الرئيسية » دراسات » دراسة في الادب الكوردي المعاصر الحداثة الشعرية بين المفهوم والتطور

دراسة في الادب الكوردي المعاصر الحداثة الشعرية بين المفهوم والتطور

ان الحداثة الشعرية ومن خلال دواوين الشعر على امتداد الوطن العربي تتسم بعدة سمات متشابهة اهمها :
اولاً ( التحلل من القيود التقليدية) وفي مقدمتها (الوزن والقافية ).

ثانياً : (الترميز عن معان) يقصد الشعراء قصداً ان يعموها حتى كأن هذه التعمية جزء لا يتجزأ من مفهوم الحداثة او كان المطلوب الا يفهم القارئ ما يقال .
ثالثاً : (التعبير في كثير من الاحيان عن قضايا الشعر بلا رؤية كلية للواقع) ويضرب على كل سمة نموذجاً واحداً او اكثر ثم يخلص الى تقرير ثلاثة آراء اولها (ان الابداع الشعري لا يكون الا بالتحلل من التقاليد او القيود ولاسيما (الوزن والقافية) بل انه مع هذين اجل شأناً واغنى موهبة وثانيهما (ان الرأي العام يطالب بشعر يطرب له ويصفق حين يسمعه) وان شعرنا الحديث لا يستجيب لهذا الطلب وثالثهما (ان التطور او التحول الذي طرأ على الشعر الحديث) ملبياً حاجات العصر ولا يجعلنا قط اكثر فهماً واغنى ثقافة وارقى مستوى واطول اجنحة واقدر على استيعاب مشكلات العصر .
ان القراءة الاولى لقصائد الشاعر (د. بدرخان سندي) التي نقلها الى العربية (هفال زاخوني) والتي تشكل بالاولان قوس قزح حيث (الكلمة الشفافة) واللغة المبسطة التي لا تجد صعوبة لتستقر بين شغاف القلب .
)حبيبتي(
حبيبة الازل والابد
حلوة الماضي والات
وصاحبة الخصر الذهبي
لا تكوني قاسية
)انت الحلوة(
يقول (محمد عزام) في كتابه (الحداثة الشعرية) كثرت في الاونة الاخيرة تسميات الشعر الحديث وتداخلت مما اشاع الفوضى الثقافية ، ودعم المفهومات الشبابية لدى نقاد الشعر الحديث ولذلك لابد من تحديد المصطلحات ((درءاً للشبهات)) وتوحيداً للمفاهيم التي ينبغي ان ينطلق منها الباحث او الناقد رغم ان هذه المصطلحات ستظل مختلفة الدلالات بين مدرسة ادبية واخرى وبين ناقد واخر وبين اديب واخر . اذن الحداثة هي محاولة تركيب بين (التراث والتجديد / والاصالة والمعاصرة ) وهي استمرار التجديد الذي بدأت طلائعه في الشعر العربي منذ أوائل العصر العباسي واستمر في مدارس التجديد الشعرية الحديثة (الكلاسيكية الجديدة / والرومانسية / والرمزية .. الخ ) حيث ازدوج هذان التياران (التراثي / والحداثي) في شعر هذه المدارس الحديثة وتمثل ثم اعيد ابداعه شعراً جديداً على غير مثال النتاج الشعري لهذه المدارس . ويؤكد (ادونيس) ان الحداثة عنده ان تقبل الحوار مع الآخر وان تفكر مجدداً بتراثنا دون ان تتنازل عن اصالتنا كما تلاحظ في شعر الدكتور (بدرخان سندي).
)حبيبة هذا القلب(
انا اعلم
بانك هائمة على وجهك اعلم .. بأنك في ظل سقيفة شاعر
تلعقين جراحك .. تلك الجراحات الخوالي
لكن .. ما بوسعي ان افعل) ..
ان الشعر المنثور والنثر هما ما مهد لقصيدة النثر منذ اوائل الخمسينيات حين صدرت مجموعة (ثلاثون قصيدة لتوفيق ضايع) ولقد بدأت قصيدة النثر من وحدة السطر ووحدة الفقرة حتى وصلت الى التدوير الكامل كما بدأت من اللغة الرومانتيكية واليومية بتكثيف السطر الشعري والفقرة الشعرية ولكنها وصلت الى درجة الصفاء اللغوي الشعري . وبالنسبة لمسالة التجنيس فهناك من يرى ان قصيدة النثر شعر خالص وهناك من يرى انها نثر خالص وهناك رأي ثالث انها جنس ادبي ثالث مستقل بما تحمله من درجات الشعرية ودرجات النثرية . وعلى امتداد خمسين سنة من قصيدة النثر العربية الا انها لم تحصل على شرعيتها من التنظير النقدي لان التنظير كان شعاراتياً متناقضاً وكذلك بسبب وجود فجوة بين التنظير والنصوص ولكن قصيدة النثر اكتسبت شرعيتها من كمية المنجز النصي المتنوع ومن النوعي في النصوص احياناً . فان قصيدة النثر جنس مستقل ونص مفتوح على الانواع وعلى الاخر (هجين) اما ايديولوجياً فقصيدة النثر هي العولمة بجماليتها الشكلية ووحشيتها المرعبة فهي تعبر عن ملامح دونية واضحة خصوصاً اذا كان التواجد القهري هو البديل لتنوع الهويات .
