الرئيسية » التاريخ » مصادر تاريخ الكورد قبل الاسلام – الحلقة الثانية

مصادر تاريخ الكورد قبل الاسلام – الحلقة الثانية

( زينفون Xenephon (430-354 ق.م:
ولد زينفون بن جريلوس في اثينا، وهو مؤرخ اغريقي ينحدر من اسرة ارستقراطية كان من تلامذة الفيلسوف سقراط (496-399 ق.م) و معتنقي افكاره، و بجانب قدراته التاريخية كان له المام كثير بفنون المعرفة كالاجتماع و السياسة و الشؤون العسكرية(41). انحاز زينفون الى كورش الأصغر (Cyrus The Young) حاكم المقاطعة الأخمينية في اسيا الصغرى (ليدية) في حملته ضد اخيه الملك اردشير ارتحشتا الثاني (402-359 ق.م) الذي تولى العرش بعد والده دارا الثاني (423-405 ق.م)(42).
كان اردشير يقيم في عاصمته طيسفون، بينما كان كورش يتخذ من سارديس عاصمة ليدية مقراً له، و منها تقدم كورش مع افراد الحملة حتى وصل الى نهر الفرات و بعدها دخل ارض ما بين النهرين عند نقطة يسميها زينفون (الابواب)(43). ثم التقى الجيشان في منطقة (خان اسكندر) شمال مدينة بابل(44) حيث قتل كورش و انسحب جيشه المؤلف من عشرة الاف جندي من المقاتلين الاغريق المستأجرين تحت قيادة (كلير خوس) الذي قتل بعد انسحاب الجيش باتجاه الشمال بمحاذاة نهر دجلة، حيث تم انتخاب زينفون قائداً لهم الذي دون حوادث هذه المرحلة في كتاب اسماء اناباسيس Anabasis III (45).
وقد لاقى الجيش الاغريقي بقيادة زينفون الكثير من الاهوال و المشقات خاصة بعد دخوله بلاد الكاردوخوي(46) عند مضيق زاخو(47) و الى ان دخل ارمينيا باتجاه طرابيزون على البحر الاسود.
وقد وصف زينفون الكوردوخيين بانهم قوم محاربون اشداء يعيشون في الجبال و لايطيعون الملك(48) ولهم خبرات جيدة باستعمال القوس و المقلاع، و عندما كانوا يسيطرون على موضع ما يدحرجون الصخور على اعدائهم، و كانوا ينشدون عند الهجمات الاغاني الحربية السريعة، و يذكر زينفون بأن هؤلاء الكوردوخيين الذين ذكرهم لأول مرة عام 400 ق. م قد تمكنوا من الانتصار على جيش يبلغ تعداده 120000 رجل قاموا بشن هجوم على بلادهم، كما ان الاغريق الذين كانوا بمعيته خسروا الكثير من رجالهم اكثر مما خسروا خلال فترة رحلتهم الطويلة(49).
3-سترابون Strabon (64 ق.م – 19م تقريبا):
جغرافي يوناني شهير ولد في القرن الاول الميلادي في اقليم كبادوكية Cappadocia احد اقاليم اسيا الصغرى، كتب مؤلفاً عن جغرافية العالم الموسوم بـ(Geographica) في سبعة عشر جزءاً، وصف فيها الاقاليم المعروفة انذاك من بابل و اشور وكوردوئيين(50).
وجاءت في جغرافية سترابون اشياء مفيدة عن الكورد و بلادهم حيث انه يحدد مقاطعة كوردوئيين Gordyene بالمنطقة الواقعة بين مدينة امد (دياربكر) و موش(51)، و يذكر اسماء ثلاث مدن كوردية تقع في هذه المنطقة وهي: ساريسا Sareisa(52)، ساتالكا Satalka(53)، و بيناكا Pinaka(54) و و جميعها يقع على نهر دجلة، و يضيف ايضاً بأن بعضاً من الكوردوخيين يعيشون في مقاطعات ارمينيا و طوروس(55) و سوفيني(56).
وفي حديثه عن الدولة الارمنية يؤكد سترابون بأن الملك الارمني تيكران الكبير (140-55 ق.م) في اثناء قيامه بتوسيع حدود مملكته على حساب البلدان المجاورة، استعار عدداً من المهندسين المعماريين لبلاد كوردوئيين و كلفهم ببناء القلاع و الحصون له للدفاع عن مملكته ضد الهجمات الرومانية المحتملة(57)، و هذا يدل على ان الشعب الكوردي انذاك كان على جانب كبير من اتقان الاعمال الهندسية و الفنية(58).
4-بلوتارخ Plutarque (50-125 م):
مؤرخ و فيلسوف يوناني، درس في اثينا و عاش في روما، زار الشرق و كتب عن مشاهير رجال اليونان و الرومان كتاباً يدعى بـ(السير المقارنة)(59).
و قد تطرق بلوتارخ في حديثه عن مجريات الصراع الروماني، الارمني، الفرثي، البنطسي الى اخبار مهمة عن دور الكورد في ذلك الصراع، خاصةً بعد ان تمكن الملك الارمني تيكران الكبير بالتنسيق مع حميه ميثرادات السادس (120-63 ق.م) ملك البنطس من احتلال بلاد كبدوكيا في اسيا الصغرى و ميديا التابعة للدولة الفرثية في جنوب بحر قزوين و بلاد سوفيني الواقعة في شرق الفرات، اضافة الى بلاد كوردوئين، حيث قهر ملكها زاربيون Zarbienus (60).
