الرئيسية » مقالات » المثقف الصعلوك / البقاء خارج المؤسسة

المثقف الصعلوك / البقاء خارج المؤسسة

فقط أولئك الذين بقوا خارج المؤسسات السائدة يمكنهم أن يقولوا الحقيقة , كمهمة أخيرة ممكنة للمثقف , في تناقض مع المهام الوظيفية المختلفة التي يقوم بها المثقف المؤسساتي لصالح المؤسسة و النظام أو القوى السائدة , فلكل نظام و قوة مسيطرة حقيقته الخاصة , ربما كان فوكو هو الأكثر قدرة على شرح تلك العلاقة بين السلطة و الحقيقة , عندما تنتج السلطة حقيقتها و بالمقابل تنتج الحقيقة سلطتها , فالحقيقة ليست إلا تعبيرا ثقافيا عن سلطة ما , و لسبب ما كان المثقف الصعلوك أسبق على ظهور المثقف المؤسساتي , فالشعراء الصعاليك ظهروا قبل نبوة محمد و قبل حسان بن ثابت و علوم الفقه و الحديث و الكلام , و ظهر السفسطائيون قبل أفلاطون , ربما كانت المؤسسة الثقافية و السياسية تحتاج إلى زمن أكبر لتتشكل وتتطور , و ربما كانت تحتاج إلى محرض يتمثل في ثقافة الصعاليك الخارجة على المؤسسة , الهادمة لذات منطق وجود المؤسسة و قوانينها القائمة على نفي الاختلاف و الإصرار على واحدية المرجعية و الحقيقة و أخيرا السلطة , فقط أشخاص مثل نجيب سرور , المعري كانوا قادرين على قول الحقيقة , الحقيقة الفعلية لا الحقيقة التي تمثل السلطة الزمانية أي بمعنى الحقيقة في وجه السلطة أو القوة السائدة , فالقضية هنا أن من يوجد خارج المؤسسة هو فقط من يستطيع تحدي الحقيقة التي ترعاها السلطة , لكن أن تكون خارج المؤسسة له تبعات صريحة , فكان على نجيب سرور أن يجوع و يتشرد و يدخل المصحات النفسية التابعة للسلطة , و على المعري أن يأكل العدس طوال حياته , و ليقولوا حقيقتهم الهرطقية التي تعبر عن الواقع الفعلي أنتج المثقفون الصعاليك على الدوام وسائلهم الخاصة لقول الحقيقة , “أميات” نجيب سرور / أجمل هجائية للوضع القائم , الكتابة الكابوسية لكافكا , لا يعني هذا أن المثقف المؤسساتي هو مثقف مرتزق بالضرورة , لكنه يمارس دون شك وهم البحث عن الحقيقة , السائدة , من خلال احترامه للمؤسسة , أو على الأقل لشروط و منطق وجودها و سيادتها , لذلك مثلا سنجد ديوجينس الكلبي يختلف تماما في علاقته بالسلطة عن أفلاطون و أرسطو , سمح هذا للكلبييين ليس فقط بالرفع من شأن الحرية ككل بل و التشديد الاستثنائي على حرية التعبير ضمن إطار الحرية العام , و أن يمارسوها في مواجهة السلطة بالتحديد , هكذا أمكن لديوجينس الكلبي أن يرد على سؤال الكسندر العظيم عن أمانيه التي يمكن لذلك الملك أن يحققها : ( ابتعد عن الضوء ) * , و عندما يرى الكلبيون أن أي فعل لا تسبب ممارسته في الخفاء الشعور بالخجل يمكن ممارسته علنا , هذا المستوى من تطابق العلن و السر في الممارسة غير متوفر و لا حتى لأشد المؤمنين بالحقائق السائدة , إلا للصعاليك الخارجين على المؤسسة و حقيقتها المزيفة , اعتبر ديوجينس الكلبي أن