الرئيسية » مقالات » أنظمة في مزاد الساحة السياسية العراقية

أنظمة في مزاد الساحة السياسية العراقية

لقد عبر العراق شوطاً بدائياً مهماً خلال الأعوام الستة الماضية وكان ثمنه باهظاً، من أرواح زهقت برئيه وهجرة داخلية وخارجية، وسرقات تحصى بمليارات الدولارات.

ولكن القوى السياسية النافذة لم تصل لمفهوم سياسي يرضي جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية فضلاً أن القوى التي لم تشارك لسبب وآخر ليس لديها رأي مسموع. والمرجح أن تطبيق التوافقية يستمر لفترة أخرى يراها البعض ضرورة مرحلية ولهم حجج مقبولة وأخرى في مستوى أقل من القبول.

لو تحدثنا عن الديمقراطية فأنه يلغي التوافقية، ولكن لا يرفض التحالف التوافقي، ولو تحدثنا عن نظام برلماني من خلال عملية ديمقراطية فأنه يلغي التوافقية أيضا بحكم أن النظام البرلماني المراد منه تعدد الجبهات مشكلين للحكومة وقوى معارضة وأخرى بين هذا وذاك. ولو تحدثنا عن نظام رئاسي يعتمد على البرلمان والدستور فهذا النظام لا يلاءم ولا يناسب العراق في حالته الانتقالية من حكم دكتاتوري لحكم ديمقراطي رئاسي. وأهم الأسباب أن الشعب العراقي لم يتسنى له معرفة جميع القيادات بصورة تؤهله للتصويت على شخص معين تسلمه زمام أمور جميع مفاصل العراق…والأهم أن الشعب العراقي لم ينعم بحقوقه كاملةً، وليس له البيئة التي تجعله يختار بكل حرية وإرادة ذاتية دون أي مؤثرات خارجية كانت أم داخلية مادية أو تخويف …

فالشعب العراقي مازال يعيش الإرهاب بكل أنواعه…فلم تتوفر له الخدمات، ولا يحصل على جزء بسيط من حقوقه وبذلك يعيش أجواء مضطربة لا تدعهُ يقرر بنفسية مطمئنة. لذلك أرى الوقت غير مناسب لنظام رئاسي برلماني…مع أن مثل هذا النظام له ضوابط دستورية وبرلمانية ويسهل عملية البناء بفضل الصلاحيات الكبيرة لرجل له موقع في نفوس العراقيين وصاحب نظرة وطنية متكاملة غير مرتبط لا من قريب ولا من بعيد بأي طرف خارجي، ولكن أتصور الحديث والترويج لمثل هذا النظام سابق لأوانه…على الأقل في الأعوام العشرة القادمة.

النظام الأقرب للواقع العراقي الذي لم تلتقي قياداته السياسية لحد الآن على شكل وصورة لمبدأ إدارة الدولة العراقية من خلال نظرة وطنية شاملة. وهو النظام البرلماني، ولكن دون التركيز على التوافقية بالمعنى الذي يدل على (المحاصصة).

أما النظام التوافقي الذي جرت عليه العادة في عراق اليوم فهو خطر كبير وحجر عثرة في طريق البناء وتطوير الخدمات. ولكن قبل الحديث عن النظام الأمثل في المرحلة المقبلة أي بعد (الانتخابات البرلمانية القادمة) أود الإشارة لمخاطر التأكيد على نظام الديمقراطية المعتمدة على الأكثرية والأقلية، وهذه المخاطر ليست صنيعة النظام نفسه وما هو متعارف عليه والتعامل من خلاله في دول متطورة كثيرة قد عانت وكافحت لمئات من السنين لكي تصل لهذا المستوى…