وفي هذه الاثناء قررت روما خوفاً على مصالحها في اسيا الصغرى و شمال بلاد ما بين النهرين ارسال حملة عسكرية بقيادة لوكولوس (109-57 ق.م) لوقف الملك الارمني و حميه ميثرادات السادس عند حدهما و استرجاع المقاطعات التي سبق ان استوليا عليها من قبل(61).
ويضيف بلوتارخ ان الكورد “فضوا ترك مواطنهم مع نسائهم و اطفالهم ليتبعوا لوكولوس، و كان صبر ملك الكورد زاربيون قد نفد من ظلم وطغيان الملك الارمني تيكران، لذلك اتصل سرا بـ(ايبوس-apuis) لكي يتحالف مع لوكوس، الا ان امره اكتشف عند تيكران الذي قضي عليه و علي عائلته قبل وصول رومان الى ارمينيا. وهكذا لم ينس لوكولوس هذا الحدث، فاقام بين الكورد احتفالا كبيرا علي شرف مراسيم دفن زاربيون و زين الماتم باكداس من الالبسة والكسوة الملكية والذهب و الفضة واسلاب تيكران، وقد اوقد نار الاحتفال بنفسه، و شوهد في قصر ملك الكورد القتيل كنوز هائلة من الذهب والفضة وغلال لا تقل عن ثلاثة ملايين وزنة من الحنطة و الشعير” 62.
ورغم الاهمية القصوى للمصادر اليونانية والرومانية في دراسة التاريخ القديم للكورد فانه يؤخذ عليها بعض الماخذ منها: 1-عدم وجود الدافع لدى مؤلفي هذه المصادر الذي يجعلهم عادلين في سردهم الحقائق عن رعايا الامبراطورية الاخمينية التي استولت على بلادهم 63. 2-روح التعصب التي عرفت لدى المؤرخين الغربيين لحضارتهم و اظهارها كانها ارقى من غيرها و ذلك عن طريق عرض نواحي الغرابة في الحضارات الشرقية التي عاصروها 64.
3-الاختلاف الحاصل في اصل الكورد و تاريخ اسلافهم و انعكاس ذلك في مروياتهم 65. 4-اعتمادهم على الروايات المنقولة و الاساطير التي يشوبها الخيال، التي حيكت حول الاحداث التاريخية البعيدة نسبيا، مما يجعل كتاباتهم عن الاحداث غير المعاصرة لهم تنتابها عدم الدقة الى حد بعيد 66. رابعا: المصادر النصرانية (السريانية)
ترجع اهمية هذه الكتابات الى انها تؤرخ لفترة مهمة من تارخ الكورد في القرون التي سبقت الفتح الاسلامي لبلادهم، فضلا عن علاقات الكورد بكل من الدولتين الساسانية و البيزنطية، كما انها تربط الاحداث بعقد المجامع الكنسية و انشاء الكنائس و الاديرة في المنطقة الكوردية باعتبارها المنطقة الفاصلة بين امارة الرها (ادسا)(67) التي انتشرت فيها النصرانية من جهة و الدولة الساسانية من جهة اخرى(68). فلا عجب ان تسربت النصرانية الى الاقاليم الايرانية عامة و الكوردية خاصة لقربها، في الوقت الذي اعتبرت الديانة الزرادشتية رسمية في الدولة الساسانية ابتداء من عهد مؤسسها اردشير الاول (224-241م) الذي امر-حسب الروايات الفارسية- الهر بدان هربد تنسر بجميع النصوص المتعددة من الكتاب المقدس الزرادشتي المقدس الافستا الاشكانية و بكتابة نص واحد منها، حيث تمت اجازة هذا النص واعتبر مقدسا(69). و من جانب اخرى تضفي الروايات النصرانية (السريانية) هالة كبيرة على الانتشار المبكر للنصرانية في المنطقة الكوردية من خلال قيام مارادي(70) بالتبشير بين رعايا الدولة الساسانية (الكورد و غيرهم) في منطقة حدياب (حزة-اربيل) (71)، وانه تمكن من تعميد (تنصير) رجل اسمه فقيذا نحو سنة 99م؟ الذي كان من عائلة فقيرة من اربيل هرب منها والتجأ الى مارادي الذي كان يكرز بالانجيل في الجبال الكوردية في امارة حدياب لمدة خمس سنوات، ثم جعله اسقفا وارسله الى اربيل سنة 104م، ويذكر ادي شير قائمة باسماء عشرة اساقفة تولوا الكرسي الاسقفي في مدينة اربيل للفترة من 104م لغاية 312م(72). ويعتبر تاريخ اربل (اربيل) لمؤلفه مشيحا زخا(73) من اولى المصادر السريانية التي تتحدث عن الحملات التي قامت بها الدولة الفرثية (247-224م) وامارة حدياب المتحالفة معها في اواسط القرن الثاني الميلادي ضد الانتفاضات التي كان يقوم بها الكاردوخيون في بلاد كاردو الجبلية، وما تبع ذلك من نتائج، و اضاف بأن الكاردوخيين (اوقفوا هجومهم علي هذه الجيوش مع عدم تمكنهم من احتلال مدن الملك ارشاك(74) و ذلك اثر تعرضهم لهجوم غير متوقع من قبل اقوام بربرية أخرى حاولوا تدمير مدنهم و حرقها ونهبها و سبي نسائها”(75).
التآخي