الرئيسية » التاريخ » كركوك في صفحات التاريخ مدينة أسسها الإخاء وعرقها التنوع

كركوك في صفحات التاريخ مدينة أسسها الإخاء وعرقها التنوع

تحتل مدينة كركوك في ايامنا هذه مكان الصدارة في الاخذ والرد بشأن انتمائها القومي وبصرف النظر عن وجهة نظرنا الشخصية، فان للتاريخ منطقا ليس بالامكان تزويره او تحويره او تحميله اكثر مما يحتمل.

كركوك ويلفظها العراقيون بفتح الكاف: في حين يلفظها الافرنج بكسر الكاف kirkuk. هي بلدة قديمة تعلو سطح البحر بنحو الف ومئة وستين ”1160“ قدما، وتبعد عن بغداد 388 كيلو مترا. وهي من امهات المدن العراقية، ومن بين المدن العريقة في التاريخ. رغم انعدام وجود المصادر التي تضع النقاط على الحروف على نحو حاسم وبشكل يستوفي المراحل التاريخية القديمة لهذه المدينة التي يتحدث كل شاهد فيها عن عمق تاريخي ضارب في القدم ودور عظيم لعبته على مسرح صنع الاحداث التاريخية وادارة الادوار الحضارية

ومن الكتب التي جاء ذكر كركوك فيها، كتابان كلدانيان قديمان، نقل احدهما الى اللغة التركية ”المطران ادي شير“ عام 1896 ميلادية دون ان يذكر اسمه وما تزال النسخة التركية مخطوطة وهي محفوظة في كنيسة الكلدان بقلعة كركوك. والكتاب الاخر اسمه ”اخبار الشهداء والقديسين“ باللغة الكلدانية تم طبعه بالمانيا في مدينة لايزبك من قبل الاب بولس بيجان وهو يقع في سبعة مجلدات. وقد طبع عام 1891. وذكرها بطليموس مطلقا عليها اسم ”كوكورا“ بكافين فارسيتين ودعاها استرابون” ديمترياس “ .
وتناول كركوك بشيء من التفصيل العلمي، كتاب السنو ديكون الذي نشره المستشرق شابو في باريس سنة 1902 ميلادية.
وجاء ذكرها في المصادر العربية القديمة باسم” كرخيني“. قال ابن عبد الحق المتوفى سنة 739هـ ”1338م“ في مراصد الاطلاع على اسماء الامكنة والقلاع، ص487 من ج2 من طبعة جونبك في ليدن سنة 1853:”كرخيني، بكسر الخاء المعجمة ثم ياء ساكنة ونون ممالة، قلعة حصينة بين دقوقاء واربيل على تل عال لها ربض “.
وكان ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هـ” 1228 م“ راها في القرن السابع للهجرة وذكرها في معجمه 7 ـ 235 حيث قال: ”كرخيني بكسر الخاء ثم ياء ساكنة“. هي قلعة في وطاء من الارض حسنة حصينة بين دقوقاء واربيل، رأيتها وهي على تل عال ولها ربض صغير“.
ووردت تسميتها بـ” التاء بدل النون“ ـ كرخيتي ، في كتاب ابن الفوطي ”الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة ”في ص27 وص29 في حوادث سنة 629هـ. طبع بغداد سنة 1932م . وجاء في ”عيون التواريخ لمحمد بن شاكر الكتبي ج21 ، 20 ، 12 ، 14: تحقيق د.فيصل السامر ونبيلة ابراهيم ـ بغداد” وقوع زلزال في بغداد والموصل وكرخيني والجزيرة ليلة 21 صفر عام 622 هـ ـ 1224 م“ وكركوك او نوزي او كرخ سلوخا او رانجا. او اي اسم اخر حفظته لنا المدونات السومرية والبابلية والاشورية واثار الممالك القديمة، لهذه المدينة، انما يخص مدينة سكنتها عدة اعوام وتفاعلت فيما بينها وربطتها علاقات متعددة وطدها المصير المشترك وابرزتها صلات المصاهرة والتضامن والحياة اليومية المشتركة.
