الرئيسية » التاريخ » مصادر تاريخ الكورد قبل الاسلام – الحلقة الثالثة

مصادر تاريخ الكورد قبل الاسلام – الحلقة الثالثة

اما التوراة المتداولة في الوقت الحاضر فقد دونت بعد النبي موسى عليه السلام بمدة طويلة وحرفت و اضيفت اليها ما اتفق و رغبات و نزعات وميول الكتبة، مارة بعد ادوار من الرواية الشفوية والانتخاب و الحذف و الاضافة الى دور التدوين. والا كيف يمكن ان يكون قد نزل امر بقتل الاطفال و النساء و الشيوخ و لاسيما ان احدى الوصايا العشر تأمر بعكس ذلك؟ و يعترف رجال الدين النصارى نتيجة ذلك اذ جاء في مقدمة الكتاب المقدس من الطبعة الكاثوليكية لعام 1960 بهذا المعنى ما نصه: “فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد ان موسى (عليه السلام) ذاته كتب البانتيك(29) منذ قصة الخلق الى قصة موته، كما انه لا يكفي ان يقال ان موسى (عليه السلام) اشرف على وضع النص الذي دونه كتبة عديدون في غضون اربعين سنة، بل يجب القول انه يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية(30).
ومن الجدير ذكره، اننا حين نتعامل مع التوراة كمصدر تاريخي بعيداً عن القدسية التي اسبغها عليها المؤمنون بها من اليهود و النصارى، وان ننظر اليها كما ننظر الى غيرها من المصادر التاريخية، و ان نناقش ما جاء فيها، نتقبل ما تقوله بصدر رحب اذا كان يتفق مع الاحداث التاريخية، و يوافق المنطق و المعقول، و نرفضه حين تذهب بعيداً عن ذلك(31).
ثالثاً: المصادر اليونانية و الرومانية
تعتبر المصادر اليونانية و الرومانية اهم المصادر التي يعتمد عليها في دراسة التاريخ الكوردي قبل الاسلام، و ترجع اهميتها الى معاصرتها للاحداث التي اوردتها في معظم الاحايين، والى مشاهداتها الواقعية. و كان اغلب هؤلاء المؤرخين و الجغرافيين من رعايا الدولة الاخمينية الفارسية (550-331 ق.م) نظراً لاخضاعها المستعمرات اليونانية في اسيا الصغرى عام 546 ق.م(32)، فقد ولد الكثير منهم و تربوا فيها، و اتيح لبعضهم الذهاب الى العاصمة الأخمينية التي تقع في الجنوب الشرقي من بلاد الكاردوخيين(33).
ولا ريب ان هؤلاء قد عادوا الى بلادهم بروايات طويلة عما شاهدوه سواءً في البلاط الأخميني، او من خلال مشاهداتهم في المناطق التي مروا من خلالها ومن ضمنها بلاد الكورد وخوي التي تتوسط الطريق الملكي ما بين العاصمة الأخمينية و المستعمرات اليونانية في اسيا الصغرى. و من هؤلاء المؤرخين و الجغرافيين:
1-هيرودوت Herodouts (484-425 ق.م):
ولد هيرودوت في مدينة هاليكارناسوس الدورية الواقعة في اقليم كاريا (بادرن Badrnn (34) في الجنوب الغربي من اسيا الصغرى، و كانت في السابق احدى المستعمرات اليونانية قبل ان تخضع للدولة الأخمينية(35).
ويعتبر هيرودوت اول من ذكر التسمية الخاصة بالكورد او القربية والتي سبقت تسمية زينفون (430-354 ق.م) بالكاردوخوي Karduchoi، و لكنها في الواقع لا تسبق فترة احتلال الميديين و البابليين لبلاد اشور و عاصمتهم نينوي عام 612 ق.م(36). و هذه التسمية كارداكيس قد ذكرها هيرودوت في معرض حديثه عن قوات كارداكيس غير النظامية التي كانت تشكل الطبقة الرئيسة في جيش الملك الاخميني دارا الاول (521-486 ق.م)(37). و على الرغم من اختلاف المدلولين الكاردوخوي و كارداكيس بعض الشيء، الا انهما لا تخالفان الحقيقة الخاصة باسم الكورد(38).
