الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة التاسعة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة التاسعة بعد المئة

نعتقد ان العلم اليوم غير عاجز عن فرز ما لكل قوم من تراث او مفردات والفرز هنا نسبي غير مطلق لكنه يتحول الى داء عندما لا تكون مقادير النسبية محكمة وعندما يختل ميزانها، وعندما تلعب الاهواء الشخصية في تبني مفردة ما وعندما تكون الاحكام فردية او (بابوية) الطبع في اتخاذ القرار حول لسان امة او فنها او ادبها، وعلى طريقة (لا تسألوني عن المصادر).
اما الالعاب، فكما ظهر في هذا الفصل كثيرة ونحن لم نذكرها كلها بل اكتفينا بما شاهده الرحالة وكتب عنها المستشرقون لاننا لم نود الخروج عن حدود الكتاب هذا وهدفه، والالعاب هذه قد وثقت، فقد صدرت كتب عدة في الآونة الاخيرة معنية بتوثيق الالعاب الكردية خشية انقراضها او حلول العاب غير كردية بديلة عنها. نحن لسنا ضد الجديد ففي هذا تخلف، ولكن الجديد يجب ان لا يكون على حساب التليد ففي هذا خيانة للهوية القومية.
الطعام
لا شك ان الطعام لدى الأقوام يفصح عن طبيعتها ومستواها الحضاري والاقتصادي، ولم يغفل الرحالة الذين زاروا كردستان عن وصف الطعام الكردي، ولا بد هنا من الإشارة إلى ان البذخ في الطعام كان ولم يزل شكلاً من أشكال التعبير عن تقدير الضيف وهذا بلا شك اكثر وضوحاً لدى العوائل الموسرة و(البيكات) ورؤساء العشائر.
ان الغاية من الإشارة إلى الطعام في هذا الكتاب هو التعرف على انطباعات هذه المجموعة من الغرباء عن المجتمع الكردي ازاء الغذاء الكردي ونوعه، ومذاقه، ونظافته، ففي ذلك مدلولات سسيولوجية بلا شك لانه من الطبيعي ان يألف المرء طعام المجتمع الذي نشأ فيه ولكنه قد لا يستسيغ طعام مجتمع آخر ومن هنا كانت لنا وقفة مع الطعام الكردي من وجهة نظر الرحالة ممن جمعتهم مع الكرد موائد الطعام.
يصف مستر ريج وجبة فطور تناولها مع الباشا أي امير امارة بابان الكردية انها كانت ادنى إلى طعام العشاء منها إلى طعام الفطور اذ اشتملت على شتى انواع اللحوم الناشفة وغير الناشفة ومن ضمن الانواع الاخرى الصحن الشرقي اللذيذ المعتاد أي الفرهود (القوزي) المحشي وقد هيئت صحون الطعام وقدمت على الطريقة الفارسية التي اضافت مفخرة إلى المهارة الكردية اذ كانت اقل دسامة واطيب مذاقاً من جميع اصناف الاكل التي تناولها ريج في بغداد او في أي وقت كان على حد قوله. جلس مع الباشا في صدر البهو، وقد وضع امامهما خوان مستطيل من الخشب المصبوغ ذو قوائم ترفعه عن الارض بضع عقد صفت عليه صحون الطعام المتنوع، كما وضعت الصحون التي لم يستوعبها على الارض بالقرب منهما ووزعت بين الصحون عدة كاسات مملوءة بانواع المرطبات-الشرابت – وكلها مبردة بالثلج وكان بعضها لذيذاً للغاية وقد جثا إلى جانب الباشا على ركبة واحدة كردي بدين كالح الوجه وانهمك بسكب مزيج ابيض في كأس كبيرة وضع فيها الكثير من الثلج وكان الباشا يدير وجهه اليه بين آونة واخرى ويتناول ملعقة كبيرة من ذلك المزيج.
