الرئيسية » دراسات » هيرودوت ودهوك ،مؤرخ لامع ومدينة عريقة

هيرودوت ودهوك ،مؤرخ لامع ومدينة عريقة

من دراسات الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا

عندما أبصر هيرودوت النور في أحد الايام الخريفية في مدينة هاليكارناس أو هاليكارناسوس، الواقعة في بلاد الكاريين[ مدينة بودروم الحالية في تركيا] من العام 484 ق.م كان قد مضى على استيلاء الفرس وضمهم لإمبراطورية ميديا الكردية 66 عاما تماما.فالشخصية التاريخية الموهوبة ذات الكاريزما والقائد السياسي والعسكري كورش-**-Guhresh الذي ولد لأم ميدية وهي ماندانه ابنة آخر ملوك الميديين أستياك وأب فارسي اسمه قمبيز، حول القبائل الفارسية الثلاثة من أنشان وبازاركاداي وعلى حساب أجدادنا الميديين إلى بناة أول امبراطورية عظمى في التاريخ القديم، دولة مرهوبة الجانب شملت أجزاء واسعة من أسيا،أفريقيا وأوربا. نافست الامبراطورية الفارسية التي كانت في السنوات الأولى أيضا تسمى بالميدية [ بهدف عدم انكشاف عملية الخداع والغدر التي قام بها الفرس ضد الميديين] ونافست الأغريق وفيما بعد الرومان لسنوات طويلة.زار هيرودوت الذي سمي من قبل الكاتب والحقوقي الشهير تسيتسيرون بأبا التاريخ ،العديد من المدن والبلدان بما فيها: بابل،سوسا عاصمة العيلاميين،صور، سينوب،بيزنطة، غزة،مصر واهراماتها،قبرص وغيرها.وبحوزتنا قائمة البلدان والمدن التي زارها هيرودوت ولكن مدينة دهوك الكردية في جنوب كردستان ليست مذكورة،بيد انه هناك علاقة وثيقة بين المؤرخ الأغريقي الشهير واسم مدينة دهوك ذات الماضي التليد،سيما اذا أخذنا بالحسبان أن هيرودوت تناول بشيئ من التفصيل في كتابه الأول سيرة مؤسس الإمبراطورية الميدية دياكو أو ديهاكو الذي أطلق اسمه فيما بعد على هذه المدينة الميدية العريقة. كتب هيرودوت عبارة بليغة جدا،مازالت خافية عن السواد الأعظم من أحفاد الميديين وأقصد بذلك المقطع الذي يتطرق فيه المؤرخ إلى خيانة هرباك،داتيس[ شارك في معركة ماراثون الشهيرة في العام 490 بقيادة دارا الأول ] ،مازاريس والقادة الميديين الآخرين وغدرهم بملكهم استياك من جراء تحالفهم مع الفرس، حيث يقول:” كان الميديين أسيادا للعبيد ولكنهم حولوا الفرس،عبيدهم السابقين إلى أسياد لهم”***
ومن الجدير بالذكر أن مجموعة الخونة الذين خدموا الفرس ارضاء لمطامعهم الشخصية وشهوة السلطة،طواهم النسيان بسرعة مذهلة حقا ولم يتم تقديرهم من قبل الفرس أبدا على الرغم من أن أولادهم أيضا شاركوا في حملات أبناء دارا الأول مثل كسيركسيس الأول والثاني ضد اليونانيين،لأن خونة الشعوب لايحظون بالإحترام من قبل أسيادهم،بل يتم ازدرائهم واحتقارهم عندما تنتفي الحاجة اليهم.فبعد أن استتب الأمر للفرس وتقوية نفوذهم في الجيش والإدارة والإستخبارات كشروا عن أنيابهم و نياتهم العدوانية والغوا مبدأ توزيع المناصب والسلطة مع الميديين واحتكروا كل شيء للفرس.وقد كتب المؤرخ الروسي الشهير داندامايف عن هذه الحقيقة التاريخية مايلي:” بعد عام 521 ق.م لم يعد هناك مجال الحديث حول مسألة تقاسم المناصب والسلطة بين الميديين والفرس”****
وجدير بالذكر أن أحفاد الميديين مازالوا يدفعون ضريبة تلك الخيانة العظمى التي أثرت بشكل كارثي على مصيرهم،قلما نجد لها مثيلا في التاريخ.فلم تقتصر محاولات المستعمرين على رمي الكرد إلى ماوراء خارج الكرة الأرضية واخراجهم من المسيرة التاريخية للبشرية،بل جرى ليس طمس ودفن كافة معالم عاصمتهم أكباتان واسرارها تحت مدينة همدان الحالية،بل عمد دارا الأول الذي اعتمد النهج القومي والتوسع الفارسي على حساب الميديين، إلى تقسيم ميديا في القرن الخامس ماقبل الميلاد وبعد سحق الإنتفاصة الميدية العارمة بقيادة الكاهن الزردشتي الفذ جوماتا إلى جزأين،ضم أحدها إلى أذربيجان الحالية،بهدف قطع دابر أية ثورة أو محاولة أخرى للتحرر من النير الفارسي وهذا ما تم فعلا.أما عملية تشويه وتحريف تاريخ الميديين من قبل الأخمينيين والسلالات الفارسية اللاحقة عن سابق وعي وتصميم اتخذت آنذاك أبعادا خطيرة جدا وما زالت جارية على قدم وساق.

