الرئيسية » مقالات » رؤية نقدية لسيرة أهل الحل والعقد ؛ الشورى ؛

رؤية نقدية لسيرة أهل الحل والعقد ؛ الشورى ؛

“الشورى” هي مصدر للفعل “شاور”، وتفسيرها (الاجتماع على أمر)، وقد مثلت بصور عديدة في العهد الإسلامي الأول أي حكم الراشدين، وانتهت كما يقول الحسن البصري بأن (أفسد أمر هذه ألأمة اثنان ” عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، والمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد). وقد اختزلت كلمة الشورى المبدأ الديمقراطي في الاختيار الشعبي للحاكم والسلطة التشريعية بالحاكم الفرد الذي يكون بيده اختيار (أهل الحل والعقد) بموجب الآية القرآنية (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولوا الأمر منكم). فلم يخرج الفكر الديني، ولا دستوره القرآن الكريم بشكل معين للدولة الإسلامية، لأن التجربة الإسلامية الأولى في المدينة على عهد النبي والخلفاء الراشدين لم تتعدى سلطة قبلية بدائية لم تأخذ شكل الدولة قطعيا، وجاءت (إلزامية الشورى) عند ولاية أبو بكر الصديق في مجتمع قبلي عائلي تحكمه قريش، ولم يجري استفتاء جمهرة المسلمين، ولا صحابة الرسول الكريم، وما يجرى يدخل في باب تحصيل حاصل لمن سموا بـ (أهل الحل والعقد) الذين بايعوا ملزمين لا مخيرين. واختزلت(البيعة) بعد حكم الراشدين في سنة 41 للهجرة عند تولي معاوية بن أبي سفيان ليكون هناك (طاعة) وفق تفسير كيفي ل (أولي الأمر)، فجاء النظام (الوراثي الجبري) باسم (البيعة) و (الإجماع)، وبذلك الغي مفهوم (التعددية)، وتم تغييب كامل للمعارضة تحت وطأة سيف مقولات مثل (الردة) و (الزندقة). وجرى إشاعة مفهوم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بديلا للقوانين والدساتير، لمؤازرة حكم الفرد المطلق.
فــ (الخليفة) أي كانت تسميته أصبح يستمد كل سلطاته من (أهل الحل والعقد)، وهم بمجموعهم فئة قليلة تقف خلف السلطان وتأتمر بأمره، كونها مختارة ومعينة من قبله، وهو يستند في بسط سلطاته كلية على النص القرآني (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ” سورة البقرة “)، بينما يضع جدارا واقيا لسلطته المطلقة وفق الآية القرآنية (وأمرهم شورى بينهم ” الشورى الآية 38 “) و (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل ” آل عمران الآية 159). لأن فكرة الشورى كما يفسرها صاحب كتاب الحاكمية (تؤمن بان الولاية قد أعطيت بالأصل للمسلمين على أنفسهم، وان لهم الحق بمنحها إلى أي فرد من أبناء الإسلام ضمن شروط وضوابط يتفق عليها). لكن هذه الولاية محكومة أصلا بنص قرآني يقول (وما كان لمؤمن أو مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ” الأحزاب 36 “) لذا فلن تكون للشورى هنا أية قوة، لأنها تكون في نطاق (المشاورة الاختصاصية)، وفي المجالات الفنية فقط. لذا فمبدأ الشورى ينطلق أساسا ليؤطر شكلا تسلطيا للسلطة التي لا تعترف بآراء الأغلبية البسيطة أو الأغلبية التمثيلية، لأن الفقه الإسلامي لا يعترف بكثرة العدد كميزان للحق أو الباطل استنادا لقوله في سورة الزخرف (لقد جئناكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون ” الآية 78 “). أي بمعنى ليس هناك مجال في دولة الشورى وحكم أهل الحل والعقد للمعارضة، ف(وحدة الجماعة) تلزم الجميع بطاعة ولي الأمر وهو الحاكم، فطاعة الحاكم تتقدم في الأولوية على حق الأمة في المحاسبة والاعتراض. كذلك