ويعتقد احد الباحثين الكورد ان منطقة كوردا قد كتبت في المصادر المسمارية بشكل يجعل من لا يعرف قواعد اللغة السومرية، يرى ان اسم المنطقة هو (كورداكا) وليس (كوردا)، و لذلك عندما سمعها هيرودوت او قرأها كتبها بالنطق اليوناني فتحول الاسم لديه الى (كارداكيس) و الاحتمال كبير جداً ان هيرودوت لم يقصد بهذه التسمية سكان كوردستان انفسهم و انما قصد بهم سكان منطقة كوردا(39).
ومن جهة اخرى تطرق هيرودوت الى امارة حدياب (Adiabene) الواقعة في بلاد اشور القديمة التي يحدها نهر الزاب الكبير شمالاً، و الزاب الصغير جنوباً، و نهر دجلة غرباً، و اهم مدنها اربائيلو )
وقد كان اعتماد المؤرخ الكوردي جمال رشيد كثيرا على هذا المصدر المنحول في ايراده لبعض فقراته التي تكمل حلقات مفقودة من التاريخ الكوردي قبل الاسلام، ويبدو للباحث انه لم يطلع على هذه المصادر التي تثبت زيفه و الا لكان قد غير رأيه من عدمه(76).
في حين يتطرق كتاب داسنائي(77) لمؤلفه الماريوخنا(78) الى ام ملك مملكة كوردوئين عام 120م كان يدعى “مانيزا روز” و تفسيره بمعنى (عبدالشمس)، ويصفه الماريوخنا بانه كان وسيما و على جانب عظيم من رجاحة العقل ورزانة الرأي والقوة، ولهذا احبته ابنة ملك الارمن “سيرانوش” وتعلقت به و تزوجت منه، لذلك كان استيلاء الارمن على مقاطعة كوردوئين اسميا فقط(79). و يضيف الماريوخنا بانه كان في منطقة حدياب هيكلان عظيمان وثنيان، و ان احد هذين الهيكلين كان موجودا في منطقة شوش و شرمن، ويفسر الكاتب كلمة عقرة بـ(اكره) اي بيت النار(80). و اما كتاب اعمال شهداء الفرس لمؤلفة ماراحا الجاثليق (410-414م) و ماروثا اسقف ميافارقين(81) (اوائل القرن الخامس- 420م) فهو من المصادر السريانية التي ذكرت اضافة الي حوادث الاضطهادات التي لحقت بالنصارى الكورد على ايدي الملوك الساسانيين معلومات قيمة في وصف مدينة كرخ بيث سلوخ (كركوك الحالية) وتجديدها كان علي يد الملك السلوقي سلوقس، و ذكر بداية دخول النصرانية الى هذه المدينة(82)، مع اضافة اعمال و سجل شهداء منطقة حدياب (اربيل الحالية) الي ما سبقه(83). وكان نرساي الملفان(84) هو السباق في كتابة مقالة تخص اضطهاد الفرس الساسانيين للنصارى الكورد في عهد الملك الفارسي شابور الثاني الذي استمر حكمه لفترة سبعين سنة (309-379م). حاول خلالها ان يستأصل النصرانية من مملكته التي اصبحت خطرا على عبادة النار، وقد الحق نرساي بتلك المقالة انشودة هي حوار بين بين الملك شابور الثاني و الشهداء حسب تعبير الكاتب(85). و تذكر المصادر السريانية اسماء كثيرة من النصارى الكورد الذين لاقوا حتفهم ايام الاضطهاد الفارسي لهم، و قد حافظ قسم منهم على اسمائهم الكوردية رغم تبوءهم مراكز عليا في السلم الكهنوتي النصراني كالجاثليق شاهدوست الذي كان قد احتفظ باسمه الكوردي و معناه صديق الملك، وقد انتخب جاثليقا(86)، ولكن امره افتضح فقبض عليه الفرس مع مئة و ثمانية وعشرين اسقفا و شماسا و راهبا و سجنوهم خمسة اشهر تعرضوا خلالها الى اقسى صنوف التعذيب، وعندما لم يرجعوا عن معتقدهم قتل منهم مرزبان المدائن مئة و عشرين شخصا، و ارسل الى الملك شابور الثاني بالجاثليق شاهدوست و من بقي منهم، فلاطفه شابور في الكلام ليدخله الزرادشتية ولما ابى قتل هو و اصحابه في اليوم العشرين من شهر شباط سنة 342 م(87).
