسبيها أبسط المعدات العسكرية ولا بقوات حرس حدود لاتمتلك سوى طائرة واحدة وزورق واحد تصدّقت بها علينا بعض الدول الغربية لمراقبة حدودنا البرية ومياهنا الإقليمية التي تُنتهك يومياً وفي كل لحظة من قبل بعض دول الجوار كما إن السيادة لن تكتمل وطائراتنا المدنية والعسكرية لاتزال رهينة لدى إحدى دول الجوار التي وصل مستوى إستهانتها بنا وبسيادتنا الى حد إهدائنا واحدة منها ولكن ليس مع طاقم عراقي بل مع طاقم من تلك الدولة بعد أن تمت تصفية 90% من طيّارينا بقدرة قادر ولأسباب مجهولة لم يتم التحقيق فيها أصلاً.. وأخيراً وليس آخراً فإن سيادتنا لن تتحقق وفرحتنا لن تكتمل إلا يوم جلاء كل أشكال الإحتلال وبكل صوره وأشكاله وأذنابه وأذرعه الأخطبوطية التي تمتد اليوم في كل زاوية من زوايا العراق تُخرّب فيه وتنهش في لحم أهله وتزرع بين البسطاء والسطحيين منهم الفرقة والكراهية ليتسنى لها تحقيق أهدافها التوسعية .

مصطفى القرة داغي