الرئيسية » مقالات » شارع الجمهورية … هموم الأمس ، آمال الغد

شارع الجمهورية … هموم الأمس ، آمال الغد

شارع قديم، متجدد يجمع بين التراث والمعاصرة، غني بالعراقة والذكريات، حافل بالمتغيرات، مزدحم بالحركة والتقلبات

يتمثل في مشهد تجاري طويل يمتد على مرمى البصر. عبارة عن اسواق مختلفة، متباعدة، أو متصلة مع بعضها البعض ترى فيها كل ما تشتهي النفس وما تلذ الاعين.
فمن التوابل والعطور الى السجادات الى الطيور، وباقي الحيوانات الاليفة الى الزجاج والمرايا، والصبغ والشمع، والصابون، الى الاعشاب الطبية والبذور، والحلوى، والسكائر، والافرشة والبسط والاغطية، الى الكهربائيات والاجهزة والادوات المنزلية، الى الملابس فالمبيدات الحشرية.. وغيرها. ما يحتار الوصف في شرحها، وما يحتار القلم السيال في احتوائها وعدها. فهو ممرنا الواسع الفسيح الى بقية أحياء بغداد الصابرة المعاندة على الخلود والبقاء أنه شارع الاقوام والاديان المتحابة المتآخية من مسلمين، ونصارى، وعرب، وكورد فيليين، وأقليات أخرى غير غريبة عن البيئة العراقية سنأتي على ذكرها لاحقا.
انه شارع الجمهورية او الخلفاء كما سهوى أن يهوى البعض رغم انه لا يحمل من هذا الوصف سوى الاسم ليس اكثر. يمتد شارع الجمهورية بين ساحتي التحرير والطيران جنوباً!! والباب المعظم بساحته الصغيرة ونافورته البديعة شمالاً. اذن فهو يستحق ككيان تجاري قائم بذاته، وعن جدارة تسميته بشارع العاصمة وقلبها النابض. يضم الشارع جملة من المساجد، هي آية في فن العمارة والابداع الاسلامي. وتعد كل واحدة منها تحفة فنية رائعة العمران وشاخصاً حياً يروي مجد الاجداد، منها جامع الخلاني؟! نسبة الى محمد بن عثمان بن سعيد العمري، الملقب بالخلاني لاشتغاله بالخل على ما ترويه المصادر التاريخية المعاصرة. وهو السفير الثاني للامام الحجة المنتظر (عج) ، نسبة الى عقائد الشيعة الامامية – الاثني عشرية. وجامع الخلفاء بطرازه المغولي الفخم. وجامع الحسين بن روح النوبختي، السفير الثالث للامام الحجة (عج) حسب عقائد الشيعة الامامية، كما مر بالجانب الشمالي من السوق العربي. أما الجوامع القليلة الباقية سواء الصغير منها ام الكبير، فهي دون التي ذكرناها من حيث الفخامة وروعة البناء. من أشهرها جامع ابو التمن؟! نسبة الى بانيه جعفر أبو التمن، أحد رواد ثورة العشرين التحررية، وجامع منورة خاتون الملاصق للاعدادية المركزية للبنات، وجامع علي أفندي قبالة حي الفضل الى جانب بناية البريد التي تعرضت للقصف ولم يبق منها الآن سوى الركام والاطلال يتصل شارع الجمهورية بشارع الرشيد، عن طريق ممرات هي بمقام الطرق المساعد في تسهيل الانتقال عبر الشارعين من هذه الممرات، الممر الكائن بين ساحة الخلاني ومنطقة السنك، المؤدي الى جسر الرشيد الذي يجتاز نهر دجلة الى الكرخ، نحو منطقتي الصالحية، وكرادة مريم، والممر الكائن بين ساحة الرشيد التي أزيلت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. والمؤدي الى ساحة الرصافي، فجسر الشهداء الذي يجتاز نهر دجلة الى منطقة الشواكة. عدا الشارع الذي يربط بين نهاية شارع الجمهورية المتمثل بساحة باب المعظم ذي النافورة الصغيرة، التي يمر من فوقها جسر كبير للسابلة ونهاية شارع الرشيد المطلة على ساحة الجندي العراقي سابقاً. والمؤدي الى الجسر الذي يجتاز نهر دجلة الى سوق حمادة، وسوق بشار، والرحمانية، ومناطق أخرى معروفة في صوب الكرخ. عدا ذلك فان هنالك مداخل وساحات تربط بين شارع الجمهورية والرشيد منها ساحة الميدان، التي كانت مشغولة قبل سقوط النظام من قبل دائرة مصلحة نقل الركاب، كمرآب عام للنقل بين احياء بغداد. خلا المداخل الأخرى، وهي عبارة عن اسواق تربط بين هذين الشريانين الحيويبن وهي اسواق الشورجة الكبير، وعقد الجام، وباب الآغا، والسوق العربي، وسوق الكهرباء، وشارع السيد سلطان علي ابو الامام الرفاعي، والمختص كشارع بيع التوربينات التي تسحب المياه سواء الزراعية منها ام المنزلية، ام المستخدمة في مراحل التصنيع المختلفة، وشارع الخيام، ناهيك عن الازقة والحارات، ومنها منطقة العبة خانة الشهيرة، والتي تزيد في