و الاسقف افراهاط وهو فرهاد الذي عرف بالحكيم الفارسي الذي اتخذ اسم يعقوب، وقد رسم اسقفا لدير مار متي الواقع في جبل مقلوب شرقي الموصل، حيث مثل مدينة نصيبين في مؤتمر نيقية عام 325م(88). وفي العام الرابع للاضهاد اي سنة 344م قتل الاسقف نرسي وهو كوردي من شهرقذ في بيث جرمي (كركوك الحالية)(89). وفي السنوات الاولى لحكم الملك بهرام الخامس (420-438 م) قتل ميرشابور و فيروز و الكاتب يعقوب(90)، اما ناثنيال الشهرزوري (منطقة السليمانية الحالية) فقد درس في نصيبين واهتم بدراسة (التفسير)، وقد سجنه الملك كسرى الثاني (590-628 م) ست سنوات قبل 628 م ثم قتله لان الجماعة التي كانت بامرته طردوا قائدا فارسيا من المدينة بحجة هدمه لكنيستها(91). وفي سنة 358م اعدم مارايثالاها النوهدري في امارة حدياب (اربيل الحالية) على يد الفرس بعد ثباته على مبدئه، وقد بني ديرا تخليدا لذكراه في منطقة نوهدرا (دهوك الحالية)(92). وقد كانت هذه المصادرو الاساطير السريانية مقدمة لاعتقاد بعض المؤرخين بان الكورد قد تقبلوا-النصرانية في اوائل ظهورها(93)- ولا سيما ان المصادر النصرانية الحديثة ما زالت عند موقفها بشان التواجد المبكر للنصرانية في المنطقة الكوردية و التي تعود الى القرن الثاني الميلادي(94). في الوقت نفسه هناك عدد من الباحثين ينفون اية صلة للكورد بالنصرانية، و انما بقوا محافظين علي عقيدتهم الزرادشتية بالرغم من الجهود المضنية التي بذلها رجال الدين النصارى في الترويج لمعتقدهم(95a)”. في حين ذهب اخرون الى ان قسما ضئيلا من هؤلاء الكورد اعتنقوا النصرانية بعد فترة طويلة من وصولها الى ديارهم، ولما جاء الاسلام الى هذه المنطقة وجد امامه النصرانية التي لم يكن لها من العمر اكثر من قرنين و وجد الزرادشتية الديانة الرئيس(95). من كل هذا يبدو للباحث ان التغلغل النصراني في المنطقة الكوردية كان بطيئا للغاية، و ان افرادا عديدين قد اعتنقوا هذا الدين الجديد بحيث لم يشكل اية خطورة على السلطة الساسانية التي تستمد نظرية الحكم لديها من الديانة الزرادشتية التي مضى عليها منذ ان بشر بها زرادشت على شواطئ بحيرة اورمية ستة قرون(96). وقد عاش هؤلاء النصارى الكورد في سلام ما دامت اعدادهم قليلة، و افكارهم لا تؤثر في الخط العام للدولة، ولكن الموقف تغير في بداية القرن الرابع الميلادي حين اصدر الامبراطور قسطنطين costantin (306-337 م) مرسوم ميلان الشهير في سنة 313م معترفا بالنصرانية كاحدى الديانات المصرح باعتناقها داخل الامبراطورية البيزنطية(97). وما اعلنه الملك الارمني تيريدات الثالث tradat III من اعلان تنصير ارمينيا رسميا في عام 301 او 314 م(98).

التآخي