الرئيسية » مدن كوردية » (من الذاكرة )

(من الذاكرة )

كانت مدينة خانقين وتحديدا في القرن الماضي تعتبر من اهم المدن العراقية اطلاقا و لاسيما بعد اكتشاف العديد من حقول النفط (نفطخانه – بانه بوره – ﭽاسرخ) اضافة الى مصفى الوند ومستودع (k.o.d) لنقل النفط الخام عبر سكك حديد خانقين – جلولاء- بغداد.

ان موقع خانقين الجغرافي كان بوابة التجارة البرية بين الشرق والغرب و لاسيما عندما كان السفر والسياحة والتجارة عبر الطرق البرية ويخترق نهر الوند المدينه الذى ينساب من جنوب شرق المدينه ومن ينابيع جبال زاكروس بالجانب الايرانى تتوسط المدينه واحة كبيره من بساتين النخيل والحمضيات وعرفت خانقين قديما بعدد مقاهيها وفنادقها وخاناتها التجاريه.



بالاضافة الى ما ذكر هناك عوامل عديدة جعلت من هذه المدينة بهذا الموقع المتميز بين مدن العراق انذاك الا وهى تنوعها الديني والاثني ووجود حركة الثقافة والادب والفن فى مجتمع حضاري متطور بسبب تاسيس حركات سياسية متنورة تؤمن بالعلمانية والديمقراطية بعيدا عن المد الشوفيني والطائفي والديني هذا الى جانب تطورالمدينه اقتصاديا لكونها ممرا دوليا.

قضاء خانقين. كان تابعا لمتصرفية ديالى أي ( محافظة ديالى) وللوضع المتميز والمذكور اعلاه استوعبت هذه المدينة العديد من الدور السينمائية ومنها ( الملك فيصل الثاني) و ( الخضراء) وسينما ( الملك غازي) * اضافة الى سينما شركة النفط في مصفى الوند والسينما الجوالة ( سينماى سه فرى).

بلا شك قبل خمسون عاما وفي مدينة صغيرة مثل خانقين سيكون لهذه الدور السينمائية تاثيرا كبيرا نسبة الى عدد السكان اضافة الى وجود نشاط فني مدرسي متميز الى جانب الحركة الرياضية التي برزت في خانقين في تلك الفترة من خلال فريق مصفى الوند الكروى .

اتذكر ونحن صغارا كنا نذهب مع عوائلنا الى دار السينما ليلا شريطة ان تحجز العوائل مقصورة خاصة وتسمى ( اللوج) وعند اطفاء الانوار وبدء العرض السينمائى كان على المتفرجين الوقوف لمدة 90 ثانيه احتراما (للسلام الملكي) حيث يبدو على الشاشة الفضية الملك ( فيصل الثاني) الى جانب العلم العراقي والمعروف انه (السري ) رجل الامن وهو زبون دائمى ويدخل دار السينما مجانا بالطبع اذا شاهد احد المتفرجين لم يقف اثناء عرض (السلام الملكي) سخيبر مرؤسيه صباح اليوم التالي في دائرة الشرطة.

كانت دور السينما تخصص اياما وساعات محددة لغرض دخول ( النساء) فقط الى دور السينما وعلى الاغلب كان يوم الجمعة فى الساعة الرابعة عصرا هو الوقت الافضل لأرتياد النساء دور السينما وكن النسوة في محلتنا وبعد انتهاء مراسيم يوم الجمعة من توديع الضيوف والانتهاء من التنظيف والغسيل وترتيب البيوت يمرن على والدتي واخواتي ويتوجهن الى سينما الملك فيصل او الخضراء كانت امى تسمح لنا باصطحاب الكلبه (جاكى) وهى من فصيلة الكلاب الانكليزيه تسمح باخذها معنا الى داخل السينما واحرجتنا مرارا (جاكى) خلال العرض السينمائى ويتم اختيار الفليم او دار السينما من قبل امهاتنا و لوجود اكثر من دار عرض خلال مرور دلال الاعلان وهو يحمل يافطة كبيره عليها بوسترات الفليم مع عازف الطبل واحيانا الزرنا يجوبون الازقه حتى ساعة قبل عرض الفليم واتذكر نساء الحاره يتوقفن لحظات امام البوستر لمعرفة طبيعة الفليم من خلال الصور وكنا صغارا نحاول اقناع امهاتنا باختيار الفليم الذى نتصوره جميل او افضل وكثيرا ما كنا نوبخ بعد نهاية الفليم لان العائله وافقت على ذوقنا باختيار الفليم . . .

