الرئيسية » الآداب » ليلة القبض على حمورابي / قصة قصيرة

ليلة القبض على حمورابي / قصة قصيرة

لكي لا يظلم القوي الضعيف

ولكي تراعى عدالة اليتيم والأرمل

كتبت كلماتي (…. ) على مسلتي

وثبتها أمام تمثالي لكي أمنح العدالة للمظلوم

وبإرادة الإله شمش قاضي السماء والارض العظيم

عسى أن تسود عدالتي البلاد . ( حمورابي )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رنَّ جرس الهاتف وكان الوقت يسير متثائباً بخطواتٍ متثاقلةٍ في صحارى ليلٍ داكن .

نهض حمورابي .. إنتزع جلده وعظامه من مسلته العتيقة .

نزل متعثراً وهو ينفض الغبار عن ثوبه البابلي .رفع سماعة الهاتف :

ــ ألو …. من المتحدث ؟

جاءه الجواب بترددات غريبة ٍ :

ــ سكرتير مكتب الإله نركال … !

انه يأمرك بالحضور فوراً .

ــ عجباً … وما علاقتي به ليستدعيني في هذه الساعة من الليل ؟

ــ لقد توقف الزمن عند هذه الساعة وعليك أن تنفذ أمره .

ــ وبمَ أُجيب الإله شمش ؟

قطعت ْ كلامه قهقهة المتحدث وهو يسمعه عبارة ً لا تليق بمقامه ،

وإرتخت سماعة الهاتف من كفه ،

وسرعان ما إضطرب الليل ،

وبدا الفضاء هائجاً برياحٍ عاتيةٍ ونعيب غربانٍ وحشية المخالب .

وخلال ثوانٍ كان صاحب المسلة قد إخترق أسوار العالم السفلي

ومثل صاغراً في حضرة الإله نركال بوجهٍ يلفه حزنٌ دفين ،

وهو يكاد أن يكون في حيرةٍ من أمره .

أسند نركال رأسه على جمجمةٍ إتخذتْ من أعلى مؤخرة كرسيه مستقراً لها .

تنحنح نركال بتعالٍ وهو يُقرِّبُ السيكار من فمه …

رمق حمورابي بنظرةٍ غاب عنها الحياء ُ ،

ونفث الدخان في وجهه .

فإستسلم صاحب الشريعة وهو أخيذٌ أسيرٌ غير قادر ٍ على تحريك شفتيه .

أشار نركال بإيماءةٍ لأحد شياطينه ،

فأذعن لأمره وسلَّم حمورابي كتاباً بغلافٍ أسود ،

وأمره بالعودة الى أرض بابل في الحال .


* * *

عند حافة المسلة المحاطة بأسلاك من ظلامٍ قسري دامس ،

أشعل حمورابي عود ثقابٍ وفتح الكتاب ليقرأ:ـ

( نحن الإله نركال ـ إله العالم السفلي وعالم الظلام …

أمرنا بحجب إله الشمس وشرائعه …

ونشر صورتنا وتعاليمنا في مسلتكم …وقررنا …. ! )

إنطفأ عود الثقاب مختنقاً بين أصابع حمورابي ،

وأخذتْ عيناه تجوبان السماء بدمعتين ساخنتين ، وإنتظر طويلاً ،

وهو يتنفس الهموم حتى مضى الليل ينتزع أنفاسه الأخيرة .

ومع مخاض الضوء أخذت النسائم الندية تحرك أكمام ثوب شمش ،

وحين إنفلق الفجر تماماً ،

كان حمورابي ينتصب أمامه بإجلالٍ وهو يتسلم منه الشرائع .

نظر حمورابي لإمتداد أشجار النخيل الباسقات على ضفتي نهر الفرات ،

وهي تهز سعفها منشرحة ًلإنسياب المياه العذبة في السواقي الممتدة بكل إتجاه ،

فلمعت في عينيه فرحة ٌ أضحت تعانق خيوط الشمس المتدفقة بعنفوانٍ صوب بابل ،

مطهرةً أرضها من الأوراق السوداء لكتاب ( نركال ) الّذي ظلَّ هاجعاً

في عالمه السفلي يحلم بإغتيال الشمس ،

وعودة الأزمنة الحالكة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيدر الحيدر ـــــــ بغداد 20 / 11 / 2004

من مجموعتي القصصية ( أصداء تدوي في فضاءات أحلامي )