)فذاك صوت يصم سمعي(
صائحاً ..
مزاد .. مزاد .. مزاد
فيا سيدة الـ (جزيري(
عودي .. ارجعي
وميلي بقامتك
وامشي الهوينا .. ثم دوري .. دوري) .
رغم ان المترجم (هفال زاخويي) حاول جاهداً ان يضيف الى النص شيئاً يستجدي به عطف المتلقي لكني اشعر ان النص الاصلي فقد الكثير من رونقه لذلك رغم بساطة الجملة لكنها تحمل بين طياتها عمقاً لتراث الشاعر نفسه . ان ظاهرة الشبيه بقصيدة النثر تنظيرية مختلفة مثل (الشعر المنثور / النثر الفني / الخاطرة الشعرية / النص المفتوح / الشعر بالنثر / النثيرة / النثر الشعري) وغيرها . ان اول مجموعة صدرت من نوع الشعر كانت (لا بين الريحاني) اما اول الكتابات التنظيرية حول هذا الجنس الادبي هو مقدمة (لويس عوس) في كتابه (بلوتولاند وقصائد اخرى ) في عام 1947 . ومن هنا يظهر ان الشعر المنثور وانطلاقاً من المتحقق النصي انتج بشكل السطر الشعري بعض القوافي احياناً وهو في الوقت نفسه قدم ما يشبه قصيدة النثر كتب بلا وزن ولا قافية . اسهمت المرجعية غير العربية في تعميق اشكالية المصطلح من خلال ما حدث من نقل حرفي للمصطلحات والمفاهيم غير العربية الى العربية حتى ان (شاكر لعيبي) كان يقول (بقبول قصيدة النثر بوصفها شكلاً اذ يوجد لها التراث العربي )وهذا ما دعا بعض المدافعين عن قصيدة النثر الى العودة الى التراث واستخراج نصوص ونماذج لشعراء على انها شبيهة بقصيدة النثر انطلاقاً من المتحقق النصي لا من القصيدة فاوردوا نماذج لسطيح الكاهن وقس بن ساعدة الايادي وابو زيد البسطاني وجلال الدين الرومي والنفري وغيرهم . وتحدد (سوزان برنار) قصيدة النثر بالاتي (ان النثر الموقع الذي تستخدمه قصيدة النثر متميز عن الشعر الحر وذو طبيعة مختلفة ) . قصيدة النثر المكتوبة بالنثر الايقاعي تتميز عن النثر الايقاعي تمايز القطعة الموسيقية من الكآبة الطباقية لانها تفرض على النثر الايقاعي تنظيماً شكلياً وبناء عاماً ليكون من ذلك وحدة واحدة وكياناً فنياً . ولعل مقالة (ادونيس) سنة 1960 عن قصيدة النثر اول مقالة نقدية واضحة المعالم عن خصائص قصيدة النثر على ان الخصائص التي تطرحها (ادونيس) هي الخصائص (انسي الحاج) في مجموعة (لن) لعام 1960 وفيها تماثل كبير مع طرحه (ادونيس) في مقالة السابقة . ويتبعهما في ذلك (بول شاوول) الذي يرى ان مسالة قصيدة النثر قد حسمت منذ ان تنبها (توفيق صايغ) عام 1947 . لقد اصبحت قصيدة النثر جنساً شرعياً في الوطن العربي بحكم وجودها الواقعي وبالنظر الى كمية المجموعات الصادرة منذ عام 1985 الى يومنا الحالي نجدها تعد بالمئات خاصة بالنظر الى اولئك الذين اصبحت عندهم قصيدة النثر شكلاً ثالثاً بين الشعري والسردي .
)فيا ايتها النادرة(
يامدللة الـ (جزيري)
عودي .. ارجعي
وميلي بقامتك
وامشي الهوينا
ثم دوري ودوري … دوري).
فالحداثة إذن هي التغاير وهي الخروج من النمطية والرغبة الدائمة في خلق المغاير والحداثة في هذا المستوى ليست ابتكاراً غربياً فقد عرفها الشعر العربي منذ القرن الثامن أي قبل (بودلير / وما لارمية ورامبو) بحوالي عشرة قرون وهي لذلك ليست مستوردة وليست خطراً وانما هي ظاهرة اصيلة عميقة في حركة الشعر العربي ويمكن التاريخ العربي بدءاً من (بشار بن برد) من زواية هذا الصراع والجدل بين (القديم / المحدث)و هذا هو التاريخ الحقيقي للشعر عند العرب وهو التاريخ الذي لم يكتب بعد .
)فقلوب الشعراء تختنق دائماً(
عيونهم ملائ بالاسئلة
الشعراء غير مذنبين
انهم سكارى
لكنهم واعون
لذا ان كان ذنبهم محض سؤال) .
taakhi