الرئيسية » مقالات » مسودة دستور اقليم كردستان.. نقد النص ونقد الريبة

مسودة دستور اقليم كردستان.. نقد النص ونقد الريبة

يتوزع منتقدو مسودة دستور اقليم كردستان- العراق على فريقين، الاول، لا يعترف بهذا الدستور جملة وتفصيلا، ويعارض، في الاصل، خيار الدولة الاتحادية في العراق، واستطرادا، فانه لا يقبل تلك البنود الدستورية التي تعطي الحق للشعب الكردي في اقامة كيان اتحادي، وفق الدستور، وبخاصة المادة 120 التي تنص على اجازة حق اي اقليم وضع دستور له لا يخالف الدستور العراقي.
وينخرط في هذا الفريق (بالاضافة الى دول لها مواقف مناهضة حيال الكرد) انصار وحلفاء النظام السابق ومعارضو العهد الجديد سوية مع فئات واصوات من داخل العملية السياسية، كان بعضها قد شارك في تثبيت خيار الدولة الاتحادية قبل ان يتراجع عنه في حمية الصراع السياسي والدعائي، وربما -افترض شخصيا- ان هذا الفريق لم يكلف نفسه عناء قراءة فقرات مسودة الدستور قيد الجدل، او انه قرأها بالطريقة الانتقائية (استلال عبارات من النصوص) لاثبات صحة وجهة نظره.
واحسب ان مناقشة اطروحات هذا الفريق يجب ان تنعقد في مستوى (وحيّز)مستقل عن موضوع مسودة دستور الاقليم على اساس وجاهة، او عدم وجاهة، اقامة الدولة الاتحادية في العراق، واستبق هذه المناقشة بالملاحظة التالية: ان هذا الفريق لا يقدم بدائل او حلولا للقضية الكردية في العراق (باستثناء قانون وتطبيقات الحكم الذاتي سيء الصيت) والحق، ان الفريق لا يعترف بوجود هذه القضية التي وجدت طريقها الى وثائق الامم المتحدة في نصوص صريحة، وقبلها الى المحاضر والاتفاقيات الدولية قبل عشرة عقود من الزمن، فيما يرى هذا الفريق انها من تلفيق الاحزاب الكردية والقوى
الخارجية.
الفريق الثاني الذي تعنينا مناقشة اعتراضاته على مسودة دستور اقليم كردستان يتمثل في اولئك الذين يذهبون الى الاعتقاد بان المسودة تكرس انفصال الاقليم عن الدولة العراقية، وتشرّع لسلطة محلية اقوى من المركز، وتضع حدودا ادارية غير معترف بها للاقليم، ويذهب البعض من هذا الفريق الى تسجيل التحفظ المبكر على تشريع دستور للاقليم “في هذا الوقت شديد الحساسية” فيما يلاحظ بعضهم ارتباكا في صياغة تعامل سلطة الاقليم مع صلاحيات الحكومة الاتحادية، لكن ثمة القليل والنادر من هذا الفريق من قام بعملية تشريح قانونية ودستورية متأنية للمسودة بما يساعد
على تعديلها او تعميق مفاهيم لم تكن معمقة في الاصل.
ولعل اضعف حجة، وربما اكثرها عبثا في انتقاد مسودة الدستور، تحملها (بعض) تصريحات وكتابات ممثلي هذا الفريق، وتظهر في الريبة حيال نيات الكرد ازاء التزامات الشراكة في الوطن الواحد، او على وجه الدقة، حيال نيات والتزامات القيادة السياسية الكردية، الامر الذي يعقّد المناقشة، ويسفّه البحث، وينقل القضية برمتها الى سياق التشهير والشكوك ولي الاذرع، والدخول في تفاصيل تثقل كاهل المناقشة الطليقة.. ومن التفاصيل تنطلق جيوش الابالسة، عادة.
