الرئيسية » مقالات » الحوار الثنائي المرفوض

الحوار الثنائي المرفوض

تتمتع حركة فتح بمرونة عالية، وسعة أفق واسعة، تسمح لها بإجادة الطخ على أرجلها، وإيذاء حلفائها، قبل التصدي لعدوها الإسرائيلي وردع خصمها. تلك هي حصيلة الاستخلاص الذي أوصلنا إليه نايف حواتمه أمين عام الجبهة الديمقراطية الدافع الكبير نحو انهاء الانقسام واعادة بناء الوحدة الوطنية، بسبب النتائج التي أسفرت عنها الحوارات الثنائية بين حركتي فتح وحماس تحت الرعاية المصرية في القاهرة.
فبدلاً من معالجة آثار الانقلاب، بما فيها مقدماته إضافة إلى تداعياته المدمرة على الوضع الداخلي وعلى مجمل المسار الفلسطيني، بدلاً من ذلك، سلمت حركة فتح مبدئياً وعملياً بنتائج الانقلاب، وتعاملت معها، وقبلت مطالب حركة حماس وأقرتها رغم تعارضها مع مجمل ما تم الاتفاق عليه بين الفصائل الثلاثة عشر المشاركة في الحوار، منذ جولاته الأولى.
فقد اشترطت حماس، وفرضت الحوار الثنائي بينها وبين فتح، وجعلته الأرضية التي تقف عليها الفصائل الأخرى، وذلك لسببين أولهما لتخليص فتح من حلفائها، وإظهارها بالإقلاع عنهم في أول محطة، وثانيهما لتعرية هذه الفصائل من حليفها الأقوى ودفعهم نحو مواقع الحياد وعدم الانحياز، وقد نجحت في ذلك، حيث عبرت الفصائل الثمانية حليفة فتح عن امتعاضها من مواصلة الحوار الثنائي، ليصار إلى دعوتهم لاحقاً للتصديق على نتائج هذا الحوار والتسليم به، ليكونوا شهود زور على اتفاقية وحدة لم يشاركوا في صياغة أسسها ومقدماتها، كما سبق أن حصل معهم في اتفاق مكة الثنائي، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، والتي فرضت عليهم بدون أن تتوفر لهم خيارات أخرى، إما المشاركة أو المقاطعة.
وقد زاد من امتعاض الفصائل إزاء طرفي الحوار الفتحاوي الحمساوي، تراجع الفصيلين عن اعتماد قانون التمثيل النسبي الكامل في الانتخابات، فهذا التمثيل تم الاتفاق عليه، لأنه يعطي كل فصيل تمثيله الحقيقي وفق الأصوات بدون الإجحاف بالفصائل الأخرى، مثلما يوحد أجزاء الوطن المبعثر بين الضفة والقدس والقطاع، بقائمة تمثيلية موحدة لكل حركة أو فصيل أو حزب سياسي، كما يوحد القاعدة الانتخابية بتصويتها لقائمة تمثيلية واحدة على مستوى الوطن، وبالتالي لا يتم التصويت لصالح قائمة جهوية ضيقة.
حركة فتح استجابت لمطلب حماس فـي اعتماد المزاوجـة بيـن الشكليـن ـ الأكثري والنسبي ـ في الانتخابات، أي التمثيل النسبي على مستوى الوطن والأغلبية العددية على مستوى الدوائر، وقد اقترحت حماس إجراء الانتخابات بنسبة 40 بالمائة للدوائر و 60 بالمائة للتمثيل النسبي، في مقابل اقتراح فتح القائم على 20 بالمائة للدوائر و 80 بالمائة للتمثيل النسبي، فتقدم الوسيط المصري بحل وسط يقوم على 25 بالمائة للدوائر و 75 بالمائة للتمثيل النسبي، وهذا يتعارض كلياً مع الاتفاق المسبق الذي توصلت إليه كافة الفصائل التي أقرت التمثيل النسبي على مستوى الوطن 100 بالمائة.
قانون التمثيل النسبي، تمّ إقراره في المجلس المركزي الفلسطيني وفي اللجنة التنفيذية، وصدر مرسوم باسم الرئيس، ومع ذلك وافقت حركة فتح على خرق كافة هذه التوجهات باتفاقها مع حماس لإجراء الانتخابات على قاعدة المزاوجة بين الشكلين، كما سعت حماس لرفع عتبة الحسم لتكون حدها الأدنى 8 بالمائة، وهي نسبة لا تسمح لكافة الفصائل تجاوز نسبة الحسم، وسيكون المجلس القادم وفق هذه النسبة خاليا من التعددية باستثناء فتح وحماس.
وفي مقابل اقتراح حماس (8 بالمائة) قدمت فتح اقتراحاً ليكون الحد الأدنى لنسبة الحسم
(3 بالمائة)، واقترح المصريون نسبة (2.5 بالمائة) بينما تصر الفصائل الأخرى على (1.5 بالمائة) كحد أعلى.
وترغب حماس في تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عامين، لغاية 2012، والتمديد للمجلس التشريعي التي تنتهي ولايته يوم 24/1/2010، مثلما تم التمديد للرئيس محمود عباس الذي انتهت ولايته يوم 8/1/2008، ويبدو أن هنالك رغبة متبادلة بين الوفدين بهذا الخصوص بما يتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني، وبما يتعارض مع المعايير الدولية التي تجعل الشرعية والولاية الدستورية نابعة من نتائج صناديق الاقتراع وليس لأي شكل آخر من أشكال منح الشرعية.
فصائل المقاومة الثمانية، وهي حليفة حركة فتح في مؤسسات منظمة التحرير (مجلس وطني، مجلس مركزي، لجنة تنفيذية) أصدرت بياناً عبرت فيه عن امتعاضها ورفضها لنتائج الحوار الثنائي بين فتح وحماس، وأعلنت مقاطعتها لأي اتفاق لا يقوم على أساس الشراكة ولا يصون الاتفاقات السابقة بين الفصائل وفي طليعتها وثيقة الاتفاق الوطني، ونتائج حوارات آذار الجماعية في القاهرة عام 2009، وأبلغت أبو مازن قرارها، وسلمت مصر استخلاصاتها، وبذلك تكون حركة فتح قد خسرت حلفاءها، فهل هذا ما تبحث عنه وترجوه، وهل هي قادرة على مواجهة التحديات التي تقف أمامها بمعزل عن حلفاء مخلصين مطلوبين لتحقيق أهدافها.