الارتباط والصلات بين هذين المعلمين في جسد الرصافة، وهي بغداد القديمة برقعتها التاريخية بين النهر والسور، الذي لم يبق منه سوى الباب الوسطاني في حي الشيخ عمر (السهروردي) والباب المعظم في الشمال والشرقي في الجنوب، وهي أسماء لأبواب من ذلك السور التي لم يبق منها ومن الابواب أي اثر يذكر سوى الاسماء فقط للأسف. للأطراف الجنوبية، من شارع الخلفاء، او الجمهورية، وهي تسميته الفعلية سمة تجارية فريدة لاسيما في الامكنة المطلة على ساحة التحرير، وحديقة الأمة، وساحة الطيران تتمثل بسلسلة من الأسواق التجارية، التي تؤدي تقريباً وظيفة سلعية واحدة، وهي الأزياء والملابس وخياطتها بدءاً بسوق بغداد التجاري عند الطرف الشرقي الجنوبي لشارع الخيام المطل على نفق التحرير، والذي يضم محال الخياطة العسكرية من بدلات واطقم لجميع صنوف الجيش العراقي السابق. عدا محال الالبسة، والاكسسوارات من احزمة، ومداليات وحقائب ونظارات وقفازات ومناديل وسلاسل، وأدوات زينة. السوق الذي يقابل حديقة الأمة، ونتيجة لوجود دور السينما القديمة فيها كسينما غرناطة، والحمراء، وشهرزاد والرصافي.. وغيرها، تحددت وظيفته ببيع الاقراص وكاسيتات الافلام الاجنبية، سواء افلام الاثارة، ام الرعب ام الافلام الخيالية والملحمية. عدا بيع اجهزة الراديو، والمسجلات والسيدي، والأديو، ومكبرات الصوت، والهتفون، من مختلف الانواع والمناشىء بقديمها وحديثها. ورغم ان هذا السوق، اصبح يواكب التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم في الوقت الحاضر من ظهور اجهزه الكومبيوتر او الحاسوب كالدسك توب، واللاب توب، وانواع أخرى سيكشف عنها المستقبل القريب او البعيد إلا ان السوق مازال يحمل اسم سوق الهرج ما يدل على انه في السابق قد بدأ ببيع الاجهزة السمعية والمرئية المستهلكة او القديمة، بدليل ان القديم من هذه الادوات والاجهزة السمعية، والمرئية المستهلكة او القديمة كما قلنا لاتزال تجد قبولاً لدى المشترين، ومرتادي السوق من مختلف الاعمار والفئات لحد الآن الى جانب الالبسة البالية او العتيقة المسماة في العرف الشعبي بالبالات واللنكة. أما السوق المحاذية لحديقة الأمة او المطلة عليها، فتختص ببيع الملابس العسكرية، وما يرافقها من معدات كجعب الاسلحة، والاحزمة، وحتى الملابس العسكرية الداخلية، ومكملات الزي العسكري كالخوذة، والاقنعة وحمالات الدروع. والسؤال هنا، كيف لهذه التجهيزات ان تصل الى هذه الاسواق الشعبية، وما هو دور الوسطاء بين هذه المحال والمعارض من جهة ، والوحدات والمخازن العسكرية من جهة اخرى ، والتي تعد صاحبة الشأن الوحيد في تجهيز هذا النوع من الازياء .
على العموم يرتبط شارع الخلفاء او الجمهورية ، بشارع الكفاح بطرق جانبية تزدحم بالحركة حد الاختناق ، كون الانتقال عبرها ، لايتم الا بصعوبة ومشقة بالغة . ومن هذه الطرق التي يتجلى فيها الزحام الخانق الى اقصى درجاته شارع الصدرية بين ساحة الوثبة ، وساحة الكفاح ، والشارع الواصل بين ساحة الرشيد التي ازيلت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي كما تقدم ، وساحة زبيدة . اما الشارع الواصل بين ساحة الخلاني ، ومحطة شرقي بغداد القديمة لسكك الحديد ، فيكاد يخلو من اي زحام يذكر ، كما ان لشارع الجمهورية مداخل اخرى تصله بشارع الكفاح الذي تعد الدور والبنايات والمدارس والاسواق والحارات الضيقة على جانبيه واحدة من احياء بغداد الشعبية القديمة ، والتي تقطنها اغلبية من شريحة الكورد الفيليين ، وتتمثل هذه المداخل باسواق الكرزات ، وسوق الغزل وسوق الشورجة الصغير المتصل بشورجة السكائر ، عدا سوق الدهانة للاعشاب الطبية ، والواقع خلف سوق الغزل والمتصل بالشورجة الصغيرة. الى جانب الفروع والطرق المحيطة بمركز بغداد المدني ، التي تزيد من الصلات والروابط بين الشارعين المتمثلة بالمساحة التي تشمخ عليها الصروح العمرانية الرائعة ، والتي طالما حازت على ثناء السياح والزائرين لبغداد قديماً وحديثاً . قوام هذه الشواخص العمرانية ابنية امانة العاصمة ، واسالة الماء ، ومديرية المجاري ، وهي بمجموعها تؤلف مركز بغداد المدني كما اسلفنا .
