الرئيسية » مقالات » ما بعد سقوط السرديات الكبرى

ما بعد سقوط السرديات الكبرى

بعد أن سقطت صورة الديكتاتور الكاريزمية المثقلة بالشعارات و بعد أن انهارت تلك الهالة من حولها التي اتضح أنها جوفاء , و دون الحاجة إلى كبير عناء حصلت النخبة على , أو اكتشفت , بديلها , الرجل العادي أو ما تحت العادي , الذي أمكن أن يتحول إلى أسطورة فقط لهذا السبب , في الواقع عندما كانت صورة عبد الناصر في أوج صعودها لم يكن من الممكن لأي “زعيم” عربي آخر أن يشكل تهديدا جديا له , فئة محدودة مسيسة امتلكت ما يكفي من القدرة للبقاء خارج تأثير أيقونة الزعيم , غالبا لأسباب إيديولوجية للأسف , يومها التحق أغلب اليسار بعبد الناصر و اخترعت تبريرات فكرية فصلت على مقاس عبد الناصر لتبرير هذا الالتحاق السياسوي أما الإخوان فكانت علاقتهم بالنظام و رأسه قد اتجهت نحو صدام مستمر عنيف استعرض فيه النظام كل قدراته القمعية , كان سقوط الديكتاتور نتيجة الواقع الموضوعي نتيجة أزماتها غير القابلة للحل لا نتيجة تحليل النخبة النقدي للسلطة , ليس فقط كرها بصورة الزعيم السابقة بل لأن الصورة البديلة لا تقدم الكثير من الخيارات , فبطل هذه الأيام هو ذلك الرجل المتواضع ( كيلا نقول الوضيع ) العادي جدا ( ليس من حيث موقعه الاجتماعي بل مؤهلاته الشخصية ) , الذي يفتقد إلى أية كاريزما شخصية و حتى أحيانا إلى شكل مقبول في عصر سيطرة الصورة على الوعي , لذلك يعاد إنتاج هذا البطل ( بعد ولادته الأولى في رأس مؤسسات السلطة , المكان الحصري لإنتاج الزعماء ) في مختبرات وسائل الإعلام الجماهيري السلطوية و في المخيال الخاص بالنخبة سواء المنضوية في مؤسسات إنتاج سياسية و فكرية رسمية تابعة للسلطة تصر على الزعم بحيادها الإيديولوجي و السياسي و الفكري على اعتبار أن مدائحها لبطلها الجديد نابعة من رؤية واقعية و لذلك يحتل الزعيم المهزوم أو المأزوم الخصم هنا المركز في مجمل مقاربتها لبطلها الجديد معتبرة أن المقارنة مع صورة البطل المهزوم لصالحه دون نقاش , تتحول القضية هنا إلى المقارنة بين قبيحين , لكن كون شيئا ما أقل قبحا من شيء آخر لا يجعله مغريا بالضرورة , تنتقد الخطابة التي لا يتقنها بطلنا , و في بعض الأحيان لا يتقن حتى الكلام العادي , كجزء من خطاب ديماغوجي مخصص لتضليل الجماهير , هذه المحاولة لتحويل الفشل اللغوي و القصور في ملكة المحادثة بين البشر إلى ميزة تستبعد النقاش المتزن المنطقي كبديل عن الخطابة الديماغوجية , لأن النقاش المتزن المنطقي , بمعنى النقاش مع بشر آخرين غير تابعين , لم يكن أبدا من متطلبات الزعيم , ما دام هناك من هو مستعد لإغداق المدائح على الزعيم و اكتشاف مزايا ( خيالية على الأغلب ) فيه , تضطر النخبة التي تعمل لدى أنظمة الرجل العادي إلى أن تكتب عنه بقصد أن تجعل الناس يرونه من خلال مكبرة ( إن لم يكن مجهرا ) , و كما هي الحالة مع عبد الناصر و الأسد و صدام تلجأ إلى المبالغة و المزيد من المبالغة للتعويض عن هذا النقص , و ينطبق نفس الشيء على السياسة بالمفهوم الجديد السائد حيث يجري إحلال اللا موقف مكان المواقف السياسية السابقة على أنه سياسة جديدة “حقيقية” و “جدية” و حتى “فعالة” ( طبعا على المدى البعيد ) , يريد هذا اللا موقف أن ينأى بنفسه عن تثبيت الهزيمة التاريخية و الحضارية و العسكرية لأنظمة الاستبداد القومية , رغم أنه لا يفعل إلا هذا فقط , و تصبح كل أعلام الأنظمة , دون استثناء , ملونة أساسا باللون الأبيض كرمز سياسي و فكري و حضاري يترك للنخبة وظيفة شرح فضائله و ضروراته , و لا ضير في ذلك ما دام التثاقف و حوار الحضارات و الأديان يعني أن النخبة و أسيادها قادرون على شراء آخر المنتجات الاستهلاكية التي ينتجها الغرب المسيطر بسرعة لا تقل عن أكبر مليارديرات هذا العالم المتقدم نفسه , تتحول النهضة ( بعد أن كانت أيقونة الستينيات و الخمسينيات و انتهت من السد العالي و شعار بترول العرب للعرب إلى سجون أبو غريب و تدمر و أبو زعبل ) إلى تعيين شعوب بأكملها كخدم مطيعين لسفراء الدول المتقدمة ( دول المركز الرأسمالي ) كآخر تفسير للحداثة أو النهضة , ليس غريبا أنه ذات يوم عندما استيقظ سعد الله ونوس من وهم طويل أن وصف زمانه بالفيل يا ملك الزمان , أما نجيب سرور فقد استكثر الفيل على ملوك زماننا فاعتبر الفأر و ليس الفيل هو ملك هذا الزمان , زمان يستأسد فيه الفأر على الفيل………