الرئيسية » مقالات » نايف حواتمة: حوار المحاصصة الاحتكاري الثنائي بين فتح وحماس طريق تعميق الانقسام وتدمير البرنامج الوطني الموحد

نايف حواتمة: حوار المحاصصة الاحتكاري الثنائي بين فتح وحماس طريق تعميق الانقسام وتدمير البرنامج الوطني الموحد

عمان

س1: ما هي فرص نجاح الحوار الوطني الفلسطيني المقرر في القاهرة في الخامس من الشهر القادم، وإذا كان الجواب بنعم على ماذا تستندون ؟
بدايةً أُصحح الموعد في السابع من الشهر القادم، وهو موعد حاسم لا بديل إطلاقاً عن نجاحه إذا لم ترتد فتح وحماس عن نتائج الإجماع الوطني في الحوار الشامل بالقاهرة بين 10 ـ 19 آذار/ مارس 2009، كما تؤشر حوارات المحاصصة الاحتكارية الثنائية بين فتح وحماس في نيسان/ إبريل وأيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2009، فمسائل الحوار الوطني الحقيقية لم يعد ممكناً تجاهلها وتأجيلها والمماطلة بها، نحو إعادة تصويب البوصلة الفلسطينية وتصويب أوضاع العمل الوطني الفلسطيني. نحن رواد الوحدة الوطنية، ودعاة حوار وطني شامل يتناول القضايا الأساسية المتصلة بمستقبل العمل الوطني بكافة جوانبه، يشارك فيه الجميع من دون استثناء أو احتكار أحادي أو ثنائي، وعلى نحوٍ لا تطغى عليه أية ثنائيات تعمق القضايا الخلافية.
على الطاولة البرنامج السياسي للتحرر الوطني (وثيقة الوفاق الوطني حزيران/ يونيو 2006) الذي وقع عليه الجميع، وجملة من الموضوعات المتعلقة بإستراتيجية التحرر الوطني وبناء مؤسساتها، بما فيه علاقة البرنامج الوطني المرحلي (دولة فوق كامل أراضي عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحق عودة اللاجئين عملاً بالقرار الأممي 194)، فضلاً عن جدلية المقاومة بكافة أشكالها والعمل السياسي والدبلوماسي، وكيفية اشتقاق برامج سياسية واقعية لا تنال من الأهداف والحقوق الوطنية العليا لشعبنا.
إن هذا كله يستلزم مراجعات نقدية لمرحلة امتدت منذ عام 1991، وإعادة تشخيص مهمات التحرر الوطني، والصيغ الأمثل لإعادة بناء وتطوير مؤسسات منظمة التحرير، وتكريس مرجعيتها الوطنية والسياسية الجامعة في مؤسساتها، وتوسيع تمثيلها، وإنهاء حالة المنازعة العبثية بينها وبين السلطة الفلسطينية بما يحفظ سلطتها المرجعية وصلاحياتها واختصاصاتها. كذلك إعادة رسم العلاقة بين المقاومة والتفاوض لشعب يرزح تحت الاحتلال، أولى أولياته المقاومة المدروسة والممنهجة والهادفة، وبكافة أشكالها، وهو حق تكلفه الشرائع الدولية.
كما ترى إن عموم هذه القضايا الهامة، هي مراجعة نقدية سياسية وطنية، لإعادة قطار التحرر الوطني الفلسطيني على سكة الشعب، وصولاً إلى آماله ومصالحه العليا وأهدافه، وهذا هو برنامجنا الوحدوي منذ انطلاقة جبهتنا. ونحن رواده أيضاً منذ أن خرج القطار عن القضبان، نحو إعادة تصويب أوضاع العمل الوطني برمته، بعيداً عن عمليات تسطيح الصراع وتسويق شعارات شعبوية، والخروج من طاحونة الأوهام وشطب الذات والانتحار الذاتي، الحصيلة المنطقية للانقسام وعلى حساب حجم معاناة الشعب الفلسطيني.
أقول بوضوح وصراحة، أنه لا يمكن للحوار أن يمتد إلى ما لانهاية، أما أنه موعد حاسم، ذلك لأن تحسن العلاقات الدولية يلقي بنتائجه الإيجابية على الوضع الداخلي الفلسطيني، وعلى إيقاع الحوار ومعضلاته ومعتركه، كما أن نتائج النجاح بالحوار؛ تزيد من صحة وسلامة الأوضاع العربية البينية؛ في بعد تبادلي.
س2: يرى كثير من الفلسطينيين أن لا جدوى من التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو، خاصة بعد خطاب نتنياهو وإعلانه رفض وقف الاستيطان والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإصراره على بقاء القدس موحدة تحت الاحتلال الإسرائيلي … هل ترى غير ذلك ؟
بيان حكومة نتنياهو في اليوم الأول لمباشرة أعمال حكومته اليمينية المتطرفة ولاءاتها وتصريحات أقطابها، وخطابه في جامعة بار ايلان 14/6/2009، لا يحتاج إلى تعليق أو تحليل سياسي، أو عملية شحذ الذهن للخروج بتحليل أو مفهوم آخر، الرسالة لم تكن صعبة على الفهم، وإن تواصل أقطاب هذه الحكومة بعمليات خداع العالم، بأنهم “لا يجدون الشريك الفلسطيني” والقصد بذلك الإشارة إلى الانقسام الفلسطيني.
لقد ركب نتنياهو على أكتاف الانقسام المدمّر في الصف الفلسطيني، واستثمره لتقديم كل شروط خطابه. ونؤكد رفض شعبنا وقواه الوطنية شروط نتنياهو، ودعوته الجانب الفلسطيني والعربي إلى المفاوضات المكبلة بشروطه.
ودعونا السلطة الفلسطينية والدول العربية إلى رفض المفاوضات بشروط نتنياهو. فلا مفاوضات قبل وقف الاستيطان بالكامل ووقف عمليات تكثيف تهويد القدس، وفك الحصار عن قطاع غزة، ونطالب الإدارة الأمريكية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوقف عربدة وشروط نتنياهو نزولاً عند الحلول السياسية تحت سقف القرارات الدولية.
طريق الخلاص بالخروج من كارثة الانقسام المدمر بالحوار الوطني الشامل وبرنامج القواسم المشتركة السياسي الموحّد، برنامج حق تقرير المصير والدولة والعودة، والعودة للشعب بانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة بقانون التمثيل النسبي الكامل بدون عتبة حسم لضمان الشراكة الوطنية الشاملة لكل قوى شعبنا لإنجاز مهمات التحرر الوطني، وبناء مؤسسات منظمة التحرير بدءاً بانتخاب مجلس وطني جديد وموحّد لشعبنا في الوطن المحتل والشتات بالتمثيل النسبي الكامل، وعليه يتم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة وبرنامج سياسي وطني عملي واقعي على طريق حلول سياسية تحت سقف قرارات الشرعية الدولية للتحرر من الاحتلال واستعمار الاستيطان وتأمين حقوق شعبنا بتقرير المصير والدولة والعودة.
س3: هل تعتقدون أن الرئيس الأمريكي وإدارته سيمارسون الضغط على إسرائيل من أجل تحقيق حل الدولتين، أم أن الحديث الأمريكي من قبل الرئيس باراك أوباما وإدارته سيبقى حبراً على ورق ؟
الرئيس أوباما ذاته هو مَنْ قال: “إن مرحلة الإصغاء لن تستمر إلى الأبد”، والاستنتاج الذي استخلِصُهُ من ذلك: أنه اطلع جيداً وبما يكفي على ملف الصراع بالمنطقة، وخصوصاً موقع القضية الفلسطينية فيها. أي أنه يقطع الطريق على أي تسويف وتنصل حول قضايا “التسوية النهائية”، ورؤيته لدولة فلسطين المستقلة ووقف الاستيطان بالكامل، وبالإدراك فإن الحكومة “الإسرائيلية” المتطرفة ستكون عقدة في منشار هذه الرؤية.
في السياسة نحن نؤمن بالأفعال لا بالأقوال، وهنا المطلوب فلسطينياً وعربياً التمسك بالحقوق عبر لغة المصالح التي يتقنها العدو، لنراقب حركة “ليبرمان”، ليبرمان المعروف بتطرفه وصلفه العنصري، شرح لأوروبا موقف حكومته المعارض لقيام دولة فلسطينية … الخ، المتطرف الصهيوني “أنذر أوروبا أن تقول رأيها في غرف مغلقة، إذا ما أرادت أن يكون لها دور في عملية التسوية …”، ابتزاز وكَمْ أفواه ليس لمتطلبات الشرعية الدولية، بل لمنطق التطرف العنصري وبلغة المصالح الفعالة في العلاقات الدولية.
في جولة المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل للمنطقة مروجاً للتسوية، معلناً “التزام الولايات المتحدة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة”، محذراً من أن “الصراع قد طال أكثر مما ينبغي”، والأهم اعتباره “السلام العادل والشامل مصلحة أمريكية”، مؤكداً أن “مبادرة السلام العربية ستكون جزءاً من الجهود الرامية إلى تحقيق الهدف”، أتساءل هنا أين لغة المصالح العربية؟. بتوحيد الجهود والموقف، والمبادرة العربية تقوم على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، المطلوب إدخال لغة المصالح إلى لغة العرب لتحقيق الهدف، وكسر لاءات الحكومة الصهيونية المتطرفة حول أراضي عام 1967، والقدس والجولان ومزارع شبعا. ومواجهة إستراتيجية نتنياهو، ومناوراته وخداعه لتجنب وتقليص أي ضغط أمريكي، ومن ثم التخلص والتملص من أي ضغط محتمل من واشنطن وخصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. في الواقع ائتلافه العنصري يثير سخط العالم، وحتى ندفع أوباما لربط الأقوال بالأفعال؛ المطلوب إنهاء الانقسام المدمّر، وموقف فلسطيني موحد ومدروس، ومعه موقف عربي موحد بالمواصفات التي عرضناها، وهو ما يقصُّ قرون استشعار نتنياهو للتملص من أي ضغط محتمل، عبر لغة المصالح، وبدون إنهاء الانقسامات المدمّرة لا أفق بانتقال إدارة أوباما من الأقوال إلى أفعال.
سيطبق نتنياهو وحكومته كل أساليب المناورات السياسية والألاعيب اللفظية لتجاوز الصدام مع إدارة أوباما، وبالإدراك أن الرأي العام في “إسرائيل” لديه الإدراك كله؛ بأن مصالحه السياسية والاقتصادية والأمنية هي من خلال الراعي الرسمي لـ “إسرائيل”، وهو لن يقبل بتحدي الإدارة الأمريكية، وهذا ما تدركه واشنطن جيداً.
س4: ازداد في الآونة الأخيرة الحديث من قبل بعض النخب الفلسطينية طرح شعار “الدولة الواحدة على كل الأرض الفلسطينية” بدل “حل الدولتين”، حتى أن بعض القيادات الفلسطينية بينهم أحمد قريع لوّح بهذا الطرح قبل أشهر … هل ترى أن على الفلسطينيين وقواهم السياسية والجبهة الديمقراطية من بينها عدم تبني هذا الطرح حتى في ظل انسداد أفق “حل الدولتين” ؟
المسألة لا تتم بإسقاط “الرغبات والأفكار الذاتية وكأنها خيار مفتوح أمام شعبنا” كما يفعل بعض المثقفين الفلسطينيين بالدعوة إلى “الدولة الواحدة على كل الأرض الفلسطينية” بدل برنامج تقرير المصير والدولة الفلسطينية والعودة، شعبنا والعرب والعالم ليس أمام خيارات متعددة، وعلينا أن نختار، هذا طرح إرادوي ذاتي ساذج جربناه 74 سنة منذ مطلع القرن العشرين حتى عام 1974. نحن والعرب وأصدقائنا في العالم، فماذا حصدنا … النكبة وضياع البلاد وتشرد العباد، وعليه استخلصنا أن الممر الإجباري لدولة ديمقراطية موحدة على كل الأرض الفلسطينية هو البرنامج الوطني المرحلي ولا بديل آخر سوى الضياع الكامل.
بهذا الصدد يمكن العودة إلى الضوء الذي يلقيه ويركّز بؤرته رئيس الكنيست السابق ابراهام بورغ، ومنها محاضرته الأخيرة وتشبيه “إسرائيل” بـ “الشيطان الأكبر” بسبب “ممارساتها العنصرية والفاشية”، المحاضرة تحت عنوان “المخاوف والمواقف وأثرها على الصراع في المنطقة”، ينتقد فيها بموضوعية الممارسات الإيديولوجية الإسرائيلية العنصرية، مشيراً ضمن محاضرته بأن: “إسرائيل قامت من أجل حل القضية اليهودية، لكنها لا تزال عالقة بالماضي وتؤسس علاقاتها مع الآخر على خوف الإسرائيليين من بيئتهم وكأنهم في أوروبا في القرن التاسع عشر”. وقد سبق أن أصدر كتاباً في عام 2007 “أن ننتصر على هتلر”: “إن العجيبة التي شهدتها الكارثة لا تكمن بنجاة جزء من اليهود، بل بوجود أوساط إنسانية في الطرف الآخر ساهمت في إنقاذهم وإنقاذ الكرامة الإنسانية” متسائلاً: “هل لدينا مثل هذه الأوساط في تعاملنا مع الفلسطينيين في نابلس أو في سخنين ؟”.
الاحتلال الكولونيالي ودولة الأبارتيد ومآلاتها العنصرية؛ وعدم مبالاتها في صورتها أمام العالم. الفلسطينيون في عام 1948 يعادلون نسبة 20 بالمئة من الإجمالي العام، والمؤسسات الحاكمة في “إسرائيل” تعتبرهم “فائض حمولة” أمام “يهودية الدولة” بالتمييز على مختلف أوجهه بما فيه الاقتصادي والاجتماعي، لأنهم نقيض الفكرة الصهيونية التي قامت عليها الدولة، باعتبارها “دولة اليهود أينما كانوا”، ويوفر ذلك “قانون العودة” الأساس “القانوني” لهذه الممارسة العنصرية، وصولاً إلى إشهار “الترانسفير” وإعلانه.
إن الوصول إلى طرح “شعار الدولة الواحدة على كامل الأرض الفلسطينية التاريخية”، لا يمكن تحقيقه في المنظور المرئي أو المرحلي، سواء كان دولة لكل مواطنيها، أو دولة ثنائية القومية لا يمكن تحقيقها قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس على أراضي عام 1967، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، كي لا يكون هذا الهدف ملهاة جديدة وهروب من واقع الذات، نحو ترف غير واقعي ومرئي راهناً، وهي شبيهة من موقع معاكس للخرافة الصهيونية المسوّقة بأن “اليهود عاشوا رغماً عن التاريخ وليس بفضله” الأطروحة المضادة لمقولة كارل ماركس في كتابه “المسألة اليهودية” “الاستمرار بفضل التاريخ وليس رغماً عنه”. حيث أنه لا يقفز عن الطبيعة الجوهرية للصهيونية، قبل تحقيق أهداف هزّها وكسرها، والوصول للأهداف “بفضل التاريخ وليس رغماً عنه” ! …
س5: يعتقد كثيرون أن المبادرة العربية للسلام ستتعرض للتعديل خلال الفترة القادمة جراء الضغوط الأمريكية على الدول العربية والسلطة الفلسطينية، هل تتوقعون حدوث ذلك ؟
أشرت في الإجابة على سؤال سابق بأن مساعدة أوباما، تقوم على التمسك العربي بالحقوق وبحرفية المبادرة العربية، وأن “التوازن” نجده ليس بالتنازلات، بل بلغة المصالح. نرفض وسنرفض أية محاولات متجددة للتنازلات، بما فيها تقديمات الهرولة والتطبيع. مسبقاً أقول سترتفع أصوات من هنا وهناك، تطالب بـ “إجراءات تعميق الثقة” أو أية مفردات أخرى مثل “تسهيل مهمة أوباما” بتقديم “مقاربة جديدة”، مجموع هذه “المسوغات” مرفوضة، لأن المقاربة “الأكثر توازناً” مطلوبة من الإدارة الأمريكية ذاتها، لأن “إسرائيل” دولة احتلال، وفق قرارات الشرعية الدولية، وهي التي تهدد الاستقرار ليس في المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم.
س6: تذكر كل من فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في غزة وجود معتقلين سياسيين لديهما، هل تتفق مع هذه التصريحات، وهل أنتم قلقون من التضييق القائم على الحريات العامة في الضفة وغزة ؟
لقد عبرت اللقاءات بين الجانبين في قطاع غزة ورام الله عن ذلك، في تبادل الإفراجات والقوائم، ومن جانبنا نشجب بشدة أي ممارسات تطال حرية الرأي، أو التعبير السياسي، وأي مسّ بحقوق الإنسان الفلسطيني من أي طرفٍ كان، بما فيها الممارسات التي تمتهن كرامة الفرد والمواطن الفلسطيني لأي سبب كان، وبخاصةً بسبب الرأي السياسي والضمير، فهي ممارسات نرفضها وندينها، بل نقوم بفضحها من أجل استئصالها حيثما كانت وحلت، وآن لها أن تستأصل.
الكثير من هذه المعلومات التي تذاع والتي تسمعونها من الجانبين صحيحة، وتتابعها المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، لقد شاهدنا الصورة البشعة إبان السيطرة على قطاع غزة في ذروة الانقسام الفلسطيني والاقتتال، ولذا على الجانبين أن يتوقفوا فوراً عن الاعتقال السياسي والاعتقال الأمني، والقضايا الجزائية تحال إلى القضاء إلى المحاكم سواءً بالضفة الفلسطينية أو قطاع غزة، ومفترض من الجانبين أن يفعلا ذلك لإيجاد مناخ إيجابي من أجل أن نخطو خطوات إلى الأمام على طريق الحوار الوطني الشامل ووصوله لأهدافه.