الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الحادية عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الحادية عشرة بعد المئة

وفي التلال يحل الـ (دوشاب) او عصير العنب والعسل محل كل شيء لدى الطبقة الفقيرة على حين يكون البلوط القوت الرئيس في المناطق الجبلية النائية، والبلوط يسحق حتى يصبح دقيقاً فيخبز منه خبز لونه اسود لكنه ممتاز والمشروبات الروحية غير معروفة وما هو معتاد من المشروبات، الماء والشنين والاشربة الاثيرة المحببة تصنع من عصير العنب (77).ولعلها فرصة (لذيذة) ان نقدم وصفاً لعشاء كردي سجل تفاصيله هاملتون قبل انتهاء القرن العشرين بثمانين سنة. وبإعجاب، اعجاب بالطهي وبالنظافة. اذ يذكر، يقدم العشاء بعد الغروب بقليل ويؤتى به في صوانٍ نحاسية دائرية قطرها يقارب ثلاث اقدام يرتفع في وسطها تل من الذ وانفس الرز وحوله رقائق الخبز فيلف الرز ويدفع لقمة لقمة إلى الفم، وفي صينية اخرى تجد عدداً كبيراً من الاطباق بمخضرات الموسم المطبوخة والفواكه وطائفة منتخبة من انفس الطيور ولحوم الضأن الذي نحر خصيصاً لهم أي للضيوف. ان الطبخ متقن إلى الحد الذي يحوز على رضا اشد الابيقوريين* وهو من عمل زوجات الشيخ اللاتي لا يظهرن لنا طبعاً وتجد فضلاً عن ذلك اطباقا من المعجنات المسكرة والفطائر التي تذوب في الفم وثم ايضاً العسل البري وحلوى (من السما) من السليمانية ولبن بالزبدة (ماست) اذا اضفت اليه ماء نلت شربة منعشة حقاً واخيراً عناقيد كبيرة من العنب الجبلي، شجرته تنمو وتبقى تحت الثلج ويختتم العشاء بالقهوة والسيكاير والكرد الجبليون لا يقربون الخمر ولا الكحول ولا تستخدم الشوكات والسكاكين ولذلك يدور خادم قبل الطعام وبعده بالماء والصابون والمنشفة لغسل الايدي وبعد ان يصيب الشيخ وضيوفه كفايتهم يرفع الباقي ويكون كثيراً ليصيب منه اهل الدار عشاءهم (195).
وفي موضع مبكر من مذكرات هاملتون نجده يضيق ذرعاً بطهي الطاهي الهندي ويلوذ بالخبز والجبن الكرديين وقد احب نوعاً من الخبز الذي يخبز في تنور ارضي وكذلك احب الجبن الكردي اذ يقول لقد وجدت الجبن المحلي المصنوع من حليب المعز لذيذاً وان شابته حدة طعم وبعض رائحة وهو طويل البقاء (64).
يذكر هنري فيلد واهتمامه بكردستان جاء متأخراً قياساً بما ذكرناه ممن كتبوا مذكراتهم، ان الرز اصبح الغذاء المستمر لكل الطبقات، ونوعيته تختلف باختلاف المناطق، ولكن الرز الذي يزرع في منطقة بروارى بالا يعد الافضل.
ان “الاغوات*”- كما جاء في النص ويقصد – رؤساء القبائل والعشائر- يتناولون وجبتين كبيرتين في اليوم، الاولى قبل الظهر والثانية بعد غروب الشمس. والغذاء يتضمن الخضار والحساء (المرق)، والبيض، والرز، ولحم الغنم المسلوق او الدجاج.
اما الطبقات الفقيرة فلا تستطيع شراء اللحم وتقتات على الخبز والبيض والرز والخضار. وكل الطبقات يتناولون الحليب في وجباتهم (5).
وأظن ان هنري فيلد قد اهمل (البرغل: سافار) او ربما ظنه نوعاً من الرز اذ كان البرغل** اكثر شيوعاُ من الرز في كردستان على حد علمنا وبالاخص بين الطبقات المتوسطة والفقيرة ولاسيما في الفترة التي زار فيلد كردستان فضلاً عن مصادره المعتمدة فهو يتحدث عن حقبة العشرينيات من القرن العشرين وكذلك فان الكرد يتناولون اللبن العادي او المخفف في وجباتهم كثيراً وليس الحليب.
ويمكن ان نقف ازاء ما كتب عن الطعام والشراب الكرديين على بعض الاستنتاجات، فلم نجد اية اشارة إلى عدم استساغة الطعام الكردي او نقد لما يدخل في تكوين هذا الطعام بل هناك استساغة عامة له واشارات ايجابية إلى المطبخ الكردي.
ويلاحظ البذخ في تقديم الطعام إلى الضيوف لا سيما في مضايف رؤساء الكرد وموسريهم، كما ان هناك اشارات إلى تقاليد في الطعام لدى الاكراد تعد ايجابية، فقد لمس الرحالة نظافة الطعام والاواني ومسألة غسل الايدي والفم قبل وبعد الطعام وكذلك التؤدة والبطء في الاكل وميل الكرد إلى تبادل اطراف الحديث اثناء الطعام مما يوحي الى عدم اهمال الكردي للجانب السوسيولوجي والانساني لعملية تناول الطعام مع الاخرين ومما يوحي ايضاً بان الكرد غير نهمين. كذلك التفت هؤلاء الرحالة إلى مسألة الملاعق والمغارف الخشبية التي كان الكرد يصنعونها لتناول الطعام والشراب قبل انتشار الملاعق المعدنية ونرى في هذا جانباً حضارياً جميلاً في حياة المجتمع الكردي ومن العصور الغابرة.