من هنا يتضح ان اسم كركوك اسم حديث نسبيا مركب من كلمتين هما ”كار“ الآرية وتعني العمل و”كوك“ الانكليزية التي تعني الفحم، حيث شاعت هذه التسمية اوائل العشرينيات من القرن الماضي، عندما انتشر البحث عن النفط والفحم الحجري، وعندما تحقق اكتشاف النفط في بداية القرن الماضي، تدفق الالاف من العراقيين الباحثين عن فرص العمل ومن جميع ارجاء العراق بشكل عام والمناطق المحاذية والقريبة بشكل خاص.
كركوك في التاريخ
يكاد يكون هناك اجماع في المصادر التاريخية على قلتها، يشير الى ان ”سردنا بال“ ملك الاشوريين هو الذي انشأها وكان السبب في انشائها ان ظابطا من الماذيين يدعى ”ارباق“ عصى حكومته فعزله الملك الاشوري عن وظيفته وامر بانشاء مدينة تكون محطة للمراقبة وفي موقع حصين، فتم اختيار كورة باجرمي وجعل رجلا اسمه ” كرمي“ حاكما عليها، وجلب لها الف نسمة من الاشوريين فاسكنهم فيها، فتوسعت عمارتها وعظمت اهميتها، الا ان هذا الاخير انتقل بالولاية بعد حين، فاصبح الحاكم المطلق على هاتيك الديار.
ولما انتقل حكم العراق الى الاسكندر الكبير، كانت كركوك، من ضمن اجزاء مملكته، فلما توفي الاسكندر وتقاسم المملكة قواده الثلاثة ”بطليموس وسلوقس وانطريفونس“ على النحو الذي يذكره التاريخ، كانت كركوك من نصيب سلوقس فهدم مبانيها القديمة وانشأها انشاءً جديداً واقام لها سوراً فخما جعل له”65“ برجاً، وبابين كبيرين: سمي الشمالي منهما”باب طوطي“ فيما سمي الاخر بـ” باب الملـــــك“ وكــــــان طوطـــــــي هذا حاكمــــا عليــها يومئــذ حيــث جـلب قبائل كبيرة اسكنها حول السور الذي اقامه معظم شأن كركوك وصارت تدعى ” كرخ سلوك“ المنحوتة من الكلمة الارامية ”كر خابيت سلوك“ اي مدينة سلوقس. وبعد وفاته انتقلت الى خلفائه من بعده، وبقيت في حوزتهم زمنا طويلا حتى انتقلت الى الفرثيين عام 247 قبل الميلاد، وبقيت بايد هؤلاء ردحا من الزمن حتى شق اردشير عصا الطاعة على الفرثيين عام 226 قبل الميلاد، فاستقل بكركوك وبقيت تحت سيطرة الفرس الى ان استولى العرب على العراق. كتب عنها السائح الالماني راوولف”1576م“ والعالم نيبور ”1766“ والرحالة الانكليزي بكنبكهام” 1816م“ وفي الحقبة الماضية زارها الاثاري هر تسفيلد.
ولكركوك ميزة تفردت بها. وكانت احد اهم اسباب شهرتها، تلك هي ”النار الازلية“ التي ورد ذكرها في سفر دانيال النبي. وقد كانت هذه النار احد اسباب قدسيتها لدى الزرادشتيون الذين وجدوا في هذه النار سببا في عبادتها وتأليهها وتقديسها.
وتقع مدينة كركوك نهر” الابيض او سبي او الخاصة“ وهو نهر موسمي ينحدر من الجبال المحادة لايران. ويتضح ان اساس نشوء كركوك، اساس زراعي، فهي في سهل يجتازه نهر، وهذا السهل واحد من اخصب الاراضي في العراق.
والمدينة تتألف من قسمين كبيرين: احدهما القلعة والثاني السهل، وكانت القلعة حصينة منيعة لا يمكن الاعتداء عليها ولا الدخول اليها الا بصعوبة، اما اليوم فهي ليست كذلك.
ويتضح من البحث في تمصير هذه القلعة، ان النصارى الكلدان قد اتخذوا فيها مساكن منذ زمن بعيد، ويطل بعض هذه المساكن على السهل فيكسبه منظرا جميلا وفيها جامعان قديمان يدعى احدهما”اولو جامع “ اي الجامع الكبير، كما يدعى ايضا ”جامع مريمانه“ ويسمى الثاني” جامع النبي دانيال “. وتقول المصادر المسيحية، انهما كانا كنيستين سابقا.. ويبدو ان هذا الادعاء له ما يبرره، اذ توجد في الجامع الثاني ثلاثة قبور لثلاثة من الربانيين وهم:” حنانيا وعزاريا وميشائيل “ وتزعم اليهود ان قبر النبي دانيال في هذا الجامع،في حين ان فريقا من المؤرخين يرى ان دانيال توفي في الاحواز ودفن في شوشتر وان قبره هناك يزار على اشهر الروايات. وتبين التحريات، ان الاكراد والتركمان، كانوا يشكلون النسبة الاكبر من سكان القلعة . وتقول بعض المصادر” لغة العرب للاب انستاس ماري الكرملي 7 ـ 280 “ ان التركمان كانوا الاكثر عددا.
اما القسم الثاني من كركوك” فلا يعرف تاريخ تمصيره، سوى ما يتناقله الطاعنون في السن من ان ذلك كان على مراحل ابتدأت على شكل تجمعات لاقوام رحل، توطنوا تدريجيا. وتوضح وثيقة كتبها احد نصارى كركوك المعاصرين لطهماسب قلي خان المشهور ينادر شاه” العراق قديما وحديثا . عبد الرزاق الحسني “ في سنة 1729 ميلادية ان المعارك التي خاضها القائد الفارسي ضد اهالي كركوك دارت رحاها في قرى وتجمعات سكانية هي الان تشكل محلات كبيرة لمدينة كركوك مثل” القوريا “ وغيرها، حيث كان السكان يتكونون من عرب وتركمان وهذا يدل على ان توسع مدينة كركوك في السهل لم يحصل الا بعد عام 1729 ميلادية.
ولم تكن كركوك في بداية القرن الماضي سوى بضعة محلات تقع في القلعة اشهرها ”الجاي والمصلى وإمام قاسم وزندان“ وكذلك محلتا القورية وشاترلو وغيرهما في القسم السهلي وتسكنها توليفة صادقة ومتفاعلة ومتلازمة من السكان المنحدرين من انتماءات قومية مختلفة يجمعها الانتماء الوطني الواحد.ورغم ان ليس هناك مصادر تحدد على وجه القطع، الفترات الزمنية للسكن في هذه المدينة، بيد ان السيد عبدالرزاق الحسني في كتابة القيم”العراق قديما وحديثا “ يشير الى ان هناك ثلاثة انواع من السكان يسكنون المدينة، وهم الاكراد والعرب والتركمان.
وتشير الوثائق المتصلة بالجوانب الديموغرافية للمدينة حتى عام 1950 ان الاكراد يأتون بالمرتبة الاولى حيث تسكن كركوك ثماني عشرة قبيلة كردية وهي:
1- الجاف، 2- الطالباني، 3- الداوده، 4- الكاكائية، 5- الصالحية، 6- شوان، 7- شيخ بزيني، 8- الهاون، 9- الجباري، 10- الدلو، 11- الشيخاني، 12- الزنكنه، 13- الزند، 14- روزبياني، 15- بالاني، 16- كيج، 17- لك، 18- الوندائية.
وتسكن كركوك حتى ذلك الوقت احدى عشرة قبيلة عربية وهم: 1- العبيد، 2- الجبور، 3- الجحيش، 4- البوحمدان، 5- النعيم، 6- الكروية، 7- حرب، 8- بنوزيد، 9- العزة، 10- السعيدات، 11- الصياح.
اما القبائل التركمانية الساكنة في كركوك فهي: 1- تطران، 2- البيات، ويجزم رؤساؤها انها قبيلة عربية، في حين يرى غيرهم انها من اصل تركي، فيما يرى فريق ثالث انهم من بقايا”الخوارزمية “ الذين دخلوا العراق سنة 1225 ميلادية باسم”بياووت “ فصحفت الكلمة الى”بيات
ومنذ اول تقدير احصائي للسكان جرى في عام 1905 من قبل بعثة بريطانية، ان نصف سكان كركوك هم من الكورد والنصف الاخر من التركمان والعرب ويشير احصاء عام 1957 الى شيء من ذلك. اذ شكل الكورد نسبة 51% من مجموع سكان كركوك والتركمان 21.5% والعرب، 28% وطوال الوقت، ظل التعايش السلمي هو الطابع العام لمدينة كركوك عبر تاريخها الطويل.