لا يوجد احدا في اعتقادي من اهالي المدينة لم يشاهد فليم سينمائى مرة واحدة او مرتين شهريا او اسبوعيا والحقيقة كانت في خانقين شخصيات عديده من المتفرجين المدمنين على مشاهدة الافلام بشكل يومي.

وفي اليوم الثانى يبقى الحديث عن هذه الافلام مستمرا بمجالس المدينة الاجتماعية سواء المقاهي او الدوائر او جلسات الامهات في الازقة والحوارى .

بعض الشباب اتذكرهم كانوا يحاولون تقليد ابطال هذه الافلام وخاصة عروض السينما العالمية وكانوا يشترون ملابس مقاربه للممثلين او يطبعون صورهم ولو بالاسود والابيض او يمثلون الشخصيات وللطرفة :

كاك احمد وهو من معجبي افلام ( طرزان) حتى لقب بـ ( احمد طرزان) وطرزان هى شخصية الطفل الذي ولد وعاش في غابات افريقيا مع الحيوانات الكاسره واصبح بطلا حاول صاحبنا (احمد) ان يلتقط صورا فوتوغرافية بواسطة كاميرا البوكس ( الصندوقية) وهو يمثل شخصية (طرزان) للقفز من شجرة لأخرى واختار شخص يساعده بالتصوير ولبس احمد شورت قصير ووضع سكين في فمه وصعد على نخله في بستان ( ابراهيم بگ) في خانقين وعندما قفز حاول مسك احدى سعفات نخلة مجاورة ولكن المسكين(احمد) سقط هاويا من اعلى الشجرة على الارض و لايزال ( احمد) معوق الى يومنا هذا.

وبالعكس من كاك احمد طرزان كان هناك رواد يبحثون على الافلام الكلاسيكية والتاريخية والقصص والروايات العالمية واخرون يفضلون افلام ( الكاوبوي) او الافلام البوليسية والعربية والهندية.

لقد كانوا يعرفون خيرة ممثلي السينما العالمية مثل(افا كاردنر) و ( جون واين) و ( بيرت لانكستر)و(ايرول فلين) و (ريتا هاورد) و ( مارلين مونرو) وغيرهم.

كان اخي جعفر وفيض الله وخليل فرج ومحمد فرج من هواياتهم الصيد وتصوير لقطات لأفلام رعاة البقر وكنت اسمعهم دوما يتحدثون عن الافلام السينمائية وبشكل عميق الى جانب حبهم للموسيقى والغناء. كانوا يصورون لقطاتهم في مواقع قديمة يريدوها ان تشابه ما شاهدوه في هذه الافلام وعرفت لاحقا ان هذه العمليه تسمى ((locitoin اى كشف موقع التصوير لدى المخرجين .

كما ذكرت خانقين كانت ممرا للتجارة والسياحة بين العراق وايران ومنهما الى العالم الآخر وهذا جعل ان تمر حضارات وثقافات عالمية مختلفة من خلال هذه المدينة وكان اهل خانقين مضيافين للمسافرين على اختلاف اجناسهم واشكالهم .

صادف ان كنا نجلس في مقهى ابو شكر مقابل محطة القطار القادم من كركوك وبغداد الى خانقين شاهدنا شابين (فتى وفتاة) توجهوا الى المقهى وانزلوا متاعهم من على دراجة نارية وطلبوا الشاي وبعض الخبز واللبن وزاد( فضولي)على ان اعرف جنسيتهم ووجهتهم مع اني كنت صغيرا الا ان الشابة التي كانت ترافق هذا الشاب الجميل قد جذبتني لاكون اكثر فضولا وتجمع الاخرون واذا بالمفاجئة الكبرى ان يكون هذا الشاب هو ابن احد ممثلي افلام الكاوبوي ( ايرول فلين) وكان اسمه (سين) يا الله ما هذه الصدفة العجيبة وفي حينها تراكض البعض منا لينجر الاخرون بالمدينة من محبي ومعجبي ( ايرول فلين) بان نجل الاخير في خانقين وما لحظات حتى اكتضت المقهى بالناس وبالمناسبة طلب احد الفضوليين جدا ان يثبت هذا الشاب انه نجل الممثل (ايرول فلين) وفاجئنا (سين) بصورعائلية عديده ليقطع الفضوليين منا الشك باليقين .

