الرئيسية » شؤون كوردستانية » تركيا متأخرة تعود إلى جادة الصواب

تركيا متأخرة تعود إلى جادة الصواب

كانت قناعة راسخة, بأن القومية الكردية بحجمها الجغرافي والبشري والتاريخي ,اكبر من أن يفترسها الآخرون, حتى لو نجحوا في خدشها , فما يضير الفيل عضة ذئب أجرب , ولكن هو التعصب العرقي الذي يصم الأذان ويعطل العقول , فلا يعود أصحابها يسمعون النصح والإرشاد , حتى يعترفوا لأنفسهم أنهم عاجزون أمام الحقيقة الكردية , ليكفوا عن مناطحة الجبال,ويدركوا أن حقدهم الأسود وأدوات قوتهم لا تمكنهم من النيل من الحقيقة الكردية الراسية في الوجود , ولو أنهم استعانوا بمثقال ذرة من عقولهم , لكان من السهل عليهم التخلي عن فكرة اقتناص شعب ممتد عميقا في الوجود, خاصة أن زمن الغزوات والغنائم قد انتهى, ولم يعد من السهل على الإنسان أن يلغي إنسان أخر لمجرد اختلاف الألسن والأعراق .
نحن نتحدث عن البشر وليس عن كومة فئران يمكن تصفيتها, ولو تسنى لهم تصفية القومية الكردية ما تأخروا ولا قصروا , ولكن مثل هذه الفرصة لم ولن يحظى بها, أباطرة وجبابرة وطغاة وجحافل جربوا النيل من الحقيقة الكردية حتى تمزقت فتحات شرجهم من كثرة المحاولة , فكان زوالهم واندثار دولهم وخلود الأكراد ,وفي الأزمنة الحديثة استخدموا احدث وسائل القتل والإبادة وطبقوا أبشع عمليات الصهر القومي , و لم تتغير النتيجة فقد بقي الفيل الكردي في مكانه وطيدا , لو اعتبر هؤلاء الظالمون من تجارب الأمس واليوم لأدركوا أن إنكارهم للهوية الكردية لا يعني إلغائها, فالحقيقة موجودة حتى لو تجاهلها الآخرون , وكذلك لأدركوا أنهم غير قادرين على إنهائها , حينها كانوا سيقتنعون بضرورة الاعتراف بها , وعندها ما كانوا يعدمون وسيلة ليجدوا حلا عادلا للمسالة الكردية , وكان ذلك سيوفر عليهم وعلى دولهم وشعوبهم فواتير باهظة تهدر هباءا منثورا على حروبهم الخاصة التي رغم طول مدتها قد فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها الإستراتيجية في القضاء على الشعب الكردي .
وأخيرا على ما يبدوا أن الأتراك فقدوا الأمل في حربهم القذرة المستمرة ضد الشعب الكردي منذ 80 عام أن تنجح في مكافحة هذه المساحة البشرية الضخمة , كما أدركوا أن الحرب تكلفهم أثمان باهظة في الأرواح والأموال والسلاح , وتقف عقبة محورية أمام طموحاتهم في التحول من دولة متخلفة إلى دولة راقية , وتجبرهم على تقديم تنازلات سياسية وعسكرية إلى الدول الأخرى لضمان مشاركة هذه الدول لها في حربها العدوانية ضد القومية الكردية , حيث ليس بمقدور تركيا الصمود أمام كفاح الشعب الكردي دون التغطية الميدانية و السياسية و العسكرية والمالية من حلفائها, ومع كل هذا الدعم الأسطوري, فان تركيا طفل الغرب المدلل لم تحقق انجازا طوال عشرات السنين , لتبقى عالة عليه تحرج موقفه أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي , حيث تبين للغرب نفسه أن الديمقراطية التركية ديمقراطية انتقائية عرقية متاحة للعنصر التركي دون غيره من القوميات الأخرى في الدولة , مما جعل دعاوى الأتراك في التحول الديمقراطي محل شبهة لدى شركائها الأوروبيين , الذين لا يخفون امتعاضهم من روح الغطرسة والعنجهية لدى الدولة التركية التي لا تكف عن المطالبة بضرورة تسريع ضمها إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تتملص فيه من الالتزام بمعايير ماستريخت , فهي تريد القبول بها على علاتها كدولة فاشية شوفينية عنصرية مبنية على أسس عرقية وليس على روح الدستور وحقوق المواطنة المعمول بها في الدول الأوروبية والتي تضمن المساواة بين سكان الدولة ليعبروا بحرية عن هويتهم العرقية والدينية دون تمييز , وهذا ما يثير قلق كبار زعماء أوروبا كالمستشارة ميركل والرئيس ساركوزي من أن دخول تركيا إلى قطار أوروبا قد يؤدي إلى تلطيخ الديمقراطية الليبرالية الغربية بأوساخ نظام الاستبداد الشرقي, وفي ذلك تهديد للقيم الغربية ,وإذا لم تبادر تركيا إلى معالجة مشاكلها الأساسية فان أوروبا لن تقبل بها حتى لا تنتقل عدوى التخلف الإسلامي إلى مجتمعاتها الراقية , ولسؤ حظ تركيا فأن مسالة كردستان الشمال أصبحت الامتحان الحقيقي أمامها حتى تبين عمليا أنها جادة في نواياها بالتحول من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي ومن الدولة العرقية- العسكريتارية إلى دولة المواطنة – المدنية , ولكل هذه الاعتبارات فقد أخذت بوصلة السياسة التركية تبدل اتجاهها , مدفوعة بضرورات المرحلة التي تحتم على الحكومة أن تكون أكثر واقعية في التعامل مع الملف الكردي , بعد أن ثبت تماما أنهم لن يفلحوا في النيل من الشعب الكردي وانه من العبث الاستمرار في هذه السياسة الفاشلة , التي لم تعد مناسبة لأية دولة تتطلع إلى مستقبل أفضل لشعبها .
من هنا اضطر الرئيس التركي ع . گول إلى التصريح بضرورة إيجاد حل سلمي للمسألة الكردية , بعد مزيدا من الكوارث والمآسي الإنسانية التي لحقت بالشعبين الكردي والتركي , وبعد إتلاف مقدرات الدولة لتغذية حربها الخاصة ضد القومية الكردية , وبعد حرمان أجيال عديدة من الفوز بفرصة مستقبلية أفضل جراء تسخير غالبية الموارد لخدمة المشروع الطوراني الرامي إلى مكافحة القومية الكردية حيث تصرف مليارات الدولارات على تنمية الجيش والأجهزة الأمنية والعمليات العسكرية المستمرة,مما دفع بالأتراك إلى إهمال معالجة القضايا الحقيقية التي تواجههم , حتى تحولت إلى أزمات مستعصية ,هذا لان هوس الأتراك ببناء الدولة العرقية لم يسمح لهم بتوقع نتائج سياستهم العدوانية التي ستكون عواقبها وخيمة على الجمهورية التركية نفسها , نعم اتكل الأتراك على حلفائهم , فأخذتهم روح الغطرسة واعتقدوا أنهم بذلك قد حققوا تفوقا استراتيجيا على القومية الكردية, وقد غاب عنهم أن للشعوب المقهورة إستراتيجيتها الخاصة وقوتها الذاتية التي تمكنها من الانتصار على اعتى الدول , فإذا بعناصر قوة تركيا تتحول وبالا عليها ، فالمسالة الكردستانية شقت طريقها إلى التدويل والشعب الكردي يعيش أوج قوته واندفاعه غير عابئ بآلة الحرب التركية, فقد جربوا ضده اكثرالخطط العسكرية والسياسية ذكاءا, ولكنها باءت بالفشل , نعم اليوم تركيا وحلفائها الأقوياء يقفون عاجزين أمام إرادة الشعب الكردي , ولهذا لم يأتي تصريح گول عن عبث ,بل لان حلفاءه قد بينوا له انه لم يعد ممكنا بعد الآن تصفية الشعب الكردي وانه لا جدوى من استمرار الحرب العبثية إلى الأبد , ما يعني أن الحرب الخاصة وان جلبت المآسي للشعب الكردي إلا أن مسارها اخذ بالتحول إلى خدمة قضية هذا الشعب , وبالتالي ليس من منفذ أمام تركيا سوى الإسراع إلى إعلان مبادرة من اجل حل سلمي لمسألة كردستان الشمال لان تأخر الحل يزيد رصيد القومية الكردية عسكريا وسياسيا مما يسمح لها بفرض شروط أفضل في المفاوضات المستقبلية , وهذا ما لا يريده الغرب الذي يخاف منح الأكراد فرصة جديدة فيعودون إلى لعب دورهم التاريخي الذي لعبوه سابقا في تغيير مصير المنطقة بالحقبة الإسلامية .
والسؤال طالما الأتراك كانوا يدركون منذ البداية باستحالة مكافحة القومية الكردية ,فلماذا أصروا على الاستمرار في ارتكاب هذه الجريمة التاريخية , الم يكن من الأفضل أن يأتي الحل السلمي من أتاتورك بدلا من تلميحات گول الحذرة والخجولة ,أن طرح الأتراك لمشروع الحل السلمي يعني إقرارهم بارتكابهم لأبشع جريمة ضد الإنسانية على مدى قرون كاملة , وإذا كانت ثقافة الشعب الكردي تنبذ روح الانتقام وتبدي القدرة على التسامح, إلا أن العدالة تقتضي محاكمة تركيا ولو محاكمة أخلاقية – معنوية على جريمة كلفت الأكراد والأتراك انهار دماء وجبال من الدمار , من حق المواطن الكردي والتركي محاسبة جمهورية أتاتورك ماذا أنجزت من حربها الخاصة غير المآسي , وتدمير المدن والقرى الكردستانية والتخريب الوحشي لطبيعتها الجميلة في الشمال والجنوب , وتهجيرها للأهالي إلى المتروبولات, إلا تستحق شعوب تركيا اعتذارا من الحكومة التركية على هذه الجريمة, وذلك بإعلانها التخلي عن الطورانية كإيديولوجية رسمية للدولة , و سن دستور ديمقراطي عصري يقر بتعدد الأعراق والأجناس والأديان, ويعترف دستوريا بالقومية الكردية, كخطوة أولى نحو الاتجاه الصحيح , لعلها تكون سابقة تقتدي بها الأطراف الأخرى من لها علاقة مماثلة بالمسالة الكردستانية ليصار إلى معالجتها وإنهاء ملفاتها الساخنة , التي تمارس فعلها المؤثر في الأحداث الإقليمية والدولية .