الرئيسية » مقالات » 30 حزيران خطوة مهمة على طريق استكمال الاستقلال والسيادة الوطنية

30 حزيران خطوة مهمة على طريق استكمال الاستقلال والسيادة الوطنية

” ليس للحرية الفلسفية حدود، فإما أن نفكر بكل حرية، وإما ألا نفكر أبداً “.
ب. سبينوزا

مع بزوغ فجر هذا اليوم تكون الوحدات العسكرية الأمريكية قد تركت مواقعها في داخل المدن العراقية وانسحبت إلى مواقع خارج جميع المدن لتبقى في معسكراتها المؤقتة حتى نهاية العام 2011 لتقدم الدعم الضروري المحتمل في مواجهة قطعان الذئاب من قوى الإرهاب وما يطلق عليه بـ “المقاومة” غير الشريفة, كلما استدعت الحاجة وطلبت الحكومة العراقية والقوات المسلحة ذلك. وبهذا الانسحاب يكون باراك أوباما قد أوفى بأول خطوة من الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الإدارة الأمريكية على أن تستكمل بخطوات لاحقة تنتهي بالانسحاب الكامل من الأراضي العراقية.
لم يكن أي مواطن عراقي شريف يريد أن تكون القوات الأمريكية أو أية قوات عسكرية لدول أخرى في العراق, وليس هناك من عراقي شريف وافق على قرار مجلس الأمن الدولي باعتبار القوات الأمريكية والبريطانية الموجودة في العراق هي قوات احتلال مؤقت. هذا صحيح تماماً. ولكن ما لا ينبغي نسيانه أبداً هو الجواب عن الأسئلة التالية: من كان المسئول عن وجود هذه القوات في العراق أولاً؟ ومن أذل الشعب العراقي ومرغ كرامته بالتراب ثانياً؟ ومن نفذ عمليات القتل الجماعي والقبور الجماعية في العراق ثالثاً؟ ومن خطط ونفذ الحروب الهمجية المجنونة في المنطقة (ضد إيران, غزو الكويت) رابعاً؟ ومن نفذ عمليات الأنفال وقصف حلبچة بقذائف صاروخية تحمل السلاح الكيمياوي خامساً؟ ومن هجَّر الكُرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب وأسقط عنهم الجنسية وقتل شبابهم وهجر مئات الألوف منهم بذريعة وقحة هي التبعية لإيران؟ ومن جفف أهوار الجنوب وشرد سكانها؟ ومن غير التركيبة السكانية لمناطق عديدة في العراق؟ ومن تسبب في هجرة أكثر من ثلاثة ملايين إنسان إلى خارج الحدود العراقية وفي الشتات العراقي؟ من تسبب في تلويث المياه والأرض والبيئة عموماً في العراق؟ ومن شارك في التفريط بثروات العراق في عمليات وحروب وقمع جنوني خلال 35 عاماً؟ من سرق البسمة من وجوه الناس؟ من فرط بالأرض العراقية وشط العرب لقمع حركة وطنية للشعب الكُردي كان يطالب بحقوقه من خلال عقد اتفاقية العار في الجزائر في العام 1975؟ من .. ومن … ومن ؟ علينا أن نتذكر باستمرار بأن النظام العراقي الصدامي كان السبب المباشر في كل الحرب المنصرمة, بغض النظر عن معرفتنا بأهداف القوى والدول الأخرى.
يفترض أن نتذكر كل ذلك حين يجري الحديث عن الحرب التي نفذتها الإدارة الأمريكية ضد نظام صدام حسين الدموي وبموافقة غالبية قوى المعارضة العراقية. وعلينا أن نتذكر بأن القوات الأمريكية قد اُستقبلت بالورود حين سقط الدكتاتور المتوحش ونظامه الدموي تحت ضربات القوات الأجنبية. فالموقف من السقوط لم تكن المشكلة بين غالبية الشعب والإدارة الأمريكية, بل ما تبع ذلك من سياسات وإجراءات مخالفة للكثير من قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية, بما فيها صدور قرار الاحتلال وترك حدود العراق مفتوحة والنهب والسلب والتدمير الذي لحق بمؤسسات الدولة وطريقة حل الجيش العراقي وما حصل للمعتقلين من أعمال إجرامية مخزية في سجن ” أبو غريب” أو مواقف بريمر السياسية والإدارية المستبدة, أو فرض المحاصصة الطائفية في حكم العراق, أي استبدال الشوفينية العربية بالطائفية المقيتة…الخ.
لقد تسبب الإرهاب الدموي من جانب قوى القاعدة المجرمة ومن قوى الإرهاب البعثية الصدامية والمليشيات الطائفية المسلحة, سواء أكانت شيعية أم سنية, باستشهاد وجرح وتعويق مئات ألوف العراقيات والعراقيين, بمن فهم العلماء والمثقفات والمثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والصحفيات والصحفيين والسياسيات والسياسيين, إضافة إلى عدة ألاف من الجنود والضباط الأجانب من مختلف الدول التي وجدت في العراق وشاركت في مواجهة تلك القوى الشريرة التي لم تقتل الناس فحسب, بل ودمرت مؤسساته الاقتصادية والخدمية وأعاقت إعادة البناء وساعدت على استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق.
إن خروج القوات الأمريكية, وقبلها البريطانية, من المدن على طريق الخروج النهائي, يعني حصول تحسن في الوضع الأمني ووجود أفق لتكريس هذا التحسن بإجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية, رغم حالة الهستيريا التي تعيشها قوى الإرهاب خلال الأسبوعين الماضيين والتي دفعتها على قتل المزيد من البشر بعملياتها الإجرامية الدنيئة.
إن خروج القوات الأمريكية من العراق لم يكن مطلباً عراقياً وحيد الجانب, بل هو مطلب أمريكي أيضاً, وجد تعبيره في الحملة الانتخابية لباراك أوباما, الرئيس الحالي للولايات المتحدة. وهو أمر إيجابي يفترض عدم نسيانه, رغم كل التعقيدات والتشابكات التي أحاطت ولا تزال تحيط بالوضع في العراق منذ الحرب الأخيرة في العام 2003 حتى الوقت الحاضر.
إن كان الشعب العراقي بكل مكوناته القومية وقواه السياسية يعتبر خروج القوات الأمريكية من المدن خطوة مهمة ومرحلة جديدة, فأن عليه أن يجسدها حقاً في سياسات ومواقف وإجراءات جديدة تماماً تختلف عما حصل في العراق خلال الأعوام الفائتة, سياسة تلح على الطلاق الثلاثي مع الطائفية السياسية والفكر الشوفيني وضيق الأفق القومي في حل المشكلات المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, ويعني إطلاق الحرية والحريات الديمقراطية وقانون الأحزاب وقانون النفط, ويعني التصرف بمسئولية كاملة إزاء أتباع القوميات والأديان والمذاهب المختلفة ومحاربة محاولات قتل وتهجير المواطنات والمواطنين من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين وغيرهم, يعني محاربة الفساد المالي والمحاصصة الطائفية الوظيفية, ويعني التوجه صوب العدالة الاجتماعية … يعني التوجه صوب الحوار السلمي ووفق آليات ديمقراطية لمعالجة كل المشكلات المعلقة وبعيداً عن التهديد والوعيد أو استخدام القوة.
إن منابر الخطابة السياسية غير نافعة باستمرار لحل المشكلات, إذ أنها في أحيان غير قليلة تزيد الأمور تعقيداً وتزيد من ضبابية السياسات والمواقف والأهداف, بل اختيار نهج الحوار والجلوس حول الطاولة المستديرة لمناقشة كل شيء من أجل التفاهم وإبداء الاستعداد للمساومة على بعض الأمور في وطن يجمعنا بقومياتنا العديدة.
تحية إلى كل من عمل لمواجهة الإرهاب وكسر شوكته, تحية لكل الشعب العراقي الطامح إلى العيش بحرية وأمن واستقرار وعيش كريم, تحية لكل المناضلين في سبيل حرية الكلمة وحرية التفكير وحرية الرأي وحرية العقيدة والفلسفة والتعددية الفكرية والسياسية, تحية للمرأة المناضلة في سبيل حقوقها المشروعة ومساواتها بالرجل, رغم الظروف الصعبة التي تواجهها يومياً واضطهاد المجتمع الذكوري الذي تتعرض له بسبب طبيعة وبنية ومستوى تطور الدولة والمجتمع, وتحية إجلال لكل الذين سقطوا على أرض العراق وهم يكافحون بحزم وإصرار كل القوى الشريرة التي عاثت في أرض العراق قتلاً وفساداً وتخريباً ودمارا.
30/6/2009 كاظم حبيب