فمن غير المنطقي أن تكون للعراق طفرة نوعية للعراق وهو مازال يعاني من تراكمات ماضي مقيت…ومازالت فكرة التطرف يستحوذ على عقول ومشاعر الكثيرين قيادة أو قاعدة…مع أن القيادات بدأت تتخطى فكرة التطرف لتنتقل لرؤية وطنية لكنها مقيدة بتاريخ مؤلم، وتخوف من مستقبل غير معروف ولا مؤكد…وهذه وتلك الأسباب تعود إلى أن الإرادة العراقية مازالت غير وطنية لحدٍ كبير، ومازال العراق لم يحقق سيادته الكاملة ولم تبدأ الخطوات الأساسية لتحقيق السيادة، ولم يتعرف الإنسان العراقي أن رؤية قياداته ونظرتهم للسيادة بأن يكون العراق مستقل بشكل كامل وبعيد عن الدعم الأمريكي، أم أن التصريحات للاستهلاك الداخلي. ولم يتعرف الشعب العراقي متى تتخلص القوى السياسية من التحالفات الخارجية، ولم يتعرف الشعب العراقي هل أن العراق سيعود للأمة العربية أم يتعامل مع جميع دول الجوار على أساس ومنطلق واحد…وكم هي المصلحة الوطنية لها من موقع قياساً بالمصالح الذاتية والحزبية والخارجية…

ومتى يصل العراق قيادةً وشعباً لوعي أن الشعب العراقي متكون من مجموعة مجتمعات لها خصوصياتها وتاريخها وأعرافها وتقاليدها…فبذلك لا يمكن وضع صفة معينة تثير مخاوف أطراف، ولا يمكن وضع نظام سياسي يقيد أطراف ويقلل من شأنهم أو ينتقص من حقوقهم.

فالأمر ليس بالسهولة التي يتمناها بعض القيادات ويروج لها، ولا الأمر بالمستحيل بحيث لا يخطط له. فالتخبط واضح لدى القيادات المندفعة لتحويل العراق لبلد شبه مثالي ديمقراطياً والشعب يفتقد لأبسط مستلزمات الحياة …أو أنه يعيش مجبر في وضع يرثى له… فكيف له

أن يقرر قرار لا يمكن للمختصين أن يضعوا حلولاً سريعة أكيدة تعطي نتائج مرجوة وليس نتائج عكسية.

معوقات النظام المعتمد على الأكثرية

بدايةً هذا النظام هو المفضل لدى الكثيرين ولي، ولكن ليس في العراق على الأقل في الوقت الحاضر، ولي تجربة أكثر من خمسة وعشرون عاماً للتعامل والتعايش مع هذا النظام في المملكة السويدية. وتاريخ السويد يبين أن كفاح هذا الشعب لم يكن بالقصير فهو ممتد إلى 500 عام على الأقل، ولا يمكن قياس مستوى الشعب السويدي للسياسة ومعناه وللمسؤولية وللحياة ولا يمكن وضع أي أوجه تقارب أو قياس جزء من أركان المجتمع السويدي مع المجتمع العراقي. فهذا حديث طويل وبحاجة لعدد من المقالات للبحث فيه. ولكن لكي يتعرف القارئ العزيز أن ما أود بيانه ناتج عن قراءة لواقع غير الواقع العراقي، ولمراقبة قريبة وبعيدة عن الواقع العراقي الذي لم يغيب عن فهمي وإدراكي وتعايشي مع الوضع بكل تفاصيله السياسية والاجتماعية منذ التاسع من نيسان 2003 ولحد الآن.

وبعد هذه المقدمة السريعة أضع النقاط التالية التي أرها من وجهة نظري تعد من مخاطر وليس مساوئ النظام الديمقراطي الذي يعتمد على الأكثرية البرلمانية لتشكيل الحكومة والمراكز الرئاسية في الدولة العراقية. وهذه تعد العقبات أمام قبول هذا النظام.

– بما أن العراق متكون من مجتمعات متنوعة فلا يمكن تحويل الو لاءات المجتمعية لولاء وطني نزيه.

– القوميات المتعدد والأديان والمذاهب تشكل مجموعة طاقات وقوى متباعدة وليس بالسهولة ربطها بمفهوم الوطن والوطنية والشكوك قائمة ومفهوم الوطنية غائم.

– المذهب الشيعي الذي يعد الأكثرية لا يمكن قبوله تولي جميع مفاصل الدولة العراقية لمخاوف دولية، وتاريخية. وأي تحالف وطني بأكثرية شيعية سينظر لها بشك (سيطرتها من خلال النظام الديمقراطي – الأكثرية تحكم).

