الرئيسية » مقالات » ساعة خارج البيت

ساعة خارج البيت

مقدماً أهدي هذه الموضوعة المتواضعة لأبناء شعبي، وأخص منهم الأهل والأصدقاء: نبراس، أفياء، ميس وزينب، عباس، علي، حيدر، وصاحب-أبو زهراء- و-أبو زاهد- وغيرهم من أعزاء…، وأعتذر لعدم ذكر الجميع.
بسبب البعد والغربة ونعمة التطور العلمي والتكنلوجي، نجد المواساة في التواصل مع الأهل والأحبة من أصدقاء قدامى وجدد عبر الأنترنت. هذه اللقاءات وخاصة مع الداخل في الوطن تشوبها الكثير من الصعاب. بسبب ضعف الأنترنت في العراق، وأنقطاع التيار الكهربائي، تضيع علينا متعة التواصل وتشتت الأفكار، فأثناء تبادلك الحديث المتواصل عبر المسنجر لا تعرف متى غاب صاحبك وأنقطع البث معه بسبب أنقطاع التيار الكهربائي أو خروجه من النترنت أي- دائرة البث-. وهكذا نفقد لذة تبادل الأحاديث والأخبار.
وخلال هذه الأحاديث أجد رغبة الأهل والأحبة في معرفة عالمنا الغريب. كيف نعيش، ماهي حقوقنا، واجباتنا، العلاقات الأجتماعية، التقاليد، وكيف نوفق بين تقاليدنا والتقاليد الأوربية، وغيرها من تساؤلات. وأحس من خلال أحاديثهم الحسرة والألم. ولم يكن حديثي معهم هدفه هذا، وأنما الغرض منه التحريض وتوعيتهم بحقوقهم ومقارنتها مع ما منحته الدول المتحضرة من حقوق لأبناء شعبها دون منة وتقديس للقيادات، شخصية كانت أو جماعية –حزبية-.
هنا في السويد لم نسمع يوماً في أي أحتفال أن يهتف الحاضرون بحياة الملك أو رئيس الوزراء. وأخبار رئيس الحكومة لا تتعدى كونها أخبار لنقل مايحدث وما ينجز وفهم سياسة الحكومة وليس للدعاية الشخصية وتقديس الفرد. هنا لا توجد مالية خاصة يتبرك بها رئيس الوزراء أو الملك على أبناء شعبه. بل توجد مؤسسات أجتماعية حكومية وأهلية تمنح هذه المساعدات وفق شروط واضحة لا يجوز التجاوز عليها. لأن هذه المنح والمساعدات هي من الدولة وليس من -مال أبو- رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، فهي بالنهاية من مال الشعب، هل يفهم هذا من يمنح الهبات في العراق بأسمه الشخصي!
الأحاديث كثيرة ومتنوعة، مؤلمة وحزينة، وتختلف من شخص لأخر حسب أهتماماته ووضعه الأجتماعي والأقتصادي. الحديث مع البعض ممتع وآخرون يكون الحديث معهم ممل ومتعب بسبب ما يحملوه من أفكار جذورها مرتبطة بالحملة الأيمانية البعثية وتغذيها الآن الحملة الأيمانية الطائفية!
خرجت من البيت لأتنزه وأريح فكري وجسدي من جلسة طويلة وأنا أمام الكومبيوتر، بين الكتابة، والأطلاع على رسائل الأصدقاء والأجابة عليها، والأطلاع على المواقع، وتنظيف البريد من رسائل المواقع -الحشرية- للأسف التي لا ينفع الرجاء معها في الكف عن أرسال ما تنشره مواقعهم ويومياً وبالعشرات. أو بعد جلسة طيبة مع أحد الأقارب لسماع آخر أخبار الأهل، أو حديث ممتع مع صديق أوصديقة تعرفت عليهم حديثاً. خرجت لأستريح وأنا مهموماً لما يعانيه الجميع في الوطن. وكل ما يبثونه من هموم أعرفه وعانيته خلال سفرتين للعراق كل سفرة أقمت فيها 3 أشهر، وهي كافية للتعرف، على الفساد والأستهتار في الدوائر، وسوء الخدمات، والنقص في المواد الضرورية، مستوى التعليم وتدهور المؤسسات التعليمية على كل المستويات، الأخطاء وسوء التربية في البيت أو المدرسة أو الشارع!
كثيراً ما ينطبق المثل التالي على عراقنا الحبيب (الحرامي والمفسد المناسب في المكان المناسب)، وللأسف أن محاربة الفساد والمفسدين هي مجرد شعار لخداع أبناء الشعب أو الأقتصاص من –الأعداء والمعارضين- السياسيين!!؟. أنها أوضاع يشيب لها القلب قبل الرأس. لذلك ترى أبناء شعبي أن أعمارهم الجسدية والصحية سبقت أعمارهم الزمنية بمقدار رهيب! وهكذا كتبت هذه الخاطرة المطولة بعد أن تجمعت هذه الأفكار في مخيلتي وأنا أسير في شوارع مدينتي لوند.
منذ شبابي كنت أحب مراقبة حركات الناس وتصرفاتهم وبدون أن أتدخل في التأثير عليهم. أتذكر في السجن كنت أجلس أراقب بعض الزملاء وهم يحلقون ذقونهم، أو يمارسون هواياتهم الفنية كالرسم أو النحت أو تنظيم أماكنهم! وقد تطول جلساتي هذه في المراقبة بسبب كثرة الزملاء الذين يتواجدون في القاعة وكل واحد منهم لاهي في عمل ما.
وعندما درست في بولونية، وكلما أرتدت أحدى المقاهي أو المطاعم، فلابد من أن أختار مكاناً يسمح لي في مراقبة مايدور في المقهى أو الشارع. واذا ما سافرت في القطار أو الباص كنت ومازلت كالأطفال اسرع بين الركاب لأحتل كرسياً بجانب الشباك. حيث أتمتع بمراقبة المسافرين في المحطات التي يتوقف عندها القطار أو الباص، أضافة إلى متعة الطريق وما نمر به من مناظر طبيعية جميلة تبقى راسخة في الذاكرة ما حييت.
وأنا أسير أقطع الشوارع بدءاً من دارنا الواقع في منطقة كلوستركودن أي -حديقة الدير-. وكلوستركوردن منطقة جميلة تحوطها الأشجار، وطرق التنزه المخصصة للمشاة وهواة الركض، وهي هادئة بسبب بعدها النسبي عن مركز المدينة وما يصاحبها من ضجيج وتلوث في الجو لكثرة السيارات.
أختار طريقاً مشجراً يمر عبر أحد أكبر وحدات المراكز الرياضية في المدينة. حيث ملعب كبير لكرة القدم أضافة لملاعب صغيرة بالقرب منه. كذلك قاعة التزلج على الجليد الجديدة التي تم إنجازها العام الماضي بدل القاعة القديمة. وبناية أحد أكبر البنوك.
وبعد عبور سكة القطار –القادم من وإلى مالمو- من تلك المنطقة أصل إلى أكبر المسابح في المدينة، مسبح الأمواج العالية!!؟. لأربعة سنوات كنت أتردد عليه من خلال شرائي بطاقة أشتراك سنوية قدرها 750 كرونة والان أصبح سعرها 1050 كرونة أو أكثر. وللأسف لم أشترك في هذه السنة على أمل أنتقالي من المدينة والذي أكتشفت أنه من الصعب تحقيقه بسبب صعوبة الحصول على سكن في مالمو.
كنت في بداية أشتراكي في المسبح لا أجيد السباحة، والتي تعلمتها قبل أن أبلغ الستين من العمر، فكنت أكبر متعلم بين زملائي حتى أن أحدى الصحف المحلية صورتني وكتبت عن ذلك. ورغم أستيعابي لملاحظات معلمي في السباحة، لكنني كنت لا أسيطر على أنفعالاتي وردود فعلي ورهبتي وأنا في وسط الماء. وكان هذا ينهكني بسبب ما أبذله من جهد في الصراع وسط حوض السباحة من أجل أن أطفو أو أن أتقدم بسباحتي عدة أمتار. لم تكن أمكانياتي في السباحة تتجاوز في البداية التقدم خمسة أمتار، فأحس بعدها وكأني عبرت المانش بسبب الأرهاق وما يسببه من تسارع في دقات القلب!
وكثيراً ما كنت أعود إلى البيت ضجراً بسبب كثرة الأطفال، ألتي تحول بين أمكانية السباحة بهدوء. بعضهم يراقبني وعلى وجهه ترتسم الأبتسامة الخبيثة، وآخرون يتعاطفون معي فيفسحون لي المجال من دون مضايقة. الخبثاء من هؤلاء الأطفال، يتظاهرون باللعب فيما بينهمن والحقيقة هم يحاولون خلق صعوبات أضافية لي من خلال ما يثيروه من حركة في الماء تشبه الأمواج العالية، فأضطر إلى التوقف، وقد أبتلعت كمية من الماء المشبع بالكلور، الذي يسبب لي السعال والأختناق وقد أحمر وجهي وجحضت عيناي، حينها أرى إبتساماتهم الخبيثة المتبادلة فيما بينهم!؟.
ورغم كل هذا لم أحس بالحقد على هؤلاء الصبية، وودت لو شاركتهم لعبهم. لكن الحسد والألم يأكلني، فأتساءل مع نفسي: لم هؤلاء الصبية سعداء ويتمتعون بكل هذه الوسائل الترفيهية، بينما أطفالنا محرومون حتى من ماء الشرب الصحي أو من شوارع آمنة نظيفة جميلة!؟ ألأنهم أبناء –قردة وخنازير-!؟ كما يصف بعض الأسلاميون المتشددون شعوب الدول الأوربية من يهود ونصارى!؟. ولكن هل الله فضل هؤلاء –أبناء القردة والخنازير- على أبناء الدين الحنيف فمنحهم كل هذا الخير والهناء وحَرَمَ أبناءنا من أبسط حقوق الحياة!؟
المسبح يتألف من ثلاثة أحواض واسعة. أحدهما مخصص للأطفال وتلامذة الأبتدائية والحضانة وللمبتدئين في التعلم. لايزيد عمقه على 140سم، وقياسه 10مX15م. حوض السباحة الأكبر25م X 35م ، وقد فصل من وسطه بحاجز خيطي لعزل القسم المخصص للعب الأطفال عن القسم الأعمق والمخصص للسباحة لمن يجيدها. وفي الجزء المخصص للأطفال أسس في أحد جوانبه واسطة للتزحلق، عبارة عن نصف مقطع طولي لأنبوب يلتف حلزونياً نزولاً من الطابق الخارجي العلوي للمسبح وحتى سطح الماء. هذه وسيلة يلهو بها الأطفال والشباب على حد سواء، حيث ينزلقون بفعل الماء الجاري في هذه الواسطة وحدّة أنحدار الدورة الحلزونية التي تنتهي فوق سطح الماء بـ 30سم. أضافة إلى هذا ففي هذا القسم من المسبح ولمدة عشرة دقائق على رأس كل ساعة، يدق جرس الأنذار يعلم من في المسبح لأخذ حذره لأن الموجات القوية سوف تجتاح المسبح تدريجياً. يترك المسبح من لا يجيد السباحة وأنا في مقدمتهم، ويبقى من يحب وقادر على السباحة وسط الأمواج العاتية أو الأطفال الذين يحبون اللعب في المنطقة المخصصة لهم.
أما حوض السباحة الثالث فهو نظامي معد للسباقات الخاصة بالقفز الأستعراضي أو للعبة كرة الماء وغيرها، وهو أصغر قياساً (25مX15م) من حوض السباحة الكبير، وعمقه 3م أو أعمق.
وفي المسبح حوض كبير يسع لخمسة وعشرين شخصاً للجلوس والأسترخاء، والتمتع بمائه الساخن مقارنة بماء أحواض السباحة، أضافة إلى تيار الماء المضغوط والذي يخرج من فتحات على جوانبه، لتكون بمثابة جهاز تدليك لعضلات الظهر أو أي جزء من أجزاء الجسم. يلتجأ إليه مرتادوا المسبح للاستراحة من شوط السباحة للأسترخاء وتداول الحديث مع زملائهم من رواد المسبح أضافة لما تضفيه عليهم عملية التدليك من نشاط متجدد.
إضافة إلى ذلك فهناك غرفتان كحمام بخاري –صاونا- تزيد حرارة الجو فيها على 75 درجة مئوية، أحداهما جافة والثانية مشبعة بالبخار. حيث يمكن أن نأخذ في الصاونا قسط من الراحة والتعرق في فترات الأستراحة بين أشواط السباحة. وهذه الحمامات لها فائدة في تنشيط الدورة الدموية وكذلك في منح الأوردة والشرايين قدرة مطاطية في التمدد والتقلص لتتكيف حسب الظرف المناسب، فيما لو عرف كيف يستفاد من هذا الحمام البخاري.
تطورت وتحسنت أمكانيتي في السباحة. فبعد أن كنت عاجزاً عن السباحة لعشرة أمتار دون أن أتوقف للأستراحة وأستعادة أنفاسي، أنا الآن يمكنني أن أسبح أكثر من 400م دون توقف!. ولكن مع هذا فأنا مازلت أتهيب في القفز إلى الماء. وقد جربت ذلك مرة مع صديق، بعد أن تراهنا فيما بيننا، من يفشل يدعو صاحبه للغداء على بامية ورز! وهكذا قفزنا من أرتفاع متر واحد!. أحسست حينها وكأني غصت في أعماق بحر مظلم، وشعرت بالخوف وبدأت أكافح للخروج من العمق وبحركات ألله أعلم أنها كانت كحركات مستغيث يائس فقد أمله بالنجاة! حتى طفوت على سطح الماء، وعلامات الرعب والخوف مرسومة على وجهي وكذالك صاحبي هو الآخر عاني من هذه القفزة المتهورة!. ومنذ ذلك اليوم لم أتجرأ على القفز إلى الماء، حتى لم أحاول تجريب ذلك رغم تحسن أمكانياتي في السباحة. ليس هذا حسب أني حتى أتجنب من غمر رأسي تحت الماء! يا لي من سباح جبان! ولكن رغم جبني هذا فأني أحببت السباحة وأني لنادم لعدم أشتراكي لهذه السنة. فالسباحة كانت تأخذ من وقتي بحدود 3 ساعات أعود بعدها للبيت وأنا أحس بالراحة النفسية وأقبل على إداء بعض واجباتي بنشاط عال.
هذا المسبح يقع على بعد عشرة دقائق عن البيت مشياً على الأقدام. تحيط من جانبه الخلفي واحدة من أكبر وأجمل حدائق مدينة لوند المسماة فولكتسبارك أي-حديقة الشعب-. وقد خصصت إدارة البلدية ناحية صغيرة في أحد جوانبها محاطة بسياج ومرتبطة بغرف جعلتها مكان لبعض الطيور والعصافير وأنواع مختلفة من الدجاج. وتتوسط الحديقة بحيرة اصطناعية صغيرة يسبح فيها أنواع البط والوز والنوارس أضافة إلى بعض الأسماك، والتي لم أعد أشاهدها للأسف بسبب تلوث الماء. والحديقة مكان جميل تنشرح فيه النفوس يقضي فيه الجميع أوقاتاً جميلة في التنزه أو الأستراحة ومراقبة مجاميع الكهول والشيبة رجالاً ونساءً وهم يلعبون لعبتهم المفضلة –لعبة الكرات الحديدية-. حتى الطيور من البط والأوز والبلابل تجد في هذه الحديقة مكاناً آمناً، فهي تستريح وتتمتع بالطبيعة وما توفره لها من أجواء، كما أن هذه الطيور على أنواعها أضافة للورود والزهور المنتشرة في ألواح الحديقة تضفي منظراً رائعاً يكون سبباً في أنشراح النفوس والتمتع بجمال هذه الحديقة.
كل هذه الأفكار جالت في مخيلتي وأنا أقطع المسافة من بيتنا حتى الفولكتسبارك. وقد أجتزت الحديقة حتى وصلت الشارع العام الذي تعودت أقطعه وأنا في إتجاه مركز المدينة. شارع عادي لا يتميز باي خصوصية، ماعدا بعض المحلات على جانبية والتي تزداد جاذبية كلما أقتربت لمركز المدينة. حركة السيارات الخاصة وباصات النقل العام لا تتوقف، لكن مايميزها عن بلادي، أنها تسير دون أستعمال المنبه. اني أجزم هنا أن ماسمعته من منبهات السيارات في مدينتي كربلاء خلال دقيقتين في أحد شوارعها العادية يعادل عشلرات المرات من صوت المنبهات التي سمعتها هنا في السويد خلال أقامتي عقدين من الزمن!!؟ لذلك كنت أسير هادئاً دون أثارة للأعصاب بسبب أستعمال منبه السيارة، إضافة لحركة السيارات الملتزمة بالسرعة القانونية ماعدا بعض الخروقات من بعض الطائيشين.
أسير على الرصيف وأتطلع في وجوه المارة من الفتيات والفتية، عليّ أرى في الوجوه وجوها تشبه وجوه أبناء وطني من الأحبة الذين أتحدث معهم!! . لكنني كنت أرى وجوها باسمة، بعضهم يسير منفرداً، أخرون يسيرون مثنى وثلاث ونادراً أكثر من ثلاثة. أمهات تدفع بعربات أطفالها وهي في طريقها للتبضع. العاملون في قسم الرعاية الأجتماعية، يؤدون وظيفتهم على أحسن وجه. أراهم وهم يدفعون عربات المعاقين جسدياً، أو كبار السن الغير قادرين على السير بسبب تقدم السن. وهم يحدثون مرضاهم بلطف وحنان ويتعاملون معهم بكل أنسانية تضاهي أنسانية عوائلهم.
كلما سرت في الطرقات وكلما جلست في شرفتي بالشقة في الطابق السابع، لأتمتع بجمال المناظر الخلابة التي تمتد على مدى البصر، حتى أني في الليالي أرى أضوية مدينة مالمو التي تبعد عني 25كلم!ؤءءء. حيث المسافة الواسعة الممتدة من الأشجار ذات الألوان المختلفة والزاهية فتزيد المنظر جمالاً. وصوت الشحرور –Koltrast-(1) يطرب السامع بأغاريده الجميلة بعد أن يختار موقعاً عالياً ومتميزاً فوق الأشجار أو ابنية المنطقة العالية. وربما يستعرض صوته الجميل ليجذب له رفيقة أو رفيق. هذا الشحرور يذكرني ببلابل وطني، له صوت جميل ومشابه لصوت بلابلنا لكنه أقوى ويصل إلى مديات أبعد. هو أكبر حجماً من البلبل العراقي، يمكن القول هو بحجم –الزرزور-، لونه أسود وله منقار برتقالي اللون.
قبل سنوات عندما كنت أسمع تغاريده وأنا وسط الحديقة أو في منطقة كثيفة الأشجار، أقف لأبحث عن هذا الطائر ذو التغريد الجميل لأتعرف عليه، ولكن دون جدوى. أغاريده العذبة تصل إلى مسامعي وتهيج فيَّ ذكرياتي عن الوطن وبساتين كربلاء، ولكن لم أفلح في رؤيته. وبعد أنتقالي لهذه الشقة العالية وأشرافها من علو على المنطقة وأشجارها، أزداد فضولي لرؤية هذا الطائر ذو التغريد العذب. أنه يتحفنا بأغانيه منذ الساعات الأولى لفجر كل يوم ولساعات دون كلل فيذكرني بدور الديكة في بيوتنا القديمة وهي تعلن بداية نهار جديد، كذلك في النهار والأماسي ولكن أقل حماساً عما ينشده مع بدايات الفجر.
في أحد الأيام جلست في شرفتي لأحتسي القهوة كالعادة صباح كل يوم مع زوجتي وأغاريد ذلك الشحرور تداعب مسامعي وتطربني وتزيد فضولي للتعرف عليه، أحسست انه قريب مني فبحثت بين الأشجار الباسقة عليّ أراه، أخيراً وجدته يقف على أعلى غصن من أعلى شجرة، وأكتشفت لأول مرة أنه طير أسود كالغراب ولكن شتان بين صوته وصوت الغراب. كان هذا الشحرور –ربما هو أو شحرور آخر- ديدنه يومياً أن يختار نفس الغصن العالي وفي نفس الوقت، لينشدنا أغانيه العذبة وكأنه يرتقي مسرحاً أعتاد عليه ليطرب مستمعيه من سكان الحي.
كل هذه الصور تنقلني للمقارنة مع ما يحدث في بلادي -بلد وادي النهرين-. وأحس بالغصة وأنا أتحدث عبر المسنجر أو التلفونات بين الطيبين من الأهل والأصدقاء، وهم يشكون مشكلة الماء والكهرباء والخدمات الأخرى الضرورية لأبسط مقومات الحيات الأنسانية الكريمة. يسألني البعض كم ساعة تتمتعون بالكهربا؟ فأجيب والألم يعتصر قلبي: هنا في بلد الكفار أنعمت عليهم دولتهم بالكهرباء دون أنقطاع، وأذا ماقررت دائرة الكهرباء لسبب فني قطعه فهي تعلم سكان المنطقة قبل فترة وتحدد ساعة الأنقطاع! وخلال أقامتي التي جاوزت العقدين لا أعتقد أن مجموع ساعات الأنقطاع جاوزت 5 ساعات!
في السويد لايوجد أولياء وأئمة ولا شعب يترك واجبه الوظيفي ليؤدي صلاته ليخدع ربه قبل أن يخدع مواطنيه بأنه متعبد تقي ومؤمن. أنهم يؤمنون بالفرد وطاقاته وأخلاصه ووطنيته دون مزايدات ظاهرية أو أستعراضية، كما يقوم بها الآن هؤلاء الذين كووا جبينهم وأمسكوا بمسابحهم السوداء الطويلة وهم يسبحون بحمده وقد زانوا أصابعهم بخواتم الفضة المرصعة ببعض الأحجار.
وفي السويد لاتوجد حكومة ومراجع دينية تشجع البسطاء من أبناء شعبها وبأسم الشعائر الدينية المبتدعه للقيام بنشاطات تزيد الجاهل جهلاً والفقير فقراً والمريض مرضاً، ولا تحل مشاكل الفقراء مما يعانوه من عوز مادي وسوء في السكن لا تتوفر فيه أبسط الشروط لسكن حيوان وليس أنسان. هؤلاء يتاجرون بالدين ومن مصلحتهم أن يبقى الشعب متخلفاً، فأن كل ما يجنوه من ضرائب -خمس وزكاة، ودون رقابة الدولة- تقتضيها الشريعة تذهب الى جيوب هؤلاء الدجالين ليسخرون هذه الأموال في نشاطات لا تخدم أبناء الشعب وليس لها تأثير اقتصادي في حياة المواطن.
أحياناً أتساءل وأقارن، وهذا التساؤل والمقارنة كنت أوجهه في داخل الوطن للكثيرين من خُدع بالمظاهر المزيفة والمنافقة للموجة الدينية التي أستخدمها المقبور صدام حسين وواصلتها معظم القوى الدينة ذات النهج الطائفي المقيت التي كانت في المعارضة للنظام الدكتاتوري. أتساءل أليس ديننا دين الرحمة!؟ لكنني لم أرى هذه الرحمة تعم على أبناء ديني رغم الأموال الهائلة من جباية الضرائب الشرعية؟! بينما الكفرة و-أبناء القردة والخنازير- رحمتهم واسعة وعظيمة وهي لا تشمل فقط أبناء دينهم، وأنما تتعدى حدود الدين والقومية والوطن!!؟ لم أر أو أسمع في حياتي مرجعاً دينياً فكر في بناء مدرسة أو مستوصفاً أو أي عمل خيري في بلدان أفريقيا أو في آسيا ممن يؤمنون بدين آخر كما يفعل -أبناء الخنازير والقردة-، لا حتى لم يبادروا في أستغلال المليارات من الدولارات في إقامة مشاريع صناعية للمساهمة في القضاء على البطالة في أقرب المدن لمراكز هذه المراجع؟! ولا حتى بالمبادرة للمساهمة في تحسين البنى التحتية للمؤسسات التعليمية والصحية الضرورية التي تعاني من النقص في توفير الماء الصحي والكهرباء والأثاث اللائق والضروري!؟ لكنهم نشطين في بث الترهات والمفاهيم البالية بأسم الدين!
بينما –أبناء القردة والخنازير- تمتد مساعداتهم لكل الفقراء في جميع أرجاء المعمورة دون التحسس من أختلافهم مع قومية أو دين أو وطن من يساعدون!؟. هم يبنوا المدارس والمستشفيات ويؤسسوا لدورات تأهلية لا لحفظ الأنجيل وترتيله وأنما لتعليم الفقراء مهنة يقتادوا منها! وكل هذا يتم دون مسيرات تظاهرية مليونية تعرضها الفضائيات، وكأنما أنقذوا شعب العراق من الأرهاب ووفروا له الماء والكهرباء والغاز! (أصحابنا من بعض القيادات الدينية) في العراق يجيدون التباهي والمتاجرة بالشعائر، ويرون أن ما يقدموه خلال أيام معدودة من أكل وتبذير وتلويث للبيئة وتدمير للطرقات هو خير ما يقدموه لهذا الشعب المظلوم، ولم تبدع أدمغتهم المحصورة في دراساتهم المجترة لتجارب ودراسات عبر القرون، أكثر من هذا الإبداع في فن الطبخ وتقديم الغداء لهذه الجموع المؤمنة حقاً البسيطة المخدوعة بمصداقية قياداتهم الدينية.
يا صاحبي! هنا في السويد عندما تتقدم بطلب ما لمؤسسة، وتتركه ليأخذ مجراه، لا حاجة لك لتسجيل رقم وتأريخ الواردة كما في عراق (الحضارات والأديان)، ولا حاجة لمتابعته من حين لآخر بمراجعة المؤسسة ودوائرها، يكفي أن تتصل تلفونياً ليخبروك أين وصلت المعاملة. واذا أتخذ قرار بطلبك يرسل للبيت، مع ظرف -مدفوع فيه أجرة البريد- فيه أرشادات كيف يمكنك الأعتراض إذا لم يعجبك القرار!
أما في بلادي في دولة القانون، تقف أمام الدوائر -على الأقل في كربلاء- كالمتسول ذليلاً ترجو رحمة البواب في إدخالك للمراجعة. وبعض الأداريين لا يهمه أنجاز معاملتك بقدر ما يحاول إيجاد الأعذار لعرقلتها وحتى رفضها، وكل هذا من أجل أبتزازك مالياً في معظم الأحيان!
وطبعاً في دولة القانون هناك متطلبات يتطلبها القانون بعضها موروث صدامي تمسكت به الدولة وقياداتها –تخليداً للدكتاتور صدام؟!-، مثل البطاقة التموينية تطلب حتى لمن عاش مغترباً من ستينات القرن الماضي، بطاقة سكن، وتأييد من المختار، والبطاقة الشخصية وووو تعتمد هذه الطلبات على أجتهاد الموظف وعدد خرز مسبحته وكويات جبينه! كل هذا مطلوب، ولأستخراج هذه الوثائق يكلفك الجهد والوقت والمال المخصص للأبتزاز وربما لا تصل إلى نتيجة ؟!
الحديث عن العراق طويل ومؤلم. وبالرغم عما تحقق من أمن وأستقرار نسبي لا يتناسب والفترة الزمنية ألتي مرّت على السقوط، فأن الأستقرار والتنظيم الأداري وعملية تسير الخدمات الأدارية بقيت متخلفة ومنفلتة وبدون ضوابط والدوائر ملأى بالفساد والمفسدين أو في أحسن الأحوال بقليلي الضمير وعديمي المسؤولية. وهذا سببه القيادات الدينية التي سيطرت على الوضع السياسي ونشرت الطائفية في المؤسسات. ورغم كثرة تداول هذا الموضوع والمواضيع الأخرى التي تمس حياة الشعب، فأن المفسدين ورؤساؤهم من أحزاب في قيادة السلطة لا يعيرون أهتمام لأي تغيير، وكل ما أثيرت مسألة فساد خضعت للمساومة من قبل المفسدين!
الله يكون بعون شعب. الجهل جعله لا يفهم من الحياة وحل مشاكله إلا بالبكاء ولطم الصدور والتضرع للأموات لمساعدتهم!

السويد 2009-07-02