ليس هناك نص واضح وصريح لمحاسبة الحاكم، أو الخروج عليه. والخروج على الحاكم معناه الاصطفاف مع أهل (البغي) ومحركي (الفتن)، فالنصوص المتوارثه تقول كما يقول إبراهيم الباجوري الشافعي المتوفي في 1277 هجرية (فتجب طاعة الإمام ولو جائرا) بينما يقول أبو بكر الباقلاني في التمهيد (قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الابشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله)، فمن يتجرأ ويعظ طاغية مثل الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لم يبال بقتل تابعي كـ (سعيد بن جبير) سنة 95 هجرية، ويفصل رأسه عن جسده بحد السيف كخلفه في الوقت الراهن حجاج العصر الزرقاوي، الذي اثبت انه خير خلف لأسوا سلف؟، ويخفي نفسه بعيدا عنه إمام البصرة وشيخ النساك، وحبر الأمة في زمانه الحسن البصري، لكي يتقي ظلمه.
وقد رسخت ظاهرة الطاعة العمياء للسلطان ومقولة أهل الحل والعقد في العام الهجري 41 عندما وضع الأمويون خطابا سياسيا القصد منه سوق المسلمين لطاعة السلطان بحد السيف (لتوحيد الجماعة) والذي سمي بـ (عام الجماعة). وقد لخص صاحب العقد الفريد ابن عبد ربه الاندلسي نظام أهل الحل والعقد والطاعة العمياء للحاكم ناقلا عمن قالوا (إذا زادك السلطان إكراما، فزده إعظاما، وإذا جعلك عبدا فاجعله ربا). ولأجل هذا التطرف في الظلم نشبت ثورات عدة، وخرجت فرق ومذاهب، وشكل فكر الخوارج في تأمير حتى العبد المملوك ثورة في الفكر الإسلامي الذي كان يردد دعاة سلاطينه (الخلفاء من قريش)، بينما وقف المعتزلة عند حد النظرية في مقاومة الجور، لان شرط الخروج لديهم في (القدرة والتمكن). وظهر برم وعاظ السلاطين من مواقف الفقهاء المقاومين للجور بقول الإمام الاوزاعي المولود في بعلبك بلبنان 88 هجري، والمتوفي في العام 157 هجري (احتملنا أبا حنيفة حتى جاءنا بالسيف، يعني قتال الظلمة، فلم نحتمله) وكان من قول أبي حنيفة : (وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فان لم يأتمر له فبالسيف على ماروي النبي). لذلك حصل تباين في آراء الفقهاء بين أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم أبو حنيفة النعمان، وبين أهل (الإثبات) الذين يقف على رأسهم أبو بكر الباقلاني. كذلك لم يطرق سمعنا أن أهل الحل والعقد قد خلعوا خليفة أو حاكم جائر، وبقي موقفهم استشاريا بحتا، لا يخرج بتاتا عن أوامر ونواهي الخلفاء والسلاطين.
لذا فمن المؤكد أن يكون رأي احد خلفاء السلف كالزرقاوي عند حديثه عن الانتخابات العراقية الأخيرة بان (الديمقراطية نظام كفر)، مخالفا مجموع الشعب العراقي الذي قال لا للقتلة والمجرمين، وبصم بنعم كبيرة للخيار الديمقراطي، وذهبت تعاليم أهل السلف هباء في ركلة جزاء صوبها الشعب بقدمية بوجه القتلة من مجرمي القرن الحادي والعشرين.
والناظر إلى طول تاريخ الشورى يجد إن لا حق للشعب في التشريع، وان الحاكم يعين عن طريق البيعة التي تقتصر في معظم الأحيان على الفقهاء والأعيان مهملين كلية باقي فئات الشعب. لذلك لا زالت مقولة ابن تيمية في موالاة الحاكم الظالم ترن في الآذان فهو القائل (إن ستين سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان).
فهل أدل من هذا القول الناشز على موالاة أهل الحل والعقد للحكام الظلمة من دليل ؟!.

* كاتب عراقي / فيينا
www.alsaymar.org
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه