الرئيسية » شخصيات كوردية » عبدالرزاق بدرخان(1864ـ 1918) ..حياته، وعلاقاته السياسية، ونشاطه الثقافي الحلقة الاولى

عبدالرزاق بدرخان(1864ـ 1918) ..حياته، وعلاقاته السياسية، ونشاطه الثقافي الحلقة الاولى

ان الدراسة وتحليل السيرة الذاتية ونضال عبدالرزاق بدرخان لم تكن سهلاً وهذا يعود إلى سببين وهما:
اولاً:ان نشاطه للفترة ما بين سنوات1910ـ 1917كانت مليئة بألاحداث والوقائع السياسية، لاسيما في المنطقة التي كان يعمل فيها على حدود الدولة العثمانية مع بلاد الفارس، كذلك فان هذه المنطقة المذكورة كانت تقع ضمن تواجد المصالح الروسية والدول الأوربية، منها بريطانيا العظمى والمانيا،ما عدا الصراع المستمر القائم بين دولتين(العثمانية والفارسية) حول المناطق الحدودية المتنازع عليها.ثانياً: المصادر الخاصة حول نشاط عبدالرزاق بدرخان مرتبطه بـ(مجموعتين).
أـ المجموعة الاجنبية منها المجموعة الروسية والفارسية. وهذا ما اكده كل من لازاريف المتخصص في الشؤون الكردية، وجليل جليلي الباحث الكردي الروسي الذان قاما بدور مهم في الكشف عن نشاط عبدالرزاق بدرخان وعلاقاته ودوره السياسي في المنطقة.
ب ـ المجموعة الثانية علاقات عبدالرزاق بدرخان مع مجموعة الدول الأخرى لم يتم الكشف عنها إلأ قليلاً. وهذا ما يكشف عن بعض منها الدكتور صلاح محمد سليم هروري في كتابه الموسوم بـ(عبدالرزاق بدرخان(1864ـ1918) حياته وعلاقاته السياسية ونشاطه الثقافي، المطبوع سنة2005)، حيث يقول ان هدفي من تأليف هذا الكتاب لايشمل كل نشاطات عبدالرزاق بدرخان وعلاقاته السياسية، بل أريد أن ابحث في بعض الجوانب الخفية من علاقاته الخاصة مع رؤساء وشخصيات الكردية المعروفة وكذلك علاقاته مع روسيا. لانه عرف بهذه العلاقات وكذلك ان اغلب مراحل نشاطه السياسي والثقافي كان مرتبطاً مع روسيا وبدعم منها عن طريق قنصلها”جريكوف” في مدينة”خوي”. وان اقتراب عبدالرزاق بدرخان من روسيا كان بهدف تأسيس دولة كردية تحت الرعاية الروسية. وان روسيا ايضاً ومن خلال شهرة عبدالرزاق بدرخان اقتربت من الاخير بهدف بسط نفوذها على المناطق الكردية،اما الهدف الرئيسي لـ(عبدالرزاق بدرخان) هو محاولة لأيجاد الوحدة الكردية، وعن طريق هذه الوحدة حتى يستطيع الوقوف بوجه اعداء الكرد، ولكن نضاله من اجل تحقيق هذا الهدف لم يتحقق، وهذا يعود إلى عدّة أسباب من اهمها:
1ـ الصراع القائم بين رؤساء العشائر الكردية.
2ـ كانت سياسة روسيا غامضة حول القضية الكردية، الذي كان يرغب فقط باستغلال سمعه وشهرة عبدالرزاق بدرخان في حدود ضيقة.
3ـ ان الدولة العثمانية اعتبرت عبدالرزاق بدرخان شخص مشبوه في الأوساط الكردية. عبدالرزاق بدرخان في السطور
عبدالرزاق بدرخان ابن نجيب باشا، من عائلة مير بدرخان(1803ـ1869) ولد عام 1864 بمدينة اسطنبول، ودرس اللغات الشرقية والاوربية ومنها الفرنسية التي ساعدته في التعرف على الأدب والتاريخ الفرنسي، وهناك بعض المصادر تقول بان الشاعر الكردي حاجي قادر كويي(1815ـ1897) هو الذي أثر على عبدالرزاق بدرخان وغرس فيه الشعور القومي والوطني( ). في البداية حاول عبدالرزاق بدرخان الذهاب إلى فرنسا للدراسة هناك الا ان السلطان عبدالحميد الثاني لم يسمح له بذلك. وفي بداية العقد الآخير من القرن التاسع عشر عمل في وزارة الخارجية العثمانية وبعد ذلك نقل إلى السفارة العثمانية في”سان بترسبورك” ولكن بسبب علاقاته مع روسيا تم نقله من السفارة العثمانية في روسيا إلى السفارة العثمانية في”طهران”وكان تحت المراقبة المشددة من قبل الشرطة إلى ان تم نقله إلى “اسطنبول”( ). ولكن لم يذهب إلى”اسطنبول”، بل وبمساعدة موظفي السفارة الروسية استطاع إن يصل إلى مدينة”تبليس” ويقول عبدالرزاق بدرخان بهذا الخصوص موضحاً الأسباب التي دفعته للذهاب إلى روسيا قائلاً:((كنت أعلم بإن عائلتي تعيش في أوضاع سيئة ولهذا السبب قصدت مدينة تبليس))( ). وعندما وصل إلى الأراضي الروسية، اعترض السلطان عبدالحميد الثاني على ذلك وتم مخاطبة روسيا بهذا الشأن بطرق الدبلوماسية، وفي محاولة منه لطرد من أراضي روسية. ومن ناحية آخرى كانت الحكومة العثمانية تضغط على والده”نجيب باشا” لتدخل من اجل اقناع نجله لعودة إلى اسطنبول ونتيجة لضغوط والده عليه، رجع عبدالرزاق إلى “اسطنبول”( ). وبعد عودته، تم تعينه مسؤول العلاقات للسفارات في ديوان السلطاني. وان هذا المنصب جعله قريباً من السلطان وخاضعاً لراقبة الشرطة في نفس الوقت. وبسبب وضعه تحت المراقبة الشرطة قام عبدالرزاق بدرخان مرة اخرى الاتصال بالسفير الروسي”زينوفيف” الذي طلب منه بمساعدته ومنحه فرصة الذهاب إلى روسيا.. ولكن السفير رفض طلبه لانه كان لايريد ان يحدث توتر في العلاقات الروسية العثمانية. وفي الوقت نفسه حصل عبدالرزاق بدرخان على وعد من سفير الروسي نفسه بانه سوف يتكلم مع السلطان العثماني حول مسألة المراقبة المفروضه عليه( ). ولكن السلطان العثماني لم يغير موقفه وسياسته باتجاه عبدالرزاق بدرخان، وفي22آذار1906 قتل”رضوان باشا”رئيس الشرطة العثمانية في مدينة اسطنبول وتم توجيه تهمة قتل”رضوان باشا”إلى”عبدالرزاق بدرخان” وعمه”علي شاميل”( ). ويقول كثير من المؤرخين بإن مقتل رضوان باشا حادثة خطيرة للغاية، في تاريخ عائلة البدرخانية، لان السلطان عبدالمجيد الثاني أستغل هذه الحادثة واعتبرها فرصة ثمينة لابعاد أفراد عائلة البدرخانية من اسطنبول. وفي النتيجة تم أبعاد عبدالرزاق بدرخان وعلي شاميل إلى مدينة طرابلس في ليبيا، وتم وضعهما تحت الإقامة الجبرية( ). ومما يستحق القول إن عبدالرزاق بدرخان عمل فيما بين اعوام1910ـ1917دوراً مهماً في مجال المطالبة بالحكم الذاتي لكوردستان تحت الرعاية الروسية، وفي الوقت نفسه كان يجتمع مع شخصيات سياسية روسية ويتباحث معهم حول الحكم الذاتي لكردستان. وعندما اندلع شرارة الحرب العالمية الأولى اشترك عبدالرزاق بدرخان مع الجيش الروسي وبتعاون مع عبدالرزاق بدرخان استطاعت روسيا احتلال بعض مقاطعات من أراضي الدولة العثمانية( ).
ومن المعروف عن عبدالرزاق بدرخان كسياسي ومثقف كردي واعي كان يعتقد بإن تطوير الثقافة في كردستان يصب في مجال تحرير كردستان، ومن اجل تحقيق هذا الهدف الذي ناضل من اجله قام بطرح مشروعه الثقافي الذي ناضل من أجل تحقيقه والتي تشمل على:
اولاً: تأسيس جمعية باسم”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” عام1913، وهي جمعية ثقافية كردية.
ثانياً: فتح مدرسة كردية في مدينة”خوي” في كردستان ايران( ).