تطل على هذا الشارع شواخص بارزة كانت تمثل في السابق معالم الاقتصاد العراقي المتهالك ، تظهر عليها آثار النيران والحرائق ، اثر اعمال التخريب التي طالت هذه المؤسسات بعد سقوط النظام وزواله على ايدي عصاباته الموالية له . والمتسترة بفوضى ما اوجدها غير رجال المخابرات والحزب الحاكم تتمثل في بناية وزارة التجارة المطلة على ساحة الخلاني ، ووزارة المالية المطلة على ساحة الرشيد في العهد المباد . الابنية القائمة على جانبي الشارع ، والتي ترتفع ستة او سبعة طوابق في البقعة الممتدة بين ساحة الوثبة ، وساحة الرشيد معظمها فنادق كان يديرها اخوتنا من ابناء كوردستان اشهرها : اربيل وسميراميس المطلة على ساحة الوثبة . وفنادق بيخال وسرجنار وسرسنك وكلي علي بيك المواجهة لبناية الضمان والتقاعد الاجتماعي القديمة في الطرف الاخر من الشارع الذي يتم تطويره اي بناية الضمان الى عمارة لمختلف الاغراض الخدمية والتجارية .. الى جانب فنادق دريا ، والعش الذهبي المطلة على ساحة الرشيد . وقد هجرها اصحابها من اخوتنا الكورد ، بسبب الاوضاع الامنية المتدهورة التي عاشتها العاصمة منذ ست سنوات الى كوردستان حيث الهدوء والدعة ، والامن والاستقرار .
الممر المحصور بين ساحة الباب المعظم ، يعد الجزء الاكثر خمولاً بالقياس الى الاجزاء الاخرى الاكثر نشاطاً في هذا الشارع ، لولا جملة من المحال التجارية التي تقترب شيئاً فشيئاً من ساحة الرشيد ، والتي تشتهر ببيع الاجهزة الكهربائية الخاصة بالاغراض المنزلية من مكيفات ، ومراوح وتلفزيونات وسخانات وغسالات .. وغيرها .
اما الابنية البيضاء القليلة المتناثرة هنا وهناك ، والتي ترتفع الى ستة طوابق ، فهي اثار من مشروع طموح بدأت به الدولة في حينه لتطوير ما كان يراد تسميته بشارع الخلفاء ، الا انها توقفت عن اكماله بسبب دخول العراق حرب الخليج الاولى بين اعوام 1980 – 1988 م ، ذلك المشروع الذي صرفت الدولة نظرها عنه كي يتم توفير نفقاته المكلفة وقتها ، في خدمة المجهود الحربي .
فتصور الاثار المدمرة التي تسببت فيها الحروب ، ونتائجها على مسيرة التنمية ، على اننا نشير هنا ، الى ان هذا المشروع الذي توقف بسبب اندلاع الحرب مع ايران له سبب جوهري اخر جاء في اعقاب الغاء مؤتمر دول عدم الانحياز الذي كان مزمعاً عقده في بغداد عام 1980 م . وتحويل مكان اقامته الى نيودلهي – عاصمة الهند . فتوقف المشروع دفعة واحدة .
هذه الابنية اذن شواخص حزينة ، من ايام الصعلكة والعنتريات السياسية التي خاض فيها النظام المقبور حتى اذنيه . والذي يحلم اتباعه ، في اعادة تسليطه من جديد على البلاد والعباد بحرق بناية الكناني اكثر من مرة ، واشعال النيران في بناية القادسية ، واحداث تفجيرات في مداخل السوق العربي والشورجة الكبير ومدخل السوق المسمى تحت التكية . واحداث الهلع والرعب في نفوس كل من يرتاد هذه الاسواق بظهور الانتحاريين بين الفينة والاخرى ، او زرع العبوات الناسفة ، وترك التفجيرات على مقتربات هذا الطريق او ذاك . على اية حال العمارات البيض هذه تحولت الى ورش او معامل اهلية ، او مخازن بعد ان كان يشغلها بعض الدوائر والوحدات العسكرية التابعة اما للمخابرات او الداخلية او الدفاع قبل سقوط النظام .
ولكن يبقى سؤال ، هل ان الحكومات اللاحقة ، وكلنا امل في ذلك ستنهي ، وهذه المرة عن صدق وعزم مابدأه العراقيون من اجيال سابقة ، وما هو حلم كل عراقي ، في ان يرى بلده شامخاً بالصروح والواجهات الحضارية ، والابنية الجميلة ، او ان ذلك ضرب من ضروب الخيال والاحلام . ان املنا في الغد يبقى كبيراً ، مهما كانت احباطات الحاضر فالمستقبل للعراقيين ان شاء الله .
موقع مؤسسة شفق