– لم تتشكل لحد الآن حزب وطني مقبول ومشارك في الأغلبية.

– العراق مكون من قوميتان رئيسيتان هم العرب والكرد، وللكرد قضية قومية مصيرية تعثر عليهم تحالف وطني على مستوى العراق…إلا إذا كان الطرف المتحالف معه أيد القضايا المصيرية للقومية الكردية.

– أي تحالف كبير وواسع سوف يحدد من مساهمة أطراف وجودهم كمشاركين له أهمية كبيرة.

لو أننا فرضنا أن تحالف الحزبين الكرديين وقوى وطنية أتحدت لتشكل قائمة وطنية لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة…أين سيكون موقع الائتلاف (الشيعي) الذي يريد خوض الانتخابات بقائمة وطنية…وأن هذه الفرضية تؤكد الأكثرية للطرف الأول وليس للثاني وأهم الأسباب الداعمة لهذا الفرض أن أغلب القوى العلمانية والليبرالية لا تتفق مع الأحزاب الإسلامية وخصوصاً (الشيعة). وهنا أتصور بأن الأحزاب الشيعية التي تريد تحالفات واسعة ووطنية سوف لا تحصل على الأغلبية البرلمانية لكي تشكل الحكومة.

أن المشهد السياسي العراقي الحالي لا يوحي لمثل هذا التطور النوعي الديمقراطي، ومن جانب آخر القيادات التي تتصور أنها قد تمتلك أغلب الأصوات في الانتخابات القادمة لا تعرف أي نظام تروج لها…فالذي بدا واضح من خلال التصريحات أن هناك تحبط وخلط بين المفاهيم، ولكوني مواطن متطلع إنا أردت التصويت على أساس مثل هذه التصريحات فلا أعطي صوتي للطرف الذي لم يظهر وضوحاً ونضوجاً سياسياً. أما الذي ينتظر أن الشعب يعطي أصواته على أساس ما قدم خلال الفترة، فليس هناك ما يمكن لأي جهة سياسية تشير بأنها صاحبة الفضل في الإنجازات…لكون العراق قادهُ نظام توافقي والجميع شاركوا في الإنجازات وفي خلق المشاكل وتفاقمها.

المعروف لدى الجميع أن الحكومة الحالية وجميع الرئاسات شكلت على أساس توافقي ولولا الدعم السياسي من جميع الأطراف لما تحقق هذا اليسير مما يسميه البعض إنجازات. المواطن البسيط بالنسبة له هناك أمور واضحة ملموسة يضعها في سلة الإنجازات…مثلا:

الكهرباء، الماء، الأكل والسكن…المستوى المعيشي الذي أرتفع للذين هم ضمن مؤسسات الدولة وتدنى للسواد الأعظم الذي لا دخل له سوى البطاقة التموينية ومفرداتها معلومة وسوء محتوياتها واضحة. الشعب العراقي مستاء من سوء الخدمات إجمالاً فلأي جهة يعطي أصواته…وعلى أي أساس…هذا لم يدرس بصورة سليمة من قبل الأحزاب، وإن كانت انتخابات مجالس المحافظات قياس…فهذا أسوء قياس ولا قيمة له في الانتخابات البرلمانية.

أشعر أن جميع الأحزاب في وضع متدهور إزاء معرفة مشاعر الناخبين، ولذلك الأمر الوحيد الذي ينقذهم هو تحالف كبير وواسع بحيث تتوزع جميع الأحزاب إلى ثلاث تحالفات كبيرة لذلك يضمنون أصوات مؤيديهم وبالطبع المنتمين…والتحالف المنتظر الذي قد يكون في موقع توازن القوى البرلمانية هي مجموعة الأحزاب الصغيرة التي تبحث عن مقعد واحد برلماني.

الانتخابات البرلمانية القادمة ستبقى على نظام التوافق ولا مفر من هذا النظام ولا يتغير إلا بتغير رؤية القيادات السياسية المسيطرة نحو بعضهم البعض على أساس المشاركة في بناء الدولة وليس التنافس من أجل السلطة.

المخلص

عباس النوري

2009-07-08