الرئيسية » مقالات » سعد صالح جريو الزعيم العراقي النموذج بين الإجحاف والإنصاف

سعد صالح جريو الزعيم العراقي النموذج بين الإجحاف والإنصاف

تقدمة ——————————–



 1894 م ــــ  1949 م


سعد صالح جريو مرثاة الحلم ——————-


صاح النعي وفي الحشاشة مِجْمَرُ والريح تُعْوِلُ والبروق تزمجر


رحل الزعيم  وفي العراق خصاصة          ليد وقد غيل السخيُّ


هلاّ ارعوى القدرُ المحتَّم ليته     وافى الذين تحكّموا فاستهتروا


يا ساسةً حكموا البلاد فأرهقوا الـ     ـحُرَّ الأبيَّ وبالكراسي استأثروا


 شتّى مشاربكم وكلٌّ يِدّعي                          وطنيّةً بإزائها يتستَّر


هل أن مفهوم السياسة عندكم     أن تُرهبوا الشعبَ الوديع فتذعروا


والويل للشعب الأبيّ إذا اعتلى     دستَ الوزرارة حاكمٌ  (متدكتر)


كم خائنٍ يلقى الشباب مسمّمًا           أرواحهم وعلى الرقابِ يُؤمَّرُ


ومُغرَّرٍ ضلَّ الطريقَ ويدّعي                إن أرشدوه بأنه مُستبصر 


 متخبّطًا بدجنّةٍ وسبيله                   ما إن تعدّدتِ المسالكُ أوعر


 نبذ العقيدةَ والعروبة جانبًا                   عنه أذلك شأنُ من يتنوَّر


يا شاعرًا خبر السياسةَ مدركًا            أسرارَها وله ضميرٌ يشعر


 ناضلْ فليس العصرُ عصرَ أميمةٍ     ودعِ الخيالَ لمن بجدّك يسخر


    واسلكْ سبيلَك في حياة رحبةٍ         ما فاز في لذاتها المتحيِّر


فالواجبُ الوطني يدعونا نذدْ        عن موطنٍ كم رحت فيه تفخر


 أدِّ رسالتَه بعزمٍ صادقٍ                  وإذا انثنيتَ فليس ثَمَّ مُبرِّر


وصُغِ القريضَ عواطفًا مشبوبةً     هي بين طيّات الضلوع تُسعَّر


واستوحِ من رسل الدموع قصيدةً     أو ما يثيرك غيرُ لحنٍ يسحر


وابعثْ بطرفك حيث شئتَ فهل ترى       إلا مآسٍ فوق ما يُتصوَّر


شتّى مشاكلنا فعالجْ حلَّها                فالكسرُ قد يلتام حين يُجبَّر


لا نستطيع الجهرَ في آرائنا               فكأنما الآراء سرٌّ مُضمَرٍ


إن الحقائق قد تجلّتْ مرّةً                فلنعتبرْ وكذا الحقائقُ تُسبر


يا لَلرجال المصلحين تواكلوا           أَوَ ليس فيهم مصلحٌ ومفكِّر


هذي فلسطينُ الشقيقة تشتكي         عبثَ اليهود بها فلِمْ لا نثأر


تأبى العروبةُ وهي أعظم وازعٍ           أن نستلينَ لطغمةٍ تتأمَّر


إني لأهفو للقرون خواليًا               فأذوب وجدًا حينما أتذكَّر


أيامَ كان العُرْبُ في عليائهم        والليل في قبس العقيدة مُقمِر


ويحَ البلاد إذا تقاعسَ أهلَها     عن واجبات حقوقها أو قصَّروا


 



أحمد بن عبدالكريم الجزائري 1924 – 1962 : 


سعد صالح جريوالنجفي   1894 م – 1949 م   مناضل عنيد  ! دعا الى  تأسيس  عراق   ديموقراطي  مؤسساتي ! هل هذا العنوان كافٍ بحيث  يتناغم مع شخصيته الوهاجة ؟ ام سعد صالح جريو خطط  لثقافة عراقية رائدة هو العنوان الانسب ؟ هل نختار سعد صالح جريو رائد ردم الفجوة ( أو  حتى جَسْرها  )بين  السياسة والأدب  عنوانا بديلا ؟ ام العنوان الاصلح : سعد صالح جريوالنجفي  مناضل  من اجل عراق   ديموقراطي  مؤسساتي ! أم نمضي مع مقترح المفكر عبد الحسين شعبان فنقول سعد صالح جريو ستون عاما على رحيله ولما ينصف بعد ؟


وأضع احترازا مهما مؤداه انني اعرف حجم الزعيم سعد صالح تماما لذلك لن ارتكب إثم الوهم بان فرزاتي هذه الفرزة واخواتها اللاحقات  قمينة بانصافه ! ومتى كانت جهود كاتب فرد او كاتبين كافية لدرء الغبن عن رائد كسعد صالح  ! واذا نسيته المتصرفيات (المحافظات)  والمدن العراقية التي عمل فيها متصرفا ( محافظا )– وذلك مستحيل – فان على مدينته الوفية النجف الاشرف ان تؤسس لتكريمه لجنة من المفكرين والمؤرخين والفنانين والمهندسين قصارى جهدها ان تعرف الاجيال العراقية بعراقي فذ ارتفع مبدئيا عن وباء الطائفية والمذهبية والمدائنية والشللية ابتعد حضاريا عن التفسير الظلامي لحركة التاريخ ابتعد وطنيا عن التعبير الغوغائي عن المباديء ! قصارى جهد اللجنة المقترحة ( لجنة انصاف القادة المنسيين ) صناعة مجمع سكني متكامل الخدمات ومن ثم  اهداؤه الى فقراء المدينة ومعوزيها باسم مدينة سعد صالح ! وبناء منشأة   مركزية   كبيرة  تحتوي قاعات للاجتماع والحفلات الوطنية ومسرح وكَاليري ويطلق عليها اسم الزعيم سعد صالح ! فضلا عن اطلاق اسمه على بعض المدارس والكليات ذوات الصلة ! وتخصيص منحة دراسية باسم ابناء وبنات سعد جريو ! كانت مثل هذه المقترحات ضربا من الخيال وجنسا من البطر ! لكنها اليوم لم تعد كذلك بعد ان انتبه البلد الى نفسه ومارس دوره ! والحق اقول ان المدينة التي تكرم سعد صالح إنما تكرم نفسها !


شعرية  القصيدة عند  سعد صالح جريو :


الشعرية مسوغ الشعر ولا شعر حق دون شعرية ولكن الشعرية لاتسعى بقدميها الى الشعر او سواه من الفنون الجميلة او الحياتية والعكس صحيح ! الشعرية كما هي بؤرة الجمال في النص مكتوبا كان او مرئيا او مسموعا او مشموما او مذاقا او ملموسا ! الشعرية هزة كهروطيسية تعتريك وانت تتعامل مع النص ! نقول نص ولا نقول شعر ! فثمة شعر دون شعرية مثل الفية ابن مالك وثمة شعرية دون شعر مثل عينين جميلتين ! وكان ابن قتيبة الدينوري ت 216 هــ  يقول لجلسائه وفي  كتبه ( مقدمة كتابