الرئيسية » مقالات » من يحاكم من؟

من يحاكم من؟

أبو خليل منذ الساعة التاسعة صباحاً تواجد على باب المحكمة العسكرية في مدينة غزة، خلال فترة انتظار انعقاد المحكمة العسكرية الدائمة لم يكف عن الحديث عن ابنه “الفتحاوي” المعتقل لدى جهاز الأمن الداخلي في غزة منذ سبعة أشهر.
طوال فترة الانتظار الذي استمرت ساعة كان يتمتم بالدعاء ويرفع يديه إلى السماء والدموع تنهمر من عينيه، وعندما أحضر ابنه إلى قاعة المحكمة، ودخل القفص لم يصدق و من شدة الفرح لم يتمالك وأخذ بالبكاء، ولم يصدق أن المحكمة سوف تعقد وسيتم النطق بالحكم، ومجرد أن بدأت المحكمة تحول الفرح إلى قلق وخوف ورجفة، وازدادت التمتمة والدعاء لم يستطع التماسك وعاد إلى البكاء بصوت خافت.
المحكمة استمرت نحو عشر دقائق ونطق القاضي بالحكم، وكان إخلاء سبيل المتهم ما لم يكن مطلوب على قضية أخرى، أخذ بالبكاء بصوت مرتفع لم ينتظر القاضي يكمل النطق بالحكم، خرج من قاعة المحكمة وهو يبكي بصوت مرتفع ويقول: اخلي سبيله بالبراءة، ومن يحاكم من؟
أبو خليل والد واحد من مئات المعتقلين السياسيين من أعضاء حركتي “فتح” و”حماس”، حاله حال مئات الآباء الذين ينتظروا ساعة الفرج بإخلاء سبيلهم وتحريرهم من نير الانقسام والانتقام وتعميق الكراهية وزيادة الهوة والابتعاد كثيراً عن قرب التوصل إلى إنهاء الانقسام والعودة عن حال المناكفات والخوف من القادم المجهول.
لم يعود الخلاف والجدل بين الفلسطينيين حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، والرؤية التي ينطلق منها طرفا الصراع في إدارة شؤون الناس كلٌ في إقليمه الذي يسيطر عليه فقط، فالخلاف طال كل شيئ بما فيها المقدسات، حكومة رام الله تنفذ الاعتقالات بناء على التزاماتها بخارطة الطريق، وليس صحيحاً أنها تقوم بذلك لفرض الأمن والنظام، الاعتقالات منذ سيطرت حماس على القطاع بالقوة المسلحة ازدادت، وحسب إدعاءات حماس وصل عدد المعتقلين في سجون السلطة في رام الله إلى أكثر من 900 معتقل.
حملات الاعتقال ضد أعضاء حركة حماس لم تتوقف سواء كانت على خلفية الرأي والتعبير والتجمع السلمي أو القيام والتخطيط لعمليات فدائية ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية، واحتجزتهم من دون سند قانوني أو محاكمات عادلة، بل تم تقديم المئات منهم أيضاً إلى القضاء العسكري بحجة الإضرار بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، على الرغم من صدور قرارات من المحكمة العليا الفلسطينية ببطلان عمليات الاعتقال.
وفي غزة قامت حماس ولا تزال بشن حملات اعتقال متكررة ومستمرة، وأصبح اللعب على المكشوف بين الطرفين، وليس خافياً على أحد أن الاعتقالات هي رد فعل على ما تقوم به حكومة رام الله، وتتزامن مع كل جولة من جولات الحوار العبثية، ومنذ أحداث قلقيلية شنت الأجهزة الأمنية في الحكومة المقالة حملة اعتقالات طالت العشرات من قيادات وأعضاء حركة فتح، غالبيتهم من منتسبي الأجهزة الأمنية الذين يطلق عليهم تفريغات 2005، ويتلقون رواتب متدنية، 1000شيكل للفرد الواحد شهرياً، ومهددون بقطع الراتب في كل لحظة.
ولم تكتف بذلك بل قامت بحملة إستدعاءات للمئات من قيادات وأعضاء فتح، والتحقيق مع بعضهم والطلب منهم الحضور يوميا إلى مقرات جهاز الأمن الداخلي، وليس صحيحاً أيضاً أن الاعتقالات هي بناء على معلومات لدى الأجهزة الأمنية في غزة من أنها استطاعت تفكيك خلايا تهدد أمن الوطن والمواطن، واختزال الوطن في قطاع غزة.
خلال العامين الماضيين اعتقلت الأجهزة الأمنية في غزة المئات من أعضاء فتح ووجهت تهم مختلفة لهم بدءاً من التخطيط إلى القيام بعمليات “تخريبية” ضد أعضاء من حماس وحكومتها، وانتهاءً بمراقبة مقرات الأجهزة الأمنية ومنازل قيادات في حماس وتسليم خرائط لتلك المقرات والمنازل، وأفرج عنهم بعد قضاء حكمهم أو فترة توقيفهم.
كلٌ يحظر الآخر، الطرفان ممنوعان من القيام بأي نشاط حتى التضامن مع أنفسهم، ممنوع عليهم الحديث، يمارسون القوة على بعضهما بالحديد والنار وبقوة السلاح والقمع والسجن، الخوف والقلق أصبحا السمة السائدة لأعضاء الحركتين، والركون إلى مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان الذي يحاول الطرفان تجريدها من قوتها المستمدة من ضحايا الطرفين، و الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية أصبحت عاجزة عن تنظيم نفسها لمواجهة التدهور الخطير في العلاقات الداخلية الفلسطينية.
الجدل بين الفلسطينيين لم ينتهي، الوضع الفلسطيني يزداد تعقيدا ولا يحتاج الفلسطينيين إلى تعريف الاعتقال السياسي، أو الإفراج عن معتقلين من الطرفين بناء على جدول زمني على دفعات، ما يحتاجه الفلسطينيون العودة عن حال الانقسام، والوحدة وبناء إستراتيجية وطنية مبنية على الشراكة وليس إقصاء ونفي الأخر والتفرد باتخاذ القرارات، كل طرف يحاكم الأخر والانتقام والدخول في أحلاف دولية وإقليمية، والشعب يعاني الاحتلال وهموم الحياتية اليومية.