واخذت السلطات العثمانية باستمرار البحث والتقصي والتحقق من حركات ونشاطات عبدالرزاق بدرخان إلى عام 1918، استطاعت إلقاء القبض عليه في ضواحي مدينة راوندوز واصبح أسيراً لدى”الجنرال علي احسان باشا” قائد الفيلق السادس للجيش العثماني وصدر حكماً عليه بالاعدام دون محاكمة ونفذ الحكم فيه بمدينة الموصل( ).
عبدالرزاق بدرخان وشخصيات كردية
عبدالرزاق بدرخان كسياسي كردي، كان قد انتشرت سمعته بين ابناء شعبه، وكان له علاقات متينه مع شخصيات سياسية كردية من الذين عاصرهم، فضلاً عن علاقاته مع بعض من رؤساء العشائر وأسر كردية. وكما أوضحناها في صفحات الماضية ان حياته السياسية ولاسيما بين اعوام1910ـ1914كانت مليئة بالاحداث السياسية، وكان له مشروع مهم هو التهيئة لانتفاضة كردية. ان هذه الانتفاضة التي كان يخطط لها بتعاون مع روسيا، يهدف من ورائها محاولة لتأسيس دولة كردية. بدون شك ان سياسة الدولة العثمانية التي كانت تحكمها حكومة الاتحاد والترقي(الاتحاديين 1908ـ1913). لم تروقه((أي لم يعجبه)) هذه المحاولة ولم يؤمن به وبسبب توجهاتهم العنصرية والشوفينية لهذه الحكومة، والتي كانت تعامل الشعب الكردي، معاملة سيئة وغير انسانية، هي التي دفعت بالشخصيات السياسية الكردية لتحرك والبدء بالانتفاضة ضد الحكومة العثمانية. لانقاذ الشعب الكردي من ظلم والاضطهاد التي كانوا يتعرضون إليها، وفصل أراضي الكردية عن مناطق الدولة العثمانية.
وصل عبدالرزاق بدرخان في شهر كانون الثاني عام1910إلى أراضي الروسية( )، واستقر في منطقة قريبة من حدود روسيا مع ايران والدولة العثمانية. وبهذا الخصوص يقول:عبدالرزاق بدرخان:((بعد ان وصلت إلى مدينة تبليس اخذني”كوخا نوفسكي”إلى قائد الجيش وعرفني به وساعدني بإن أقصد منطقة”ماكوفة”وكان هدفي من هذه الزيارة حتى اكون قريباً من قرى العشائر الكردية الواقعة على الحدود الايرانية العثمانية))( ).
ومن خلال هذا النص يتوضح لنا بأن عبدالرزاق بدرخان كان يرغب أن يقترب من العشائر الكردية الواقعة على الحدود وبهدف قيام بدوره السياسي والتهيئة لانتفاضة كردية مرتقبة. وعندما وصل إلى المناطق الحدودية استغل هذه الفرصة وقام بزيارة بعض المدن الكردية منها(وان، سوما، برادوست، والمناطق الممتدة إلى مدينة أورمية)، وكان هدفه من هذه الزيارة هو للتباحث مع العشائر الكردية في تلك المناطق وقد تم استقباله بحفاوة وترحيب، كما يقول:((تم استقبالي من قبل العشائر الكردية الذين قمت بزياتي لهم ورحبوا بي بحفاوة)). ثم يكرر هدفه من هذه الزيارة قائلاً:((كان عملي هو ارضاء العشائر بطرد رجال العثمانيين المتواجدين في مناطق((سلماس، واورمية التي كانت تحت سيطرتهم))( ). كذلك((طلب من كرد المنطقة بعدم التعاون مع الجيش العثماني، لاسيما عندما يكون بمقدورهم الوقوف بوجه السلطات الايرانية))( ).
ومن أقواله المذكورة أعلاه يوضح ثلاث نقاط:
اولاً: مشروع عبدالرزاق بدرخان للبدء بالانتفاضة الكردية في بداية عام1910، لاسيما عندما يتكلم عن زيارته للقرى العشائر الكردية الواقعة على الحدود الروسية الايرانية والدولة العثمانية.
ثانياً:علاقات عبدالرزاق بدرخان مع رؤساء العشائر الكردية الخاصة الواقعة على الحدود الروسية مع ايران والدولة العثمانية، ما عدا علاقاته الخاصة مع الكرد أصحاب السلطة في كل من مدن”وان”، و”أورمية”، و”سلماس”.
ثالثاً:علاقاته الجيدة مع السلطات الايرانية، ولهذا طلب من رؤساء العشائر الكردية بالوقوف فقط ضد الجيش العثماني. كذلك كان لـه علاقات مع شخصيات سياسية كردية المعروفة مثل سمكو شكاك(1875ـ 1939)( ). وان المصادر التاريخية اثبت لنا بان علاقاته مع سمكو أغا شكاك كانت متينة وعميقة بدون شك كان وجهات نظر الاثنين متقاربة في بناء المنطقة الكردية وتحريرها. ولكن المصادر التاريخية لم تكشف لنا متى تم انشاء هذه العلاقة، والمعروف تاريخياً هي الفترة التي تواجد فيها عبدالرزاق بدرخان في كردستان ايران، تم انشاء هذه العلاقة، ووصلت إلى مراحلها المتقدمة، واشترك الاثنان في كثير من الأحداث وتم التعاون بينهما حتى في المجال العسكري وخير مثال على ذلك هو عندما قام عبدالرزاق بدرخان بزيارة المناطق الكردية في كردستان الايرانية، ولاسيما المناطق”خوي، وماكو،وقوتور” واجتماعه مع رؤساء العشائر الكردية في المناطق المذكورة، تم وضع برنامج سياسي وعرض عليهم. وكان هذا البرنامج يشمل القيام بانتفاضة كردية في كردستان الايرانية. بعبارة اخرى كان يريد ان يجعل من كردستان الايرانية قاعدة لانطلاق مشروعه السياسي في تحرير كردستان، وعندما يتم إلقاء القبض عليه في بلدة(خوي) بايدي السلطات العثمانية يقوم سمكو شكاك بتحريره( ). كذلك قام عبدالرزاق بدرخان بتعيين سمكو شكاكي قائد للجيش الكردي المؤسس من فرسان”الخيالة” أبناء عشائر الكردية ولاسيما في المناطق الكردية( ). وتستمر العلاقة سمكو شكاك مع عبدالرزاق بدرخان،لاسيما في مجال الثقافي، حيث عملا في إنشاء جمعية(جيهانزاني ـ عالم المعرفة) وفي مشروع بناء مدرسة كردية في مدينة(خوي). فضلاً عن علاقاته مع الشيخ عبدالسلام البارزاني( )(1874ـ1914) والجنرال شريف باشا( )(1865ـ1951) وسيد طه النهري( ). أما بخصوص علاقات عبدالرزاق بدرخان مع الشيخ عبدالسلام البارزاني، ويتحدث عبدالرزاق بنفسه عن هذه العلاقة قائلاً: كان”جريكوف”((القنصل الروسي في مدينة”خوي” له علم بعلاقاتي مع رؤساء العشائر الكردية في المناطق”ماكو” وحتى ولاية الموصل، وكذلك كان يعلم”جريكوف” بعلاقاتي مع الشيخ عبدالسلام البارزاني))( ). ويضيف قائلاً:((عندما وجه اليّ وزارة الخارجية الروسية بعض الأسئلة حول انتفاضة بتليس(هامش) وانتفاضة الشيخ عبدالسلام البارزاني في منطقة بارزان. انني اوضحت لهم بأن الشيخ عبدالسلام البارزاني شخصية كردية مرموقة وانه يستحق ان يقدم له يد المساعدة)). وكذلك كان مقرراً بإن الشيخ عبدالسلام البارزاني الذي قاد انتفاضة سنة1913تلك الانتفاضة التي كان عبدالرزاق بدرخان خطط لها ويروم ان يشترك فيها.
ان العلاقات عبدالرزاق بدرخان المعلنة مع روسيا، وعلاقات الشيخ عبدالسلام البارزاني مع عبدالرزاق بدرخان،فان نتيجة هذه العلاقات، اخذت السلطات العثمانية على اعتقاد بان انتفاضة الشيخ عبدالسلام البارزاني لها ارتباط مع الأنتفاضة التي حدثت في بدليس عام 1913. وحسب احدى المصادر التي تعتقد بان لـ(عبدالرزاق بدرخان) يد في اعداد انتفاضة”بدليس” ومن خلال علاقة عبدالرزاق بدرخان مع الشيخ عبدالسلام البارزاني يكشف بان عبدالرزاق بدرخان حاول ان يكسب شخصيات كردية مرموقة في المجتمع الكردي في كردستان الشمالية وكسبه إلى جانبه للاشتراك في الانتفاضة الكردية، وكذلك كان هدف كل من عبدالسلام البارزاني وعبدالرزاق بدرخان هو العمل من اجل انقاذ كردستان وتحريرها من سيطرة الدولة العثمانية كخطوة اولى ومن ثم تحرير الأجزاء الأخرى الباقية من كردستان الكبرى.

التآخي