الرئيسية » الملف الشهري » قراءة في كتاب (ثورة 14 تموزفي نهوضها وانتكاستها واغتيالها)

قراءة في كتاب (ثورة 14 تموزفي نهوضها وانتكاستها واغتيالها)

أسم الكتاب : ثورة 14 تموزفي نهوضها وانتكاستها واغتيالها.
أسم المؤلف : حامد الحمداني
جهة النشر: فيشون ميديا- السويد
سنة الطبع : 2006م
عدد الصفحات :254 من القطع المتوسط .
مقدمه تأريخيه
العراق هذا البلدالعريق الذي عاش في قلب التأريخ منذ أقدم العصوروشغل أذهان المؤرخين والرحاله والأدباء واحتل اسمه صفحات مشرقه من الموسوعات العالميه وجاء أليه الرحاله الروس والصينيون والهولنديون وانتقلوا في جهاته الأربع ليكتبوا عنه وقلما يجد المرء متحفا عالميا لايوجد فيه أثر من آثاره ولموقعه الأستراتيجي ووفرة مياهه واحتلاله موقع الصداره في الحضاره الأنسانيه تعرض لغزوات الغازين منذ الألف الخامس قبل الميلاد حيث بدأت فيه حضارة الأكديين ثم أتى البابليون وحكموا ثلاثة قرون وكانت شريعة حمورابي ومن قبلها شريعة أورنموثم تلاهم الكيشيون فالآشوريون كل أولئك الأقوام أضافوا أضافات هامه لمجمل المسيره الحضاريه لتأريخ البشريه . العراق هذا الأسم الكبير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يتعرض اليوم لأشرس هجمة بربرية في التأريخ للقضاء على كل مقوماته الحضارية وتحويله ألى وطن للغربان والأفاعي وذوي العاهات الأخلاقية وليت السياسيين أدركوا ذلك . والذي يهمنامن هذا العرض هو تسليط الضوء على هذا البحث الهام والجهد القيم الذي بذله الأستاذالمؤلف السيد حامدالحمداني حيث تناول حقبه مهمه وخطيره من تأريخ العراق وهي أحداث ثورة الرابع عشر من تموز العظيمة التي هزت أركان الأستعمار وحررت العراق من السيطرة الأجنبية بقيادة الزعيم الخالد الشهيد عبد الكريم قاسم هذه الثورة العملاقة التي ستحل ذكراها الحادية والخمسين بعد أيام وما تبعها من أحداث جسام وكيف كان حجم التآمر كبيرا عليها . لقد قسم المؤلف كتابه ألى عشرة فصول تناول في الفصل الأول تأريخ العراق الحديث منذ احتلاله من قبل العثمانيين ذلك الأحتلال البغيض الذي دام 400 عاام وكان بحق عصر الظلم والظلام وبعد أن دب الضعف في كيان هذه الأمبراطوريه ولقبت ب ( الرجل المريض )دخل العراق في حقبه جديده مظلمه واحتلال جديد هو الأحتلال البريطاني حيث احتل الجنرال مود بغداد يوم 11 آذار 1917م بعد أن دخل في معارك ضاريه ضد الأتراك أثناء زحفه على بغداد ولعل حصار الكوت الشهيرشغل الكثير من الباحثين لأنه أطول حصار في التأريخ قام به العثمانيون ضد الأنكليز وحدثت فيه أحداث رهيبه لم تخطر على بال أحد ولعل أهم كتاب في هذا المضمار هو كتاب ( حصار الكوت ) للدكتور عادل البكري مدير صحة لواء الكوت ومقابر الأنكليز والعثمانيين لازالت شاهده في موقعين من المدينه ومن الطرائف التي كتبت أن زوجة أحد الجنرالات أكلت قطتها – ازمولدا – من شدة الجوع .
لقد كانت الجمله التي أطلقها الجنرال مود ( جئنا محررين لافاتحين ) مجرد كذبه كبيره كان هدفها الرئيس التغطيه على مساوئ الأحتلال وكما يحدث الآن في العراق فأن الأمريكان أدعوا نفس الأدعاء وهذا شأن المحتلين على مر العصور لقد كانت أمنية كل عراقي شريف أن يسقط الدكتاتور صدام حسين بأيد عراقيه نظيفه ولو حدث هذا لتجنب العراق الكثير من الويلات والمحن التي ألمت به منذ ستة أعوام وألى يومنا هذا ولكن ماكل مايتمنى المرء يدركه- تجري الرياح بما لاتشتهي السفن .