المقصود هكذا كانت المدينة تحتك بالعالم الخارجى عبر هذا الطريق الدولي وتنهل المعلومات والثقافات والعلوم فى زمن لم يكن للاتصالات هذا التوسع الها ئل الذى نشهده اليوم الا المراسلة عبر البريد والطابع وارساله وكذلك البرقيات السلكيه.

اتذكر عندما وصل بث تلفزيون بغداد الى خانقين كان الزوار الايرانيون ياتون من قصر شيرين وكرمنشاه لمشاهدة التلفزيون ولا سيما ان العراق اول دولة بالشرق الاوسط لديه محطة تلفزيون وكان في حينها بالاسود والابيض واتذكر المرحوم ابى هو اول من اشترى تلفزيون ماركة (فليبس) للمقهى* التى كان يمتلكها فى خانقين قبل ان تنتشر فى البيوت .

شخصيات عديدة وكبيرة عاشت وولدت في هذه المدينة المتميزة واذكر منهم وليس حصرا: الكاتب عبد المجيد لطفي والاستاذ والمربي عزيز بيشتوان والباحث عبد الستار زنكنة ومحمود وندي وخدادا علي وعلاء بشير وجعفر حسن واسماعيل خياط وابراهيم باجلان واخرون من الفنانين والادباء والمثقفين .بالاضافة للاستاذ التشكيلى عبد الوهاب والموسيقى استاذ رضا وفرمان كبابجى ومحمود العزاوى ورضا البدرى.

للأسف الشديد منذ اكثر من 30 عاما وخانقين تلاقي الاهمال والاقصاء والتهميش بسبب سياسات الانظمه السابقه حتى ان اصبحت ساحة معركة في القادسية المشؤومة هذا با لاضافة الى سياسة التعريب والتهجير والاعتقال وتغيير ديموغرافية السكان بالمنطقة .اضافة الى هجرة اعداد كبيرة من مواطنيها نحو كوردستان والعاصمة بغداد و هروب الاف من شبابها الى بلدان اوربا ودول الجوار وتعطلت الكوادر المهنية العاملة بالنفط بعد ان اغلقت الحقول النفطية ومصافي التكرير مما اثر سلبا على اقتصاد المدينة وتفشى البطاله .

واليوم وبعد مرور 4 سنوات على سقوط النظام السابق بقت خانقين على وضعها الاقتصادي المتهاوي وباتت المدينة واهاليها معلقة بين الحكومة المركزية وادارة محافظة ديالى وبين عودتها الى ادارة اقليم كوردستان لكون ان اغلبية سكانها من الكورد اضافة الى وجود عشائر عربية وعددا كبيرا من التركمان وبلا شك ان الحكومة المركزية تضع اسباب عدم احياء واقامة مشاريع للبنى التحتية في خانقين على الوضع الامني الراهن في محافظة ديالى والادارة الكوردية ايضا هي عاجزة على حل الوضع الاقتصادي والعمراني والانمائي في خانقين بشكل كامل بالرغم انها قدمت الكثير وبشكل خاص من خلال الاحزاب الكوردية الكبيرة الا ان ما اصاب خانقين يحتاج الكثير والكثير من اجل اعادتها الى موقعها الحضاري والاقتصادي والاجتماعي كما كانت عليه في منتصف القرن الماضي.

سينما الملك غازي كانت تسمى(سينماي بولوني) اشارة الى الجيش البولوني حيث كان يعسكر خلال الحرب العالمية الثانية في خانقين.

توقفت دور السينما نهائيا قبل نهاية القرن الماضي عن عرض الافلام السينمائية.

جايخانه ى (حسن شل) .

لو اردنا ان نكتب كل شىء عن (خانقين) لما كانت تكفينا ( صحف الدنيا).

ناصر حسن كركوك

http://images.google.co.uk/imgres?imgurl=http://www.babagurgur.net