لقد لفت الشنين (ماستاو) او (الدو) انتباه معظم الرحالة وعدوه شراباً كردياً وطنياً وتكاد لا تخلو منه مائدة كردية.
ثم كان للشاي طقسه الجميل اذ جاء وصفه مع السماور والقوري والاستكانات وهي ادوات جميلة بقيت ماثلة في ذهنية الرحالة.. اما التدخين فقد جاء ذكره في مواضع عدة وعند اغلب الرحالة، فالكردي يكثر من التدخين وقد تفنن الكرد في صنع السيكارة الكردية التي جاء وصفها اكثر من مرة..
العمارة الكرديـة
ان العمارة وجه من اوجه التمدن، لا بل هي لغة هندسية وجمالية شأنها شأن الادب في اللغة، تؤثر فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تحمل هوية قومها وقد تكون هذه الهوية اصيلة او هجينة، لان العمارة فن يمكن ان يتلاقح لا بل حتى يمكن ان يستورد (يقتبس). هذا ما يمكن ان يدلنا عليه التاريخ.
ان عدم توافر فن معماري متميز ومتقدم كردي لا يعني عدم توافر معمارية كردية اصيلة، لكنها اي المعمارية الكردية بقيت محاربة ومعاقة من التقدم، لانها وجه من اوجه التمدن، وان ظروف كردستان السياسية لم تدع كردستان ان تتمدن لا بل كانت خاضعة ومرشحة دوماً الى عمليات كبح وطمس معالم اي شكل من اشكال الابداع اما بالقسر المباشر واما بالاذابة التدريجية، ونقصد بالقسر، الغزو والاعتداء والحرق والاستباحة من الخارج او بسبب التناحر الداخلي اما الاذابة فنقصد بها بحث (المبدع) انى كان وفي أي نوع كان يبدع في كردستان، عن مجال غير كردي يظهر فيه قدراته ونجد هذه الظاهرة في الفن والادب والتجارة والعلم وبالتالي فهو يهاجر اما جغرافياً واما يهاجر بابداعه بالرغم من مكوثه في كردستان.
فالشاعر الكردي بدت له عملية النظم بالفارسية اعذب لوجود دولة متمدنة فارسية يستطيع ان يروج فيها بضاعته. بعبارة اخرى وجود جمهور اوسع من جمهوره المحيط يتفاعل مع ابداعه، وهكذا الفنان مثل زرياب الذي هاجر من كردستان الى الاندلس لوجود حضارة هناك تستطيع ان تستوعب قدرات زرياب او عثمان الموصلي وكذلك البيتوشي المبدع الذي ترك قرية بيتوش في السليمانية وتوجه نحو بغداد والبصرة والاحساء والذي خلف مؤلفات فذة في اللغة والادب والصرف العربي ودرس في امهات المدارس الفقهية واللغوية في بغداد والبصرة والاحساء بالرغم من ان قلبه كان معلقاً ببيتوش قريته التي كان يتغزل بها شوقاً ويتحرق لرؤياها شعراً.
وهكذا المعماري الكردي، او مهندس الطواحين او حفار الابار والخ من المهنيين والمبدعين كان يمكن ان نراهم قد رحلوا عن ارض لا يستتب فيها نظام وتعاني من القلق السياسي والابادات (الجهادية) عبر التاريخ.
المدينة الكردية
المدينة الكردية شأنها شأن سائر المدن التي كان يؤسسها النظام الاقطاعي فيكفي لنشوء المدينة ان يشيد الباشا او الاغا قصراً منيفاً بقياسات الزمن الذي يشيد فيه، مع دار للعبادة، في مكان يتم اختياره حسب مواصفات معينة اساسها الموقع الذي ينظر اليه من جانبين، جانب الحصانة والدفاع وجانب القرب من مصدر الماء وطبيعة الارض.
وهذا ما نجده على الاغلب في المدينة الكردية فقد نجد قصر الباشا يقوم وقد احاطت به المنازل او ربما وجدنا آثاره او سمعنا عن وجوده في منطقة ما في زمن ما وحيث ان لكردستان جغرافية متعددة العوامل والصفات.. فلا عجب اذا وجدنا نوعاً من التباين بين منطقة واخرى في طبيعة بناء البيت وشكله ونقصد بذلك المواد الداخلة في البناء وبعض التباين في الطراز، فالبيت الكردي مثلما شيد باللبن غير المفخور بالنار فانه قد شيد في مناطق اخرى من الحجارة المنحوتة التي تتماسك مع بعضها بالطين وبالجص في موقع آخر وفي بعض الانحاء لا نستغرب اذ وجدنا بيوتاً كردية لم تستخدم بين الصخور اية مادة لتماسكها انما يعتمد التماسك على ضخامة الصخور وثقلها. كما يمكن ان نجد بيوتاً مشيدة من الحجارة غير المنتظمة المتماسكة مع بعضها اما بالجص او الطين. لكن على الاغلب تشترك البيوت الكردية كلها بسقوفها الخشبية، المغطاة بالتراب والطين ولا يمكن ان نجد تخطيطاً معقداً في معمارية المدينة الكردية، فهي سوق وجامع ودار مسؤول وشارع رئيس ومجاميع من الدور الشعبية الى ما يسمى بالمحلة اما على اساس تضاريس المدينة او على اساس مختلف الانحدارات العشائرية والريفية. او حتى الحرفية.
لقد جذبت انتباه الرحالة الى كردستان القصور الكردية المتواضعة لبعض وجهاء الكرد وكذلك طرز بناء البيوت في المدن الكردية والاكواخ على اختلاف انواعها في الريف الكردي، ويندر ان نجد رحالة لم يدون ملاحظاته وانطباعاته من طرز البناء في كردستان.