لقد قام الشعب العراقي بثورات عديده ضد الأحتلال البريطاني وأبرزها ثورة العشرين تلك الثوره الشعبيه العارمه التي أقضت مضاجع الأنكليز وجسدت وحدة الشعب العراقي بأجلى وأنبل مظاهرها حتى أن العديد من قادة الثوره دخلوا أحدى الكنائس وأخذوا يهتفون ( عاشت الوحده العراقيه ) ( عاشت الوحده الوطنيه ) (عاش مجد سيدنا المسيح )وكان للمرجعيه الدينيه في النجف الأشرف الدور الأساسي في توحيد كلمة الشعب وجعلها نبراسا لكل القوى الوطنيه التي انتفضت ضد الأحتلال وكان ( الميرزا محمد تقي الشيرازي )بمثابة قطب الرحى في تلك الثوره الوطنيه الكبرى وكذلك الزعيم الوطني البارز ( جعفر أبو التمن ) و ( محمد الصدر ) و( الشيخ ضاري ) وغيرهم الكثير حيث لاتتسع الصفحات لذكر كل الأسماء وبعد أن أخمد الأنكليز تلك الثوره بقوة الحديد والنار أستمر الشعب العراقي في ثوراته وانتفاضاته رغم أن الأنكليز قد جاءوا بالملك فيصل الأول ونصبوه ملكا على العراق لكن العراق بقي محتلا وكانت للأنكليز اليد الطولى في التحكم بمقدرات البلد خاصة بعد معاهدة بورت سموث الأستعماريه عام 1930م وتوالت الثورات والأنتفاضات فكانت ثورة العشائر العراقيه في الفرات الأوسط عام 1935 م تلاها انقلاب بكر صدقي الذي أدى ألى هروب نوري السعيد ثم عودة نوري السعيد من جديد بعد اغتيال بكر صدقي ثم مقتل الملك غازي وانقلاب رشيد عالي الكيلاني أعقبها وثبة كانون المجيده عام 1948م كرد فعل على محاولة حكومة ( صالح جبر – نوري السعيد ) فرض معاهدة بورت سموث ثم قيام حرب فلسطين وتخاذل الحكام العرب أمام وعد بلفور الأستعماري التي أدت الى وثبة تشرين وأعدم على أثرها يوسف سلمان ( فهد )وحسين محمد الشبيبي (حازم ) وزكي بسيم ( صارم ) .
لقد عاد الجيش العراقي من تلك الحرب وهو ناقم على تلك الحكومه العميله التي تواطئت مع الأنكليز لمنح فلسطين للصهاينه على طبق من ذهب وكان من بين أولئك الضباط العراقيين الأحرار (عبد الكريم قاسم ) الذي أبلى بلاء حسنا في معركة ( كفر قاسم ) والذي صمم منذ ذلك اليوم أن يخلص العراق من ربقة النفوذ الأستعماري البغيض والحكم الملكي الفاسد وما زاد الطين بله أقامة حلف بغداد عام 1954م الذي ضم العراق وتركيا وأيران وباكستان وبريطانيا واشتراك الولايات المتحده في جانبه العسكري ثم بدأ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مما أدى ألى اشتعال المظاهرات في كل أنحاء العراق تأييدا للشعب المصري وقائده جمال عبد الناصر كل هذه الأحداث أدت ألى قيام ثورة الرابع عشر من تموز تلك الثوره الوطنيه الكبرى التي سيخلده التأريخ بحروف من نور . ولعل ثورة الرابع عشر من تموز وقائدها الوطني عبد الكريم قاسم قد حظت باهتمام عدد هائل من الكتاب والسياسيين منذ قيامها وألى يومنا هذا لكن المؤلف حامد الحمداني تناول هذا الحدث الكبير في تأريخ العراق بكل أمانه وموضوعيه وعزز مواضيعه بمصادر لها اعتبارها ورغم اعتناق المؤلف فكره معينه ألا أنه تناول ألأحداث بصدق وبأمانه خاصة بعيدا عن توجهاته وأفكاره الخاصه. وأنا كنت من الجيل الذي عايش أحداث تلك الثوره العظيمة كل تلك المعلومات القيمه دونت في الفصلين الأول والثاني .