من هو ديوك، دياكو،ديوكيس أو دهيوكا Daahiuka ,Daauka , فعلا؟

انه ابن فراورتيس وجد الملك الميدي والقائد العسكري العبقري كيا خسرو أو كياكسار، الذي ينحدر من سلالة ميدية ثرية وعريقة، سميت في كتبات صرغون الثاني ب Bit Daiuki“”***** أي سلالة ديوكي ،اشتهر بين الميديين في سنوات 728 ق.م بوصفه انسان حكيم جدا وذات معرفة واسعة وعميقة في النواحي الاجتماعية و القانونية،ولاسيما فض النزاعات في شتى المجالات وخاصة في قضايا التحكيم وإيجاد الحلول السلمية والموضوعية لمختلف المشاكل والخلافات الناشبة في المجتمع الميدي آنذاك وعقد صفقات الصلح بين الميديين أفرادا وجماعات،مما أكسبه شهرة واسعة النطاق وعرف فيما بعد باسم القاضي،مما حدا ببعض المؤرخين إلى تشبيهه بالشخصية الحقوقية وصاحب الإصلاحات التشريعية الشهيرة و أحد ساسة أثينا في اليونان المعروف باسم صولون في سنوات 640-560 ق.م.يتفق غالبية المؤرخين ان دهيوكا هو الذي وحد القبائل الميدية الستة ووضع اللبنة الأولى لتأسيس الامبراطورية الميدية التي تقوت شوكتها في زمن حكم حفيده كيا خسرو الذي قضى على أقوى وأشرس امبراطورية في الشرق ونقصد بها امبراطورية آشور. .يصف الملك الأشوري صرغون الثاني في سنة 715 ق.م اثناء حملته ضد ملك أورارتو روسا وحليفه الميدي Dajuku ،كيفية الاستيلاء على 22 حصنا منيعا في بلاد ماداي أو ميديا، تدمير العديد من المدن والقصبات ومن ثم ضمها إلى بلاد آشور ونفي دايوكو مع أسرته وأقاربه إلى بلاد أماتو أو حماة في سورية.
وفي غربي كردستان هناك عدة أسر وسلالات كردية مازالت تعرف بهذا الاسم ذات الدلالة والأهمية التاريخية: ونقصد بذلك أسرة دوكو من قامشلي وأسرة ديكو،وهي بدورها صيغ أخرى لتسمية ديوكو أو ديوكي مؤسس إمبراطورية الميديين التي كانت بمثابة الحاضنة أو الجامعة الأساسية للشعوب الآرية في ذلك الوقت ووضعت الأسس المادية لثقافتهم وحضارتهم.وهناك أسرة كردية عريقة تحمل أسم إحدى القبائل الميدية الستة التي وحدها ديوكي ونقصد بها قبيلة ماج Magus وتعرف تلك الأسرة بأسم ماجي وهي تسكن في الحسكة والاستاذ عبد اللطيف ماجي صديقي العزيز ينتمي إلى هذه العائلة الكريمة.

(Etymologie) Etymologos علم الاتيمولوجيا

يعود أصل هذا المصطلح إلى اللغة اليونانية القديمة ἔτυμος étymos ويعني “حقيقي”، ” “فعلي”،”واقعي” والشق الثانيأو =Logos ويرمز إلى “المعنى ” ويمكن تحديد أو تصنيف هذا العلم ،كونه أحد فروع علم اللغات، الذي يتناول أصل وتاريخ الكلمات والتعابير اللغوية.
ففي كل كلمة هناك ثلاثة عناصر أساسية وهي: أشكال صوتية، المعنى والاستخدام وهي متشابكة وغير قابلة للإنفصام.وكل عنصر معرض مكانيا وزمانيا للتغيير[ من جيل إلى آخر، من شخص إلى آخر، ومن حقبة إلى آخرى،ناهيك من مكان جغرافي إلى آخر] ومن هنا فان البحث عن الأصل أو المعنى الحقيقي لهذه الكلمة أو تلك لهذا المصطلح أو ذاك،يجب أن يتم في إطار أو سياق التغيير والتحول الذي يطرأ على الكلمات.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر:1- ان التسمية القديمة لروسيا والتي تعود إلى القرن التاسع الميلادي كانت فقط روس Рус وفيما بعد تطورت هذه التسمية وأصبحت روسيا Россия أي تم حذف حرف у وأضيف بدلا عن ذلك حرف о وحرف س آخر،فضلا عن حرف الياء Я في النهاية، والتسمية الحالية هي المتداولة والشائعة.2- ظهر اسم دولة النمسا لأول مرة في سنة 966 للميلاد ولم يكن بالشكل الحالي :Österreich بل كان يكتب هكذا:Östarrichi أي أسم النمسا القديم كان يتم تداوله ولفظه مع حرف الألف في الوسط والياءفي الأخير أي:أوستاريخي،بينما التسمية الحالية بالألمانية هي: أوستيررايخ وهناك فرق واضح بين الكلميتن.3- الأسم الحقيقي أو القديم لمدينة عامودا هو بالشكل التالي: آميديا Amidia وهو تحوير أو صيغة كتابة معينة لأسم الإمبراطورية الميدية.4- والاسم القديم لبلاد فارس كان: Parsu أوParsua بارسوا وتعني بالكردية الأضلاع ونظرا لعدم وجود حرف ال Pفي اللغة العربية،استعيض عنه بحرف ف وأصبحت التسمية فارس.5- و تم ذكرأسم الملك الميدي كيا خسرو في لغة البابليين بالشكل التالي: îştumegu وليس كما يكتب بالكردية.للأسف لم يحظ هذا العلم الذي يدرس تطور الكلمات والمصطلحات ومعانيها وفقا للمعايير التاريخية والمكانية في اللغة العربية بالعناية الكافية ولم يتم كتابة أبحاث أكاديمية في هذا المجال.

