الرئيسية » مقالات » أحداث إشكالية تستحق المناقشة..

أحداث إشكالية تستحق المناقشة..

لا أعالج هنا موضوعا بعينه، بل أطرح للتأمل والنقاش أحداثا، منها عراقية، ومنها دولية، ومنها ماضية، وأخرى هي من أحداث اليوم الساخنة.
1 – انتفاضة العراق لعام 1991..
أعتقد شخصيا أن هذا الحدث الهام لم يدرس ويناقش من كل الأوجه، سوى وقائع ووجهات نظر من اعتبروا أنفسهم من “أبطال الانتفاضة الشعبانية.”
هل كانت حقا انتفاضة؟ اعتقد أن نعم، فقد كانت موجهة ضد نظام المغامرات الخاسرة والقتل الجماعي واستعمال الغازات السامة ضد الشعب، وسياسات التمييز الطائفي والاضطهاد العرقي.
وإذ يصح هذا الحكم، وهو يتطابق مع تقييم كل الوطنيين العراقيين، فإنني أرى أن هذا الحدث الكبير يتطلب مزيدا من البحث والدراسة، وبكل موضوعية وصراحة.
إن تساؤلاتي هي عن:
* كيف ننظر لما وقع من ممارسات طائفية دموية، ومن أعمال نهب وتخريب، ومن المسئولون عن ذلك؟ وهل كان غض النظر عن انتهاكات وقعت فعلا لصالح العراق؟ أم قد شجعت فيما بعد على وقوع ممارسات مماثلة بعد سقوط صدام وباندفاع أشد؟ ثم ألا يستحق الذين قاموا بانتهاكات فظة أن يكشف عنهم تحقيقا للعدالة؟
* يجب التساؤل أيضا عن الدور الحقيقي لإيران وفيلق قدسها، وإلى أي مدى كان تدخلها كبيرا؟ وهل كان ذلك التدخل لغرض تحويل العراق لنظام دولة فقيه جديدة؟ وهل حقا إن الدور الإيراني هو الذي جعل بوش الأب يغض النظر عن استعمال صدام للمروحيات لاقتراف الانتهاكات الأبشع، والأكثر وحشية، وخصوصا المقابر الجماعية؟
نعم كانت الانتفاضة صفحة مجيدة في سجل النضال الوطني الشعبي ولكنها مع ذلك تتطلب التقييم الدقيق ومن كل الوجوه. نعتقد أن التدخل الإيراني الفظ ورفع صور الخميني وخامنئي أعطى انطباعاً للأمريكان ودول الجوار أن لانتفاضة هي من صنع إيران، القصد منها إقامة نظام على غرار النظام الإسلامي في إيران ويكون تابعاً له، لذلك تخلى الأمريكان عن دعمها وسمحوا لإجهاضها.
2 – مفهوم التدخل الخارجي:
أصبح الاتهام بوجود تدخل خارجي متداولا اليوم، وعملة رائجة كلما وقعت زلازل داخلية، أو حدث يزعج الحكام.
* النظام الإيراني هو اليوم الأكثر استخداما لهذه الورقة القديمة والبالية، لتبرير قمعها الوحشي للانتفاضة الشعبية الأخيرة احتجاجاً على تزوير الانتخابات الرئاسية، ولتشويه حقيقة المعارضة والمعارضين، ولتضليل الرأي العام الداخلي.
* النظام السوداني راح يستعمل الورقة نفسها لنفي وجود تطهير وحملة إبادة عرقيين.
أثير هذا الموضوع بمناسبة كثرة حديث السيد المالكي عن “رفض التدخل الخارجي”، ولكن في كل مرة يجئ ذلك تعريضا بالولايات المتحدة، وآخر ذلك بمناسبة زيارة بايدن.
لقد ورد في الأخبار بأن زيارة نائب الرئيس الأميركي هي لغرض بحث موضوع “المصالحة الوطنية” في العراق. وقد رد المالكي بقوله: “لن نسمح بإشراف خارجي على المصالحة الوطنية”؛ وعن قول بايدن بأن أميركا “ستعيد النظر في التزاماتها” لو تجدد العنف الطائفي والإثني، قال المالكي: ” هل يقبلون أن نتدخل في شؤونهم؟” أما السيد علي الدباغ، الناطق الرسمي باسم رئاسة الوزراء، فقال إن موضوع المصالحة خط أحمر، وشأن عراقي محض.
ربما هذه التصريحات الحادة هي للاستهلاك الداخلي، أو هي رد قاس على شطحة لسان من شطحات بايدن المعروف بها، ولكنها تصريحات عراقية تفتقر للكياسة الدبلوماسية، وتترك انطباعا بأن المالكي يتهم الأميركيين بالتدخل، وأنه متضايق أصلا منهم، بل وقيل إنه يكرههم؟!!
لا نعرف بالضبط بأية أفكار جاء بايدن، وهل هي مقبولة جزئيا أو كليا، أم لا. هل جاء بمشروعه القديم لتقسيم العراق، وهو مشروع مرفوض تماما؟ أم لديه أفكار جديدة تستحق المناقشة بهدوء. على أنه، ومهما يكن، فالموقف الدبلوماسي الصحيح هو القول بأن مقترحاته الجديدة ستدرس بعناية، وأن القرار النهائي هو للعراقيين. إن المثير هنا هو أن السيد الدباغ قال أيضا إن كل اللقاءات مع بايدن: “كانت تنقل رسالة واضحة بالدعم والمساعدة غير المشروطة”. فهل هذا موقف دولة تتدخل فعلا ؟ ولم لا يكون لواشنطن حق طرح بعض المقترحات التي ترى أنها لصالح استقرار العراق لتدرس معا مادامت هي شريكة العراق، وقد قدمت له من كبريات الخدمات ما لم يكن العراقيون يحلمون به؟؟
الذي يزعجني شخصيا هو أن المالكي لم ولا يستعمل أبدا مثل هذه اللغة، لا هو ولا السيد الدباغ، أو الربيعي، كلما كانت إيران هي الطرف الآخر. فعلي لارنجاني صرح علنا بأنه يريد إعادة تشكيل وتفعيل الإتلاف السياسي الشيعي. قال ذلك علنا، وهذا بالفعل تدخل مكشوف في الشأن العراقي. مع ذلك، لم نسمع كلمة نقد واحدة مهما كانت خفيفة من أقطاب السلطة. إن إيران تتدخل منذ سقوط صدام، وقد لعبت، ولا تزال تلعب، أدوارا تخريبية مكشوفة لزعزعة استقرار العراق، ومع ذلك فهي تلاقي الترحيب الحار، ويروح المسئولون يكررون خرافة دعم إيران، وينفون أي تدخل لها في الشأن العراقي!
3 – هندوراس: بين الانقلاب الدستوري والانقلاب العسكري:
موضوع هندوراس هو من المواضيع الدولية الساخنة. وفي رأيي إن الحدث يستحق تأملا موضوعيا دقيقا، لنقيِّم على ضوئه أحداثا وقع أو قد تقع في منطقتنا.
الرئيس الهندوراسي المخلوع أراد تعديل الدستور لتولي رئاسة ثانية، كما فعل قدوته شافيز، ولكن المحكمة العليا والبرلمان عارضا، والجيش رفض السير معه، ومع ذلك، فقد حاول اللجوء للشارع لفرض الأمر الواقع، فانتفض الجيش عليه وعزله. دول أميركية لاتينية، ذات أنظمة شعبوية، بزعامة الفنزويلي شافيز، أدانت وراحت تهدد بالتدخل. الأمم المتحدة تطالب بعودة الرئيس المخلوع، وأميركا قطعت المساعدات عن الحكومة المؤقتة التي تحظى بدعم البرلمان.
إن الإشكالية هنا: من المحق؟ وأين الشرعية؟ هل في موقف رئيس يريد تحقيق انقلاب دستوري لتخليد سلطته عن طريق اللجوء للشارع؟ أم الجيش الذي انحاز للدستور والبرلمان والمحكمة العليا؟ وكفرضية، [غير محتملة اليوم]، نسأل أيضا: كيف ستقيّم انقلابا عسكريا تركيا إذا تأكد أن الحزب الإسلامي الحاكم يعمل على إقامة نظام إسلامي ينسف العلمانية؟ هذه مجرد فرضية ليس إلا نأتي بها في هذا السياق لنعرف أن حالات كهذه تشكل إشكالية مفتوحة للتأمل ولتبادل الآراء.
7 تموز 2009

 عراق الغد