الرئيسية » مقالات » اين حريتي

اين حريتي

مصطلح ضبابي مطاط ومخادع كان غاية ً لوجود الانسان وهدفاً تنشده العقول عند كل فلسفات التاريخ قبلا ً وبعداً، ونسبيتها هي ما زرعت الحيرة عندي وعند الجميع، اذ لا اتفاق على ماهيتها ولا اجماع حول دلالاتها.

تلك هي “الحرية”

مفردة ملموسة مع دلالة مفقودة طالما تختلف باختلاف الاذواق والافكار.

لغة ً، لا اعتقد ان هناك كلمة تضاهيها في مدلولاتها، بل هي الفضاء الكبير لرزمة معاني ارهقت عقول المتفلسفين، وكلٌ يراها على ليلاه.

ففي الاسلام كما ذكر رواده الاوائل، الانسان حرٌ اذا ما عبد الله، وان الحرية تتجسد في عبودبة الله، الخالق، العظيم، الجبار، الواهب، الرازق، …. الى المتكبر.

ولرجلي صدر الاسلام علي بن ابي طالب وعمر بن الخطاب الاثر البالغ في ترويض المسلمين على قبول هذا التفسير للحرية، وكلٌ منهم خاطب شريحة من ابناء مجتمعه، حيث قال الاول للمُستعبَد (بفتح الباء) ما نصه “لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حراً” فيما كان المُستعبِد (بكسر الباء) هدفاً لمقولة بن الخطاب في حديثه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً”. ويبدو ان الاثنين قد اتفقا على ان الحرية رديف للانسان في ولادته وتنتفي حال اختيار الانسان عبودية غير الله.

صورة اخرى من صور الحرية بمفهوم مغاير عما قاله خليفتا الاسلام، من امام ينتمي لذات الدين وهو الامام موسى بن جعفر الكاظم، احد احفاد الامام علي بن ابي طالب والامام السابع للشيعة الامامية الجعفرية .. حيث تذكر النصوص كان موسى بن جعفر يوماً عائداً لمنزله في احدى احياء بغداد القديمة وفي الطريق شاهد اَمَة ً وهي تلقي كيساً من النفايات خارج منزل ٍ علت فيه اصوات المزامير وصدحت دفوفها بالغناء والرقص الماجن مع طيب الخمر والمنكرات، ليسألها عن سيدها، أهو عبدٌ ام حر؟ قالت الاَمَة: حرٌ ياسيدي .. فقال لها صدقت، لو كان عبداً لاستحى من الله.

المنطق الصوري للنص المذكور اعلاه يعطي انطباعاً بان الحرية في غير عبودية الله، وان الانسان حرٌ متى ما لم يعبد الله!

ما هي الحرية اذن في المنهج الاسلامي؟ ايعرف الانسان المسلم؟ ام هو ليس حراً في اختيار اجابته من بين الاجابتين اعلاه طالما بناءه اللغوي المقدس سبق وجوده وشكّل له عقله؟
اللغة بنية مقدسة تحكم الانسان مهما كان جنسه ولونه وعرقه، وابن هذه البنية عبدٌ لها، لا حرٌ في التمرد عليها .. وان استطاع فسيسقط في عبودية اخرى ومنظومة بنيوية جديدة.

لقد زحفت صلعتي الى نصف ظهري وانا ابحث اين يمكن ان نجد الحرية بمعناها المطلق؟ وايّ نظام ٍ سياسي ٍ يكفلها حقاً؟

باعتقادي ان “الحرية” كلمة شعاراتية اكثر مما تكون “حقيقية” وان “الاحرار” المطالبين بها سرعان ما يتحوّلون الى ضدها حال تمكنهم من السلطة والحكم .. لتنتقل ارثها من جديد الى آخرين مصطفين في طابور التتابع على الدكتاتورية وبنفس الطريقة الرتيبة ايضاً.

ليس هناك فكراً تحرّرياً استطاع ان يحكم في بلد ٍ ما، ولم يتحوّل الى منظمة عسكرية خانقة للحريات، ترى هل السبب عدم ايمان مُدّعي الحرية بها واستخدامها شعاراً فقط، ام ان الامر يعود لاختلاف الرؤية والفهم في تفسيراتها!!
الامر سيّان، فالكل يبحث عن الحرية طالما تحقق رغباته ويحاربها اذا كانت تحقق رغبات غيره، وان كل احرار العالم لو اجتمعوا وحكموا الكوكب برمّته، ستبقى الحرية معدومة او مفقودة وستطالب بفضاءات اخرى مستحيلة التحقق في ظل “حكم الاحرار” هؤلاء.

فهل هناك تعريف محدّد للحرية عند اهل الفلسفة والدين؟ باعتقادي، كلا والف كلا، ما دمنا وانا واحد منهم نعيش في غابة الايديولوجيات.