الرئيسية » مقالات » المالكي بين الامس واليوم

المالكي بين الامس واليوم

في تصريح علني للسيد نوري المالكي عام 2006، أصاب دولة رئيس الوزراء العراقي كبد الحقيقة، وهو يصف الدستور العراقي الدائم لعام 2005 “بأرقى الدساتير في العالم”، ليس لأن سيادته شارك بشكل مباشر في صياغة ذلك الدستور”الراقي” ووضع مواده ونظم ديباجته، بل لان هذا الدستور يعتبر بحق فريداً من نوعه مقارنة بالدساتير السائدة في شرقنا الاسلامي والعربي، ولانه دستور يحمل في طياته منظومة قيم ومبادئ كفيلة ببناء دولة ديمقراطية عصرية ومتقدمة، ولانه جاء منسجماً مع التركيبة الحقيقية للشعب العراقي وطموحه في الانعتاق من كل اشكال التسلط والعبودية، ولانه اولاً واخيراً، دستور حظي بتأييد وموافقة الغالبية العظمى من العراقيين في استفتاء عام وصل نسبة المشاركة فيه الى اكثر من 80 بالمئة، اما اليوم، وبعد ثلاث سنوات، وفي تصريحات صريحة وعلنية عديدة، نجد السيد نوري المالكي يتراجع عن اعجابه بالدستور العراقي الذي امتدحه وعمل على صياغته، مطالباً بتعديله بمناسبة وبدونها.
من نافل القول، ان دساتير الدول هي مجرد قوانين وضعية تخضع للتغيير والتبديل وليست من المقدسات، لكن التعديلات التي يطرحها ويتبناها ويدعو اليها السيد رئيس الوزاراء العراقي، تمس احد اهم المبادئ الاساسية في الدستور العراقي الدائم، وتصيب في الصميم المادة الاولى منه، والتي تقر بطبيعة دولة العراق الاتحادية، تعديل الدستور العراقي على النحو الذي يريده نوري المالكي، سيفتح الباب على مصراعيه لنزاع عربي ـ كوردي لاهوادة فيه، لانها تهدف الى تقويض المكتسبات القانونية التي يضمنها الدستور للكورد، الذين لا تتوافر لديهم اليوم اية قابلية للتنازل عن تلك المكتسبات، بل على العكس، فالكورد لهم حقوق دستورية لاتزال قيد التوقيف يطالبون بتنفيذها، كالمادة 140 المتعلقة بقضية كركوك والمناطق المعربة، اما التعديلات التي ينوي السيد المالكي اجراءها على الدستور العراقي، فهي لن تتحقق الا باحدى هاتين الطريقتين، فاما عن طريق الانقلاب الكلي على الدستور العراقي ووضعه على الرف، وهذا امر صعب ومستبعد تماماً، واما التعديل ضمن اطار الدستور القائم، وهو الارجح، لكنه لن يمر مرور الكرام على الفقرة الرابعة من المادة 122 من الدستور والتي تقول بعدم جواز ” اجراء اي تعديل على مواد الدستور، من شأنه ان ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام .”
من المؤكد، ان السيد نوري المالكي لديه اسبابه ودوافعه الخاصة للانقلاب على الدستور العراقي، وسواء كانت تلك الدوافع والاسباب ذات طبيعة تكتيكية انتخابية أم كانت حقيقية لها خلفيات ايديولوجية قومية او طائفية، فأن الامر سيان، وهي لا تقلل من خطورة مثل هذا التوجه، ليس لان الرجل يشغل اليوم المركز الاهم في العراق، ولا بسبب الصدى الذي قد تلاقيه دعواته تلك في النخبة السياسية العراقية، بل لانها ستعيد العملية السياسية في العراق الى المربع الاول، وتضع وحدة العراق واستقراره على كف عفريت .
رغم تناقض مواقف رئيس الوزراء العراقي بين الامس واليوم، لا بد من اخذ تصريحاته بشأن تعديل الدستور محمل الجد، واذا كان الرجل جاداً فعلا في مسعاه، فاهلا وسهلا بالتعديل، ولان العراقيين ليسوا في عجلة من امرهم، ولتجنب الثغرات والهفوات في الدستور المعدل ولان العراقيين لديهم والحمد لله المتسع من الوقت، فمن الانصاف والعدل ان يؤخذ بعين الاعتبار الارادة الشعبية في اقليم كوردستان، لا الحزبين الكورديين ولا البرلمان الكوردستاني ولا الساسة الكورد البراغماتيين، وعندها وبدون أدنى شك، سيتم تعديل الدستور العراقي الحالي على عكس نوايا وامنيات السيد المالكي، وسيتم اضافة بضع مواد صميمية تتعلق بحقوق الشعب الكوردي واقليمه الذي يحاول البعض الانتقاص من صلاحياته.