وكانت نظرة هذا الرجل اليقظة وهو يفرغ ما تحتويه تلك الملعقة الكبيرة في فم سيده مضحكة بحيث لم يجرؤ ريج على النظر اليه ثانية وكان إلى جانبه شخص آخر في خدمة ريج ولما ادار وجهه اليه تقليداً للباشا ناوله ملعقة مملوءة من ذلك السائل فاذا به الشنين مبرداً بالثلج ممزوجاً بالاجاص الفج المفروم* وقد كان حامضاً إلى درجة اسالة الدموع من عين شاربه (81).
ويصف مستر ريج (82) رجال الدولة الحضور الذين وقف في خدمتهم عدد من الخدم وهم يجلسون حول موائد مستطوال في الجانب الثاني من البهو.
ويعلق على طريقة تناولهم الطعام، فقد لاحظ ريج ان الاكراد لا يزدردون الطعام ازدراداً، كالاتراك بل يتناولونه على مهل ويتسامرون عند الاكل وان الطعام يوضع امامهم كله مرة واحدة ويصف اعضاء المجلس، الجالسين بانهم يدخنون وهم على اتم حريتهم ويتكلمون كلما شاءوا (88) عكس ما لاحظه ريج في بغداد اذ لا يجرؤ المصاحبون (مصاحبجي) المستشارون ابداً على النظر يميناً او يساراً في حضرة الباشا بل يتذللون وينحنون اثر كل كلمة تصدر من سيدهم كما انهم لا يتكلمون الا اذا سمح لهم بالكلام (82).
وفي موضع آخر من مذكرات ريج يذكر تناوله العشاء مع عثمان بك (شقيق الامير) في السليمانية. ويعلق ثانية على طريقة تناول الكرد الطعام إذ يذكر، الأكراد كالإيرانيين، يأكلون بتؤدة ويتحدثون خلال الاكل، ويطول وقت الطعام عندهم كما يطول عند البريطانيين، وهم ينفرون من طريقة الاتراك في التهام الطعام.. ومقارنة مع طريقة الاتراك في تناول الطعام يقول ريج يضع الاتراك على المائدة صحن الطعام الواحد وبعد ان يتناول الضيف بضع لقم منه يرفع ويؤتى بصحن آخر، ويلوح ان هذه هي الطريقة التاتارية القديمة (88). ويصف ريج الافطار الذي تناوله وهو في طريقه من سنه إلى السليمانية أي في طريق عودته وفي قرية سيوى تاله توقف ريج ومن معه للاستراحة وقد مد لهم رجل الدين في تلك القرية سماطا” غنيا ” بالعسل والزبدة الطرية واللبن الرائب والخيار والشنين، ويعلق ريج على هذا بقوله، ياكل اهل هذه الأقطار من الشرق العسل والزبدة سوية وقد تكون هذه عادة شائعة في الاقسام الاخرى منه أي من الشرق (167 )0 من ملاحظة وصف ريج لبعض موائد الطعام وفرص تناوله مع الاخرين من الكرد نستنتج ان ريج كان معجباً بطبيعة الطعام بشكل عام وكذلك بتعامل الكردي مع الطعام أي عادات الطعام اذ لاحظ التؤدة وعدم الاستعجال واعطاء الوجبة حقها الاجتماعي فهي ليست عملية تناول غذاء وحسب بل هي مسامرة ومجالسة وحديث كما لاحظ ان نوع الطعام ادنى إلى العشاء منه إلى الفطور ونعتقد ان سبب ذلك يعود إلى رغبة الامير في تقديم اقصى درجات الحفاوة فجعل من المائدة مائدة عامرة فلم تقتصر على ما يقدم في وجبة الفطور.
كما اشاد بالطهي الجيد للطعام وهنا لا ننسى ان هذا ليس بمعيار عام لانه يصف طعاماً طهي في بيت امير..
