الرئيسية » مقالات » هل كنتُ على صوابٍ أم خطأ ؟؟

هل كنتُ على صوابٍ أم خطأ ؟؟

لمناسبة انسحاب القوات الأمريكية من المدن المحتلة يوم الثلاثاء 30 يونيو 2009 ، سيغدو العراق على مفترق طرق صعب ، مع إلحاح العراقيين لجلاء الأمريكان ، وإصرار بعض السلطات العراقية الحالية للتشبث بهم ، خوفا من مصير صعب إن لم تكن القوات العراقية مؤهلة لملئ الفراغ . إن العراقيين يطمحون جميعا أن تزول محنتهم بعد معاناتهم سلسلة من الاضطهادات والمؤامرات ومشروعات السحل والقتل والحروب والحصارات والتهجير والاغترابات والآلام .. هنا دعوني استعيد ما كنت قد قلته في بداية سنة 2003 ، وقبل الاحتلال ، وقبل سقوط النظام العراقي السابق في ” تقرير ” ، نشر بالعربية رّدا على عدة أسئلة نشرت أجوبتي عليها في ملحق خاص في جريدة البيان الإماراتية يوم 2 فبراير 2003 ، ونشرت أقوالي أيضا بالانكليزية في الانترناشنال كوريار حول الموضوع نفسه .. قلت فيه : ” إن التغيير في العراق سواء حصل باجتياح أم بغيره يصعب أن يقابله العراقيون بالارتياح إلا بعد أن يطمئنوا إلى الأهداف الحقيقية ، وهم يتطلعون إلى الأمن والرخاء والحرية .. كما استطيع القول انه يصعب الجزم بإمكان بلوغ السيناريو الأسوأ أي تفكيك العراق. وأتوقع إن أحدا لا يعرف أبدا ماذا سيحصل بعد سقوط النظام العراقي ( أي : السابق ) الذي ربما سيقاتل قتالا شرسا ولا يمكن أن يستسلم بسهولة إذا ما توفرت لديه الوسائل والأدوات ، ولكنه سيتفكك حالما انقطع صوته عن العالم إلى الأبد ” .

واستطردت قائلا : ” .. ويعلم الجميع أن العراق هو غير أفغانستان أو الصومال أو لبنان بسبب جيوستراتيجيته المركزية في مربع الأزمات أولا ، وبما يمثله من ثروات نفطية تسعى أمريكا لتأمين مصالحها الإستراتيجية لخمسين سنة قادمة ! وعليه ، فان مصير العراق وحالاته في المستقبل المنظور ستحدد ربما لعقود طويلة شكل المنطقة وسياساتها. الأسئلة الآن : هل لدى أميركا خطط واضحة لعراق المستقبل؟ وهل أنها ستلتزم بإعادة بناء العراق؟ وهل لدى إدارة جورج دبليو بوش أجوبة عن ثلاثة أسئلة هي التحديات لكل السيناريوهات: هل سيكون العراق مستقراً ؟ وهل سيبقى العراق موحّداً ؟ وهل سيغدو العراق ديموقراطياً ؟ ” وحاولت الإجابة عليها بالنص :

أما بالنسبة للاستقرار ، فقد كتبت قائلا : ” المقصود بالاستقرار ليس أكثر من غياب الفوضى والاضطراب. والجواب المرجح هو: لا ذلك أن واقع العراق وطبيعة النظام لا يتركان مجالاً للتفاؤل بل يثيران المخاوف من أن يصاحب الصراع الداخلي دماء غزيرة واختلالات كبيرة في المجتمع سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت نتيجة مآسي حربي الخليج الماضيتين وعقودا زمنية حافلة بالمصادمات والصراعات والثارات والعقوبات القاتلة والعزلة، يضاف إليها سنوات من القهر والاضطهاد والتهميش للقوى السياسية والاجتماعية المتنوعة وهي حالة عمقت الأحقاد. ومثل هذا الوضع لا يبشر إلا بمستويات متعددة ومتداخلة من الاضطرابات أولها الثأر والانتقام من عناصر وأجهزة وقبائل وعشائر ومدن وكل نسيج النظام السابق .. وفي المقابل مقاومة الطبقة الطفيلية المنتفعة لأي تغيير لئلا تفقد امتيازاتها. وكذلك التنافس بين المجموعات العرقية المختلفة في المجتمع على موارد البلاد وخصوصاً حقول النفط في الشمال والجنوب . ذلك أن صراعا سينشأ إن لم يبدأ بعد بين الأكراد والتركمان وسوف يسارع كل منهما إلى وضع اليد على آبار كركوك وعين زاله بالموصل ، ناهيكم عن التدخل في الجنوب من قبل تلك القوى التي تتخذ من إيران مقرا لها وخصوصاً من خلال البصرة والعمارة . وكل تخوفاتي أن تنجرف مختلف القوى المتضادة في اشتعال حرب أهلية في غيبوبة للسيادة والنظام ، مما يهدد بالتفكك ” !!

أما إجابتي على السؤال: هل يبقى العراق موحداً؟ فقد قلت :

” إن التكهن بمصير العراق ليس سهلاً ، فثمة عوامل في دواخله تدفع دوما في اتجاه إبقائه موحداً وأخرى في مخارجه تدفع في اتجاه تفكيكه. فمسألة وحدة العراق لا تتعلق بنظام الحكم الحالي ولا برئيسه ولا بحزبه لأن العراق بحدوده الحالية وخارطته المعهودة موجود قبله. أن نظام الحكم في العراق هو غير أنظمة الحكم في بلدان مثل يوغوسلافيا والاتحاد السوفييتي لكي تثار المخاوف حول وجود العراق من بعد زواله .. وعلى الرغم من الواقع الاثنوغرافي المتنوع للعراق، فلم تظهر نزعات انفصالية جدية إلا عند نسبة الخمس من الأكراد في بعض الأحيان . وعموماً كان الأكراد وما زالوا يفضلون أهمية علاقتهم العضوية العراقية مع المركز. إن من اكبر الفجائع التي سيمنى العراق بها إذا ما طبق عليه أي سيناريو يعتمد الأجندة الطائفية ، لأن في ذلك مقتلا له ولمجتمعه بالذات الذي لم يعرف طوال حياته الطويلة إلا التعايش والتضامن في درء الأخطار والتحديات . إن مجرد تصنيف الدولة في العراق على أساس طائفي سيفكك المجتمع العراقي تفكيكا ، وينحره نحرا مؤلما .. إن كلا من الدين والطائفة والمذهب لابد أن تبقى جميعا منزهة عن اللعب بها سياسيا في مستقبل العراق ، لأنها هي التي ستقسم العراق بل وتطحنه تحت عجلاتها التي لا تبقي ولا تذر !! إن قيام أية مؤسسات عراقية معلمنة في المستقبل المنظور تراعى فيها تكافؤ الفرص للجميع ضمن إطار تشريع دستور مدني دائم ، ستضمن مصير العراق من هجمة الأجندة الطائفية ، علما بأن ليس هناك أي فرز حقيقي بين الطوائف والملل والأديان في العراق ، وليس هناك إلا التداخل في ما بينها ، فالمجتمع العراقي فسيفساء متداخلة بعضها بالبعض الآخر ، ولا يمكن عزل كل جزء عن الآخر أبدا ” .

هذا بعض ما كنت أتوقعه للعراق والعراقيين قبل الاحتلال وسقوط النظام السابق ، فلا ادري هل كنت على صواب أم خطأ ؟

نشرت في البيان الاماراتية ، 1 يوليو 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com