الحياة المتساوقة مع العقل هي تلك التي تتناغم مع الطبيعة لا مع قيود الحكومة , نعود ثانية إلى فوكو , إلى تشخيصه لعلاقة السلطة بالجنون و الشذوذ الجنسي , عملية إقصاء الآخر و عقابه , هكذا تضع المؤسسة السائدة تعريف المعقول و الطبيعي وفقا لحقيقتها , و تمارس عزل و إقصاء الآخر أو المخالف في مشافي أو مصحات أو سجون , هنا تصبح الحقيقة مرتبطة مباشرة بالسلطة , بالمؤسسة الرسمية , أو بالمؤسسات الرسمية , و تصبح هذه الحقيقة هي الفضاء الوحيد المقبول لممارسة التفكير “الجدي” , للتعامل مع الحقيقة , و مع المعقول و الطبيعي , و يقبل الجميع تقريبا , بمن فيهم من يعتبر نفسه خارج المؤسسة أو السلطة بمنطق تلك الحقيقة و بعزل الفضاء الآخر , الهرطقي , المتمرد , الخارج على المؤسسة , على أنه خارج عن المعقول و الطبيعي , كان هيغل رمزا للمثقف المؤسساتي , و لذلك اعتبر أن الوضع القائم هو أساس المعقولية , و من هنا ولدت أسطورة اليوتوبيا كحالة منافية للعقل , بقدر ما هي معادية للوضع القائم , خلافا للأوهام التي اعتبرت التغيير فعل طليعي لنخبة تعمل في إطار المؤسسة , فإن التغيير هو فعل أشمل ينخرط فيه أساسا المقهورون ضد المؤسسة تتراجع فيه المؤسسة باستمرار إلى مواقع دفاعية جديدة دون أن تسلم أبدا بحق الآخر أو المقهورين في نقض معقولية الوضع القائم أو في نقض حقيقته الأحادية , نعم تمارس النخبة تأثيرا بالتأكيد لكنها كانت دائما محافظة و ضد التغيير الجذري الذي كان نتيجة لنضال تحاول هي بإصرار الإبقاء عليه في إطار السائد و تحت وصايتها , إنها حارس السائد , حارس الحقيقة التي تعبر عن السائد , الحارس الذي يقف بحماسة عند قضبان السجن الذي تعزل فيه السلطة ما تصفه بالشذوذ الهرطقي , عملية ضم الجديد إلى الفضاء السائد و تجييره لصالح السلطة القائمة – القديمة أو سلطة ما جديدة , كانت دائما وظيفتها في فترات التغيير الثوري , يجب ألا نبالغ هنا في دور الفضاء الموازي لفضاء السلطة و مؤسستها الرسمية , فضاء المثقفين الصعاليك , في حالة التغيير , ففي الأغلب كان هذا الفضاء بالكاد مجالا لخطاب معارض بشكل جذري , يقوم على قدرة استثنائية في الجهر بالحقيقة المسكوت عنها , بل و التي تصر المؤسسة على إدانتها بوصفها هرطقة أو جنون أو شذوذ , أسوأ ما في الموضوع هو محاولة المؤسسة تحويل الذكرى الماضية لمثقفين صعاليك إلى ما هو أشبه بموظفين في المؤسسة , محررين في صفحاتها الثقافية , و مرددين لكل مدائح الوضع القائم , هذه هي قمة الخيانة , خيانة الحقيقة , من جانب المثقفين المؤسساتيين……..

مازن كم الماز

* تقول كتب التاريخ أن أفلاطون التقى ذات يوم بديوجينيس الكلبي و هو يغسل بعض الأعشاب بالماء فسأله “لو أنك توددت لديونيسيوس( الملك ) لما كنت تغسل الخس الآن” , فرد عليه ديوجينيس بذات الهدوء “لو أنك كنت تغسل الخس لما كنت مضطرا للتودد إلى ديونيسيوس” .