ولا شك أن الخدمة التي ذكرها ريج من قبل الشخصين الجاثيين على ركبتيهما ويناولانهما الشنين ملعقة فاخرى خدمة فيها الكثير من المغالاة ولكن يبدو انها بدورها خدمة لصيقة بمائدة الامير وليس غيره اذ لا نجد مثل هذه الخدمة حتى في بيوت اكثر الاكراد ثراء لكننا ننحو باللائمة على ريج الذي يصف الكردي الذي انكب على خدمته بالهمجي… انه وصف مؤسف حقاً.. فلماذا همجي؟؟ انه واحد من الخدم في بيت الامير.
اما الميجرسون فقد سجل بدوره في مذكراته ماله علاقة بالأطعمة، واول اشارة إلى الطعام جاءت عند خروجه من مدينة ديار بكر وهو يقصد مدينة الموصل بواسطة (الكلك)* (96).
يتحدث سون عن المواد الغذائية التي اشتروها من سوق ديار بكر، ليقتاتوا عليها في سفرتهم النهرية. ويذكر سون ان مشترياته الغذائية كانت خبزاً ورزاً وزبدة، وعدساً وبازلاء وشاياً وثلاث (كلات) سكر وثلاثة حبال طوال من البامياء المجففة وخضراوات وفواكه مجففة (93).
وفي كردستان، يصف سون (الشنين) اللبن المخفف بالماء بشراب الاكراد القومي كما يتطرق دون تفصيل إلى العشاء الذي قدم له عندما حل ضيفاً على عادلة خانم، اذ يقول جيء بالعشاء في صينيتين كبيرتين من الرز (البلاو) واللحم والروب والحلوى والشربت (273).
ويرسم سون صورة ذهنية جميلة لطقس الشاي، اذ يذكر، انفجر صبح يوم وصولي على اصوات (استكانات)* الشاي تتناهى من خارج غرفتي وما ان فتحت بابها الا جوبهت باثنين من الحاشية يحملان جهاز الشاي، وهو (سماور)** كبير من شبه وحوض لغسل الصحون والاكواب والاستكانات الفارسية الصغيرة والصحون الصينية، وقدم الشاي الحار الحلو وثلاثة استكانات هي العدد الصائب وبين تقديم استكان واستكان يستطيع المرء ان يدخن ويسمح بفترة معقولة لتمر بين تقدمة وتقدمة وما ان تمت المراسيم الا حمل الجهاز خارجاً (288).
اما بالنسبة للسيكائر فيحدثنا عن مشكلته مع التدخين منذ دخوله مدينة اورفة في كردستان تركيا ويبدو ان في ذلك الزمان كانت السيكائر التي تسمى شعبياً (الزبانة) هي الشائعة في كردستان تركيا اذ يقول سون، لقد جددت معرفتي بالسيكارة الكردية وهي على ما يخيل لي من طرز خاص. لقد اتبع هذا النمط نتيجة الحاجة من دون شك وذلك ان التبغ الذي يستنبت في كردستان لا يمكن لفه ليصبح (سيكارا) وبدلاً من ضغطه وابقائه مبتلاً ثم تقطيع ورقهٍ ويعمد الاكراد إلى تجفيفه وسحقه حتى يغدو مسحوقاً خشناً ويلف هذا التبغ بورق السيكائر (ورق اللف) وهي عملية صعبة لغير العارف بها وعلى ذلك اخترع نوع من الورق اثخن من ورق السيكارة المعتادة وهو في الاقل اطول بمرتين تؤخذ قطعة طويلة من ورق سميك عرضها انج واحد وتلف بشكل حشوة، تدخل في النهاية الضيقة ثم يصب التبغ فيها من اعلى وبعد ملاينة وهز كافيين تدار نهايات الورق إلى الداخل للحفاظ على محتوياتها وان الضرر المتأتي من هذا النمط من السيكائر انه لما كان التبغ جافاً تماماً، ودقيقاً لذا فأنه لا يتماسك عندما يدخنه المرء وبذلك تتساقط النهاية المتقدة دائماً (74).
taakhi