النفط والدم والدموع
في 8 نيسان 1867م واثناء مناقشة حادة في الجمعية الجغرافية الملكية في لندن قال السير هنري راولنسون كلمته الشهيرة” العراق مهد الحضارات القديمة في العالم، لكن للعراق صفات اخرى اشار اليها ابدوين بلاك في” العراق 7000 سنة من الحرب “ النفط هو العنصر الاساسي في الصراع في العراق وعلى العراق.
وما ان حل القرن الماضي، حتى تحولت كركوك المدينة الواعدة الحالمة، الى قطعة كيك شهية، اثارت رائحتها غرائز الاطماع وفتحت الطرق امام النوايا والمخططات الساعية الى الاستيلاء والضم والاحتواء. فانقلبت السكينة الى توتر والعفوية الى شك، فباع البعض ماضيه النزيه واربك حاضره باوهام المستقبل.
فعندما تم منح امتياز النفط لشركة نفط العراق في 14 آذار 1925، كان قد بدأ زمن جديد، دشنته كركوك بمأساة انفجار احد ابراج الحفر، حيث تدفق النفط بارتفاع 80 قدما بمعدل” 92000 “ برميل في اليوم، مما ادى الى قتل عشرين شخصا من أهالي كركوك وتدمير عدد كبير من البيوت وتخريب مئات الدونمات الزراعية. فكان اشارة شؤم لمسيرة فاضت دما ودموعا في دروب الالام والشك.
هكذا أضحت كركوك تختصر الملمح الرئيسي في صورة صراع الهويات وتقاطع الانتماءات فما بين التتريك والنفط وغطرسة القوة ضاعت الكثير من ملامح التسامح والتوادد، فبتأثير مكون عنصري في الفكر القومي الكلاسيكي بدأها التعامل مع كركوك ينحى منحا مغرقا بالتشنج والتوتر في اطار اوهام موزعة بين حب الاحتواء ورغبة الفرض. فتم التجاهل المتعمد لمكونات كركوك الطبيعية، ليجري تبني سياسة تعريب بدأت على شكل ردة فعل لسياسة التتريك دون ان تعني انها تعبير عن الايمان العميق بالانتماء القومي بقدر ما دفع اليها مرض خبيث اسمه” غطرسة القوة “ ترافق انتشارها كالوباء مع صعود نخب عسكرية وثورية تلاعبت بالمشاعر القومية للشعوب المتحالفة مع مثقفين قوميين اعتبروا” التحديث الاستبدادي “ السبيل الوحيد للنهوض القومي. ومشهد صراع الهويات الذي تشهده كركوك الان هو في الواقع الوجه الاخر والنتيجة الطبيعية لجرائم التعصب القومي. ان مشهد الصراع الثلاثي: الكردي – العربي – التركماني في داخل كركوك ترجمة حرفية لمبادئ فلسفة القوة التي اعتمدتها النخب القومية في علاقاتها في الداخل والخارج معا، وهذا المشهد ليس فقط حصاد رغبات انفصالية كردية يضخمها الاعلام لاغراض سياسية او تدخلات تركية في الشأن العراقي بل هو بالقدر نفسه نتيجة تراكمات من الافكار والممارسات الخاطئة.
اذكر ان المرحوم مصطفى البارزاني، قال خلال لقاء لي معه بتاريخ 23 / 1 / 1974 مشيرا الى هذه النقطة في معرض حديث مطول عن بيان 11 اذار وافاق المستقبل” كركوك هي جزء من كردستان العراق “ ونحن لا نريد ان نجعل منها نقطة خلاف حادة مع الحكومة، وكنا نرجو ونأمل ان يتعامل الاخوة في الحكومة مع هذه القضية بمنطق ورؤية عراقية صرفة فعندها يتعاملون مع هذه النقطة من خلال المفهوم الوطني فنحن لانجدما نفترض عليه، غير اننا نفترض حد الافتراق عندما يكون ذلك من خلال رؤية عربية قومية فهذا يجعلنا ننظر الى كركوك ايضا نظرة قومية متعصبة “. ثم واصل حديثه قائلا” دعني اسألك، هل كركوك افضل من السليمانية ام افضل من اربيل لماذا هم يقولون بانتماء اربيل ودهوك والسليمانية الى كردستان ولايريدون ان يقولوا الشيء نفسه بالنسبة لكركوك؟
وقبل ان افتح فمي بكلمة، يتولى هو الاجابة على سؤاله قائلا:” نحن نعرف ان خلف هذا الامر، اسباب ودوافع منها خارجية ومنها داخلية. فالنفط جزء من العملية وكذلك الموقف التركي ثم غطرسة القوة والفرض والهيمنة والغاء الطرف الاخر.
ويحدثني الدكتور حسيب العبيدي، عن تصور العرب في كركوك لكيفية معالجة الوضع المتفجر في كركوك، فيطالب بالعودة الى منطق التسامح بعيدا عن التوجهات القومية الاحتوائية باعتبار ان لكركوك خصوصية ينبغي عدم تجاوزها او تخطيها وهي تمثل النظرة المتوازنة المنطلقة من الموقف الشمولي لحل مشكلة تعدد القوميات في العراق، من خلال مبدأ الانفتاح على وفق التعددية القومية في اطار المشاركة الوطنية بوطن اسمه العراق بحدوده السياسية المعترف بها من زاخو الى الفاو ومن خانقين الى القائم.وعندما يتجول المرء في احياء كركوك، قديمها وجديدها في محاولة للعثور على ما ينبغي ان يؤطر توقع ما سيكون عليه الامر في المستقبل القريب او البعيد. يقف امام اقوال وافعال متضاربة متعاكسة في الشكل بيد انها تعبر في جوهرها عن بقايا احترام لوجهات نظر الطرف الاخر. عقول تتقاطع وقلوب تتعاطف فأيها اصدق في هذه المدينة الضاحكة ملء الدموع والباكية مثل الشموع. ويظل شبح السؤال الكبير يطارد من يجد في قلبه حرقة وفي بلعومه غصة ترى هل صارت كركوك:” عنوانا للغبن التاريخي والجغرافي والديمقراطي ؟ “ المراقبون السياسيون يقولون ان حل مشكلة كركوك هو مفتاح حل المشكلة العراقية برمتها. ولكن ربما اهمل البعض حقيقة ان كركوك النفط والغاز واعواد ثقاب ونفر ضال. ليس في وسعها ان تتحمل الى مالا نهاية على زبد الوعود تداف في عسل الكلام.
تداعيات
لا احد هنا يستسيغ لغة تتحدث عن مستقبل مضطرب ينتظر المدينة الحالمة. غير انه ليس هناك من يجد لديه القدرة على المجاهرة برؤى الحل الكركوكي فكل مواقف الحكمة والعقل تنهار عندما تنطلق شراذم لا احد يعرف على وجه اليقين الحجور التي تخرج منها وهي تردي” الغيرة “ الكردية او” الغيرة “ العربية او الغيرة التركمانية وهكذا نجد من يهمس في اذنك وانت تدلف باب مقر (التجمع العربي الوطني) عن الاهانات التي توجد للعرب في كركوك ويصل الامر بهذه الشراذم الى درجة الاعتداء عل كل من يرتدي الزي العربي وفي الوقت نفسه تنطلق شراذم اخرى تعتدي وتتجاوز على اكراد بسطاء او محسوبين على التركمان يعتدون على هذا او ذاك وعندما تحاول الوصول الى من يتحمل مسؤوليتهم تجد نفسك كمن يبحث عن دنبوس في بيدر سمسم.ويظل السؤال الا يوجد حل يجنب كركوك ويجنب العراق المآسي والويلات ؟الجواب ..نعم يوجد حل وربما حلول ولكن ينبغي ان يتوفر اولا وقبل كل شيء حسن النية ثم المساعي الحميدة لتقريب وجهات النظر وللابتعاد عن الشكوك وافتراض سوء النية.
الاكراد يقولون الهوية شيء والوجود شيء اخر فهم يرون ان كركوك كردية اما وجودها الراهن فهي مدينة كل العراقيين،مدينة التاخي والوحدة الوطنية اما العرب فيقولون ان كركوك نسيج تكونه قوميات متعددة فكما نطالب بعدم تهميش اية قومية على المستوى الوطني ونقول بشراكة الجميع في الوطن العراق ينبغي ان نؤمن ايضا ان ليس من حق القومية الاكبر على مستوى كركوك ان تنفرد في رسم صورة الواقع الديمقراطي للمدينة اما التركمان فهم يعتقدون ان لهم الحق في الحديث عن عمليات تطهير عرقي حقيقية ضدهم قلب المعادلة بغير صالحهم ويقولون ان عمليات التطهير العرقي ضدهم لم تبدأ في زمن صدام بل لقد بدأت عمليات التطهير منذ امد بعيد يصل الى بداية نشوء الدولة العراقية الحديثة وهناك من لايعترض على كردية المدينة غير انه لايحبذ الحديث عن الضم الى (كردستان) ففي التسمية رائحة(انفصال) كما يزعمون وفي احدى مقاهي كركوك ذات النكهة الكركوكية الاصيلة تنطلق فكرة من احد الجالسين بعد ان وصلت حرارة النقاش درجة الغليان ترى لماذا لاينص الدستور على اعطاء مدينة كركوك واية مدينة عراقية مماثلة حكما ذاتيا ضمن الفدراليات فمثلا مدينة كركوك ذات الحكم الذاتي ضمن الفيدرالية الكردستانية ويرد عليه احدهم انها فكرة طيبة ولكن قبل هذه الفكرة وبعدها المهم هو النوايا فاذا خلصت النوايا وحسنت سهل الحل.
الدخلاء والغرباء
الحديث في كركوك لاينفك من ترديد عبارة ما نحن فيه من صنع الغرباء وكلمة(غرباء) ليس المقصود بها هنا على مستوى الافراد وان يحاول البعض ان تكون شاملة بحيث تقصد الافراد وايضا بمعنى ان يقال زيد جاء الى المدينة منذ كذا سنة فهو غريب وعمر من سكنة كركوك القدماء فهو اصيل وهكذا بيد ان ما يقصده اهل كركوك بتلك العبارة هو الوجود الدولي الكثيف في كركوك فالاكراد يوجهون اصابع الاتهام الى تركيا ويقولون انها موجودة بثقل كبير تسرح وتمرح في محاولة لـ(تتريك) المدينة في حين لايتردد العرب وبعض التركمان من توجيه اصابع الاتهام الى وجود اسرائيلي يعمل لصالح تكريد المدينة وينقل بعض التركمان ان كركوك كانت احد اهم اسباب تدهور العلاقة الاسرائيلية التركية والى جانب ذلك تتواجد دول وقوى متعددة.واقف مع الواقفين في شورجة كركوك واسمع ويسمعون حديثا يسطر مفرداته بحكمة ووقار السبعين قضى نصفها في الدرس والبحث والتدريس اضافة الى امتهان العطارة ورثها عن ابيه الذي ورثها عن جده قال:
لاينبغي ان نفعل ما فعله الطاغية في مجال التعريب فليس معقولا او مقبولا ان ننهى عن عمل ونأتي بمثله ان من يقول بسياسة التكريد لابد انه تعلم من ظالمه حفظ درس مضطهد ومضى الشيخ الوقور محمد عبد القادر عثمان يتساءل :ترى كيف يقبل من رفض الاضطهاد والتطهير العراقي لنفسه ان يمارس هذه الامور تحت حجج وذرائع تعكز عليها الطغاة ويسترسل هذه المدينة كردية وهي عربية وتركمانية وكلد واشورية وتلك هي هويتها كركوك مدينة غير متعلقة، انها مدينة السلام والوئام.انها مدينة الالوان الزاهية، مدينة الفسيفساء العراقية الخالدة، ولتذهب كل دعوات التتريك والتكريد والتعريب الى الجحيم. ان الدعوة التي لا تعلو عليها دعوة هي كركوك للكركوكيين..
وختم الرجل الوقور حديثه قائلاً:
صدقوني هذه ليست احلاماً وليست آمالاً بل هي الحالة التي ينبغي ان تكون، والا فان اي شيء زاه، واي شيء بهيج، سيغادر كركوك فوراً ليحل محله الجراد الاصفر لتعود يد الجلاد تكمم الافواه وتقلع الالسن وتلوي الاذرع، ليرتفع الحقد جبالاً وتتراكم الكراهية براكين، ليسكت الثأر زقزقة العصافير ويحصد الزنابق فيغدو كل شيء وكأنه يدور حول نفسه، ينتهي من حيث بدأ، ويبدأ من حيث انتهى، فتكون المأساة واحدة بألوان وثياب مختلفة، كما الطاغية واحد بأسماء وعناوين وأزمان مختلفة.هكذا تكلم الرجل الذي كان يحمل حكمة زرادشت. فكم في كركوك من يتكلم كما تكلم محمد عبدالقادر عثمان، بائع البهارات، الغارق في بحر نكران الذات..

جريدة الصباح