في رأيي، ليس ثمة عبث ولا مسؤولية في مناقشة ملف خطير مثل مسودة اقليم كردستان –العراق اكثر من اخضاع هذه المناقشة الى دواعي الصراع السياسي العارض، وتوظيفها في لعبة الائتلافات الانتخابية، والمزايدات القومية، وتصفيات الحساب، والنظرة الكيدية، وفي كل الاحوال، لا يمكن المجازفة بالقول ان المسودة التي اجازها برلمان الاقليم متكاملة ومتماسكة كفاية بالرغم من الجهد الاحترافي والقانوني البنائي الواضح في الكثير من سياقاتها، فثمة حاجة الى مراجعة وتعديل بعض البنود والاحكام والصياغات، ومعالجة بعض البنود التي تبدو متناقضة وغير منسجمة،
وبعضها الاخر الذي ينطوي على تفسيرات متضاربة، وبعضها الثالث الذي ينحى الى “فئوية” سياسية لا مكان لها في الدساتير المدنية المتحضرة.
ولكل هذه المفردات الاعتراضية دالة في المسودة وفي سطورمن نصوصها قد نعود لمناقشتها لاحقا، لكن المهم الذي يستبق سواه هو الكلام الكثير الذي اثير في الاعلام من قبل الفريق الثاني من المنتقدين حول “تمرد” المسودة على الدولة العراقية، او كما افاد كاتب سياسي بانه “بيان انقلابي على الدستور العراقي” وقد وصف البعض جملة من الصياغات الانتقائية باعتبارها مشروع كيان انفصالي للكرد.. ما يستحق المناقشة بهدوء، والاحتكام الى النص:
في بديهيات الدساتير والقوانين ثمة منطلقات ومداخل مركزية تُعرف بالتأسيسية، تنظم الاحكام والتشريعات وقواعد الحقوق وتبطل بدورها اية احكام لاحقة تناقضها ولا تتساوق معها، وفي هذا تُحرج واحدة من ابرز مفردات حملة تسفيه مسودة دستور اقليم كردستان إذ ينتقي اصحابها عبارات واحكاما ثانوية استطرادية ويرفعونها الى موضع القياس قفزا مقصودا من فوق المنطلقات والمداخل التأسيسية المثبتة في (المقدمة) وفي (الباب الاول- المبادئ الاساسية).
فقد تضمنت مقدمة المسودة (الديباجة) ما يلي: “فلقد توحدت خياراتنا والتقت ارادتنا مع ارادة بقية مكونات شعب العراق وقواه الوطنية لتكون كردستان- العراق اقليما اتحاديا ضمن دولة العراق الفيدرالية” كما جاء في المادة رقم(1) من الباب الاول من المبادئ الاساسية النص التالي: “كرستان- العراق اقليم ضمن دولة العراق الاتحادية” ولا تخرج بقية المواد عن هذا الالتزام التاسيسي، فيما نقرا في المادة السابعة ما يعمق فكرة الانتماء الطوعي للوطن المشترك: “لشعب كردستان- العراق الحق في تقرير مصيره بنفسه، وقد اختار بارادته الحرة ان تكون كردستان- العراق
اقليما اتحاديا ضمن العراق” وفي المادة الثامنة (رابعا) يجري تثبيت شرط موافقة الحكومة المركزية لامرار اية اتفاقية يبرمها الاقليم مع الحكومات الاجنبية “ولا تكون الاتفاقية نافذة اذا رفضت الحكومة الاتحادية الموافقة عليها” وهناك، في المادة الرابعة عشرة إلزام باعتبار اللغة العربية لغة رسمية في الاقليم مجاور اللغة الكردية.
على ان الهواء الطلق، البنائي، المنتج، يبقى افضل مكان لمناقشة (ونقد) مسودة الدستور ومنها الى مناقشة مكانة الكرد في عراق المستقبل إذ تتناسل الكثير من المراهنات في هذا المجال.. ويبرز لبعض تلك المراهنات اسنان، للاسف.
ــــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“اشجار الحكمة لا تنمو سريعا، لكنها تعمر طويلا.”.
قول اغريقي