لدى محاولة تحليل كلمة دهوك استنادا إلى علم الاتيمولوجيا نجد أن تلك الكلمة تعرضت أيضا إلى التغيير والتحول،فضلا عن كتابتها بأشكال مختلفة وبلغات مختلفة، ودخلت كتب التاريخ وجرى تداولها بأشكال مغايرة .وكي نبرهن على وجهة نظرنا هذه سوف نورد بعض الأمثلة:
1-ورد أسم مؤسس الامبراطورية الميدية في المصادر الأشورية وتحديدا في أختام وكتابات صرغون الثاني: دايوكي Daiuki
2-وفي الأختام الاسطوانية المعروفة بأسم خورشآباد من عام 715 ق.م جاء بالصيغة التالية: داهيوكا Daahiuka
3-4 وقد ذكرت الألواح الفخارية من برسيبوليس أيضا أسم داهيوكا و فراورتيس
3- كتب هيرودوت في المرجع الذي أشرنا إليه أسم مؤسس الامبراطورية الميدية بالصيغة اليونانية وهي: Deiukes ديوكيس وحرف ال س هو لازمة أو خاصية من خواص اللغة اليونانية.

وعلى هذا النحو يمكننا القول واستنادا إلى تلك المصادر المختلفة التي أشرنا إليها وهي بالتالي مصادر معروفة وأكاديمية،تحظى بثقة غالبية المؤرخين وعلماء الآثار، أن أسم مدينة دهوك الحالية،الواقعة في جنوب كردستان،ليس سوى صيغة معدلة من أسم مؤسس الامبراطورية الميدية دهيوكا الذي قدم خدمة كبيرة للميديين وذلك بتوحيد كلمتهم وجمع شملهم في امبراطورية واحدة امتدت من حوض المتوسط وإلى الخليج الفارسي.لعب هذا الرجل ذات الكاريزما والشخصية القوية في وضع أسس التشريع الميدي ***** الذي أصبح مرجعا قانونيا أساسيا لتشريعات الشعوب الآرية الأخرى ولاسيما الفرس والتي اقتبس منها العرب الكثير فيما بعد اثناء غزوهم لبلاد فارس. ربما هناك نظريات أودلائل أخرى تثبت عكس تحليلي هذا،بيد انني سوف أكون شاكرا جدا لأولئك الكتاب والمؤرخين الكرد الذين قد يساهمون بدراساتهم وتحليلاتهم القيمة في القاء المزيد من الضوء سواء فيما يخص هذا الموضوع أو مواضيع وحلقات أخرى من تاريخنا الغابر، بحاجة إلى مزيد من التحليل والدراسة،سيما أن تاريخ أمة الكرد من أكثر التواريخ التي تعرضت إلى التشويه والتحريف المتعمد ولغايات عنصرية -شوفينية وتوسعية، بهدف النيل من الكرد وتهميشهم وتبرير تلك الأساليب الوحشية والهمجية لقمعهم وإبادتهم والتي تحدث يوميا وفي كافة أجزاء كردستان.
——
*د. آلان قادر حقوقي ومتخصص في القانون الدولي العام،رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا-
تموز 2009
** يتحاشى الفرس ذكر الاسم الكردي لكورش Guhresh أي صاحب الأذن السوداء ويفضلون استعمل التسمية اليونانية: Cyrus
*** Tom Holland Persisches Feuer Stuttgart 2008 s. 38
****Dandamayev M.A Achemenid Babylonia,1969 s.301
***** Deiokes König der Meder, eine Herdot Episode .Mischa Meier,Uwe Wlater, Wiesbaden 2004
****** أنظر دراستنا في ثلاثة أجزاء: التشريع الميدي ودوره في تطوير الأنظمة القانونية اللاحقة والمنشورة في معظم المواقع الكردية وذلك في العام 2008.
أتوجه بالشكر الجزيل للعاملين في مكتبة عاصمة مقاطعة النمسا العليا لينز لإتاحتهم الفرصة لي وتوفير المصادر المطلوبة من أجل كتابة هذه الدراسة.