أما الفصل الثالث تناول المؤلف فيه نشوء حركة الضباط الأحراروتنظيماتهم وتشكيل اللجنه العليا لحركتهم وقيام جبهة الأتحاد الوطني .
وفي الفصل الرابع يتناول المؤلف كيفية الأعداد للثوره وشخصية قائدها عبد الكريم قاسم وحياته التي كانت حياة بسيطه حيث كان يردد دائما بعد قيامه بالثوره أنه أبن ذلك النجار البسيط ويفتخر أنه كان في بداية حياته معلما ثم تحول ألى الجيش الذي كان يرى فيه أمل الشعب لإي أجراء التغيير الحقيقي والجذري المنشود .
ثم يتناول المؤلف الشخص الثاني في الثوره ( عبد السلام محمد عارف )ويتكلم عن تهوره وعصبيته وضعف مستواه الثقافي وبعد ذلك خطبه الأرتجالية الصاخبة الخالية من أي مضمون فكري في بداية الثوره والبعيده كل البعد عن التعقل والحكمه واللباقه والذكاء وهذا ماكنا نلمسه حقا من عبد السلام عارف ونحن شباب صغار.
وفي الفصل الخامس يتناول المؤلف تحديد ساعة الصفر وحادثة مهاجمة قصر الرحاب ومقتل العائله المالكه وردود الفعل العربيه والدوليه على تلك الثوره العملاقه التي قصمت ظهر الأستعمار ثم البيانات والمرسيم التي صدرت في اليوم الأول للثوره وصدور الدستور المؤقت وقانون الأصلاح الزراعي وغيرها من القوانين والأجراءات الأقتصاديه والأجتماعيه العميقه . وعن مقتل العائله المالكه حيث أكد الزعيم عبد الكريم قاسم في عدة لقاءات أنه لم يصدرأمر قتلها وهذا ما أكده ( النقيب عبد الستار السبع) الذي تصرف تصرفا شخصيا حيث أطلق النارعلى العائلة المالكة وقضى عليها .
أما الفصل السادس فهو من الفصول المهمه حيث يتحدث فيه المؤلف عن الأنشقاق الذي حدث بين قادة الثوره ومحاولة عبد السلام عارف اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ثم تعيينه سفيرا في بون وعودته المفاجئه ومحاولته الثانيه ثم أعقب تلك الأحداث مؤامرة رشيد عالي الكيلاني وانقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف وكيف أن محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السياده كان يتآمر على عبد الكريم قاسم وتتوالى الأحداث وينعقد المؤتمر الأول لنقابة المعلمين ويستقبله عبد الكريم قاسم ويلقي خطبته التي يفتخر فيها أنه كان معلما ثم يتحدث ( يحيى الشيخ عبد الواحد ) باسم نقابة المعلمين وينبه عبد الكريم قاسم بأن الثوره في خطر وأن الشواف يعد العده للغدر بالثوره وقائدها فيجيبه عبد الكريم قاسم ( أننا ندرك الأمور أدراكا جيدا وأن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار وأنتم تهولون الأمور وتضخمونها نحن أقوياء واثقون من أنفسنا ) عند ذاك تأكد أعضاء المؤتمر أن الزعيم يعيش في عالم من الوهم وأن أحداثا خطيره سيشهدها العراق ثم يتحدث المؤلف عن انقلاب الشواف والبيان الذي أصدره وألأحداث الرهيبه التي تلت ذلك ويورد المؤلف قولا لجلال الأوقاتي قائد القوه الجويه آنذاك حيث قال ( أن الزعيم عبد الكريم قاسم سوف يدمر نفسه ويدمر الشعب معه بسياساته الخاطئه )وفعلا حدث ذلك .
وفي الفصل السابع يتطرق المؤلف ألى الأحداث الرهيبه في كركوك ثم انقلاب عبد الكريم قاسم على الشيوعيين والهجوم الذي شنه عليهم.
وفي الفصل الثامن يتطرق المؤلف ألى موجة الأغتيالات التي حدثت في الموصل ويذكر بعض الأسماء التي قامت بتلك الأغتيالات والنتائج التي تمخضت عنها وموقف الحزب الشيوعي منها .
وفي الفصل التاسع يتطرق المؤلف ألى أصدار قانون الأحزاب وتصفية الشيوعيين وعدم أجازة الحزب والمؤامرات التي كانت تحيكها القوى الرجعيه والأقطاعيه بالتعاون مع شركات النفط التي ضربت مصالحهاوالتمهيد لآغتيال الثوره وتصفية قائدها .
وفي الفصل العاشر والأخير أسهب المؤلف في الظروف التي ساعدت على اغتيال الثوره وانغماس الزعيم عبد الكريم قاسم في أخطائه نتيجة ثقته المطلقة بنفسه وتوجهه نحو الحكم الفردى وعدم تمييزه الأعداء الذين كانوا يتربصون به الدوائر خاصة عندما تعرض له مجموعه من البعثيين القتله المجرمين في رأس القريه في شارع الرشيد يوم 7 تشرين الأول عام 1959 وهو في طريقه ألى بيته في العلويه ومعه مرافقه الخاص قاسم الجنابي وكان المجرم عبدالوهاب الغريري والمجرم صدام حسين من جملة الذين تعرضوا له فأصيب بعدة كسور وأجريت له عدة عمليات لاستخراج الرصاصات من جسمه وأعلن قولته المعروفه لدى العراقيين ( عفى الله عما سلف ) التي جلبت المصائب والويلات الكبرى للعراق على أيدي البعثيين الفاشست ويشرح المؤلف في الفصل العاشر كيف حلت الكارثه وحدث الأنقلاب الدموي وأخيرا استسلام عبد الكريم قاسم وأعدامه بتلك الطريقه الوحشيه .
كلمه أخيره أقولها أن هذا الكتاب هو وثيقه مهمه نؤكد وطنية عبد الكريم قاسم ونزاهته وعفته وسعيه الحثيث للنهوض بالعراق نهضه حضاريه كبرى رغم التشويهات والأساءات الكبيره التي حاول البعثيون وأعوانهم من القوى الرجعيه ألصاقهابه لقد كانت حياة عبد الكريم قاسم حافله بالزهد والبساطه والأبتعاد عن بناء القصور واقناء السيوف الذهبيه وركوب العربات المذهبه وحياة البذخ والأسراف التي سار عليها الدكتاتور المقبور وأعوانه لقد استشهد عبد الكريم قاسم وهو لايملك من حطام الدنيا شيئا ألا بدلته العسكريه التي كانت معلقه في أحدى غرف وزارة الدفاع .
وقد كانت الغلطه الكبرى التي وقع بها عبد الكريم قاسم وبالا على الشعب العراقي حيث بدأت حقبه دمويه مظلمه قاربت الأربعين عاما عانى فيها الشعب العراقي الويلات والأهوال وفقد الملايين من أبنائه في تلك الحروب العبثيه المهلكه. ثم أعقب تلك الحروب ذلك الحصار الظالم الذي دام أكثر من عقد من الزمان فقد فيه العراق مليون طفل ودمرت فيه ثلاثة أجيال وتفشت الأمراض والأوبئه بين أبنائه الصابرين المحتسبين وأخيرا وقوع العراق تحت نير الأحتلال الأمريكي البغيض ومنذ ست سنوات يعيش العراق في أحلك فتره من فترات تأريخه حيث دمرت البنيه التحتيه ودخل الأرهاب من أوسع الأبواب ليفتك بالأبرياء والعزل وارتكبت مجازر التي يندى لها جبين الأنسانيه خجلا نتيجة خلافات الساسه والأصطفافات الطائفيه والعنصريه وسفينة العراق اليوم تتقاذفها الأمواج والسياسيون مشغولون بمكاسبهم ومصالحهم الضيقه دون أن يبدو أي ضوء في نهاية النفق وأخذ البعض يلهث وراء الأمريكان لحل مشاكل العراق وهنا تكمن الطامة الكبرى. ترى متى ستدرك هذه القوى السياسيه أنها تسير في الأتجاه الخاطئ وتقود العراق نحوالهاويه؟ وألى متى سيبقى الشعب العراقي وهو يعيش في عمق الفواجع والجراح؟ أقول رغم وطنية الشهيد عبد الكريم قاسم ونزاهته ألا أنه يتحمل جزءا من المسؤوليه لما آل أليه العراق فرب غلطه يقع فيها حاكم تكون لها نتائج على مصير شعب لعشرات بل لمئات من السنين وهذا الذي حدث.

جعفر المهاجر.
السويد في 8/7/2009