الرئيسية » دراسات » الكورد وثورة العشرين (ثورة العراقيين الكبرى)

الكورد وثورة العشرين (ثورة العراقيين الكبرى)

لم يكن الكورد بمنأى عن الاحداث والتطورات المصيرية التي مرت بالعراق . اذ كانت لهم مواقف وطنية ايجابية من ثورات الشعب العراقي لا يمانهم الراسخ العميق بكونهم المكون الرئيس الثاني الذي يتألف منه المجتمع العراقي فهم يؤلفون مع العرب النسيج الاجتماعي الجوهري والاساسي في العراق لهم نفس الرؤى والتطلعات والتاريخ والنضال المشترك ضد القوات الغازية عبر القرون. وقد تمازجت دماؤهم بالمصاهرات المتعددة فاندمجت عشائرهم الاصيلة مع العشائر العربية الى درجة صنف الكثيرون من خبراء الانساب بعض العشائر الكوردية الى بطون العشائر العربية وبالعكس لكثرة تآلفهم وتواددهم ومجاورتهم لبعضهم تربطهم العلاقات الصميمية الحميمة وهم في ذلك لم يختلفوا مع عرب العراق لأنهما كان وجهين لعملة واحدة هي الوطن العراقي . لقد كان الاستعمار البريطاني عدواً مشتركاً لكل العرب والكورد.
الأمر الذي زاد من تقارب هاتين القوميتين مع بعضهما في نضالهما المعادي للاستعمار بالرغم من العقبات التي وضعها المستعمرون للتفرقة بينهما وإشعال النار الفتنة العنصرية والطائفية بينهما للحيلولة دون تلاحمهما لأضعافهما ولسهولة السيطرة عليهما .
فكانت ثورة العشرين اول ثورة شعبية يلتحم فيها الثوار الكورد في الشمال بالثوار العرب في الوسط والجنوب ضد المحتل الانجليزي بسبب تدهور الحالة الاقتصادية وبطش المستعمر وانتهاك التقاليد يضاف الى ذلك انه عندما وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها تعرضت بريطانيا لازمة مالية بسبب اشتراكها المكثف في تلك الحروب وظهر تذمر شعبي في بريطانيا وطالبت الجماهير الانجليزية بانسحاب القوات البريطانية من العراق الا ان بريطانيا جابهت تلك الازمة بمضاعفة الضرائب على الفلاحين والعمال عرباً وكورداً كما اهملت الزراعة والحرف الصغيرة والتجارة المحلية الناشئة في العراق باسم حرية التجارة لتفسح المجال للمنتجات البريطانية وخاصة النسيج ولاسباب اخرى وفي مقدمتها نمو الروح الثورية في اعقاب ثورة 1919 في مصر وثورة ايرلندا وثورة روسيا واعلان الرئيس الامريكي ويلسن مبادئه الاربعة عشر حول حق تقرير المصير .
بدأت الشرارة الاولى للثورة في كوردستان عندما ثارت عشيرة كويان القربية من مدينة زاخو في شباط عام 1919 وقد ساندتها عشيرة بارزان كما ثارت عشيرة السورجي في منطقة عقرة ولقد دفعت السلطات البريطانية بالالوية الاثورية لقمعها . وانضم السكان الكورد في الجزء الجنوبي من كوردستان الجنوبية الى الثوار العرب كما ثارت في منتصف شهر اب العشائر في أزل رايان (السعدية) وخانقين وكفري وتعرضت ابار البترول التابعة لشركة النفط الانجلو – فارسية في نفط خانة للهجوم وانتقلت الحركة الى اقصى المناطق الجنوبية التي يسكنها الكورد (مقاطعة مندلي) وانتشرت الاضطربات في السليمانية وحملت عشائر او راما وسانجا ودلو السلاح.
ولقد ترقب الانجليز ثورة شاملة من جانب الكورد . فألتحم الثوار الكورد مع العرب السنة والشيعة والمسيحيين في كل انحاء العراق لمقاومة القوات البريطانية الغازية وبأسلحة تقليدية بسيطة هي البنادق الخفيفة و(المكوار) والفالة وغيرها فاستخدمت بريطانيا كل قواتها وترسانها الحربية الحديثة لإخماد هذه الثورة الشعبية التي قادها شيوخ عشائر العربية والكوردية وبمساندة من جميع ابناء شعبنا العراقي بمختلف اثنياته وطوائفه مما دفع الخبراء في شؤون الشرق الاوسط الى تسمية هذه الثورة بـ (الثورة العربية – الكوردية) بقيادة الشيخين المجاهدين الشيخ محمود الحفيد والشيخ احمد البارزاني الشقيق الاكبر لزعيم الكورد الخالد مصطفى البارزاني وتجدر الاشارة الى ان القوة الكوردية اضعفت كثيراً من سطوة القوات البريطانية فعشائر الكويان وعشائر البارزان تمكنوا من قتل الكابتن بيرسون في نيسان عام 1919 كما قتلوا النقيب (بيل) والنقيب (سكوت) في منطقة عقرة وفي كفري سيطرت عشيرة الدلو بقيادة رئيسهم ابراهيم خان المساندة للشيخ محمود وتمكنت من قتل حاكمها السياسي وانزال العلم البريطاني وحرقه ولقد حاول الانجليز بذل اقصى الجهود لابقاء كوردستان بعيدة عن احداث وتطورات ثورة العشرين التي اشتعل لهيبها وقتئذ في منطقة الفرات الاوسط الا ان الكورد وايمانهم المبدئي بوحدة وتربة الوطن ساندوا العرب بهذه الثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) وبعد ان حيل بين ثورة العشرين وتحقيق اهدافها الوطنية الكبرى في الحرية والاستقلال زجت السلطات البريطانية باعداد كبيرة من زعماء الثورة ومؤيديها في غياعب السجون ونفت اعداداً اخرى الى مناطق نائية ومنها جزيرة هنجام واغلبهم من الشيوخ والوجهاء وعلماء دين منهم جعفر ابو التمن وحمدي الباجة جي وعبد الرسول كبة وامين الجرخجي ومحمد مهدي البصير والشيخ حبيب الخيزران وسامي خوندة واخرون غيرهم والحاج رشيد مصطفى اغاميران من وجهاء السليمانية والحاج غالب معروف العلامة المشهور في خانقين وشقيقه عبد المجيد الذي كان مدير تحرير جريدة الحقيقة انذاك وغيرهم وقد نشرت جريدة الاستقلال في عددها 23 الصادر في 17 كانون الاول عام 1920 تحت عنوان (المنفيون السياسيون) اسماء كافة المنفيين وطالبت المندوب السامي البريطاني بالاعفاء عنهم وارجاعهم الى اوطانهم ونتيجة للمطالبة المستمرة من الشعب العراقي والصحف اضطرت الحكومة البرطانية امام هذا الضغط المتواصل ان تذعن لرغبات الشعب فتعلن عودة الكوكبة الاولى من المنفيين في هنجام فنشرت جريدة الاستقلال هذا الخبر تزفه بشرى الى الشعب العراقي بعددها 46 الصادر في شباط 1921 وعلى صفحتها الاولى بالخط العريض تحت عنوان (نهنىء الأمة العراقية بقدوم بعض منفيينا الكرام ونطلب ارجاع جميع المنفيين بلا استثناء) ونشرت اسماء القادمين الى بغداد في نفس الصفحة تحت عنوان (القدوم المبارك) . (على الطائر الميمون يا خير قادم واهلاً وسهلاً با لعلى والمكارم ) واستقبلتهم الجماهير الغفيرة في الشارع الجديد شارع الرشيد بالاهازيج والهتافات وشيعوهم حتى وصلوا الى منازلهم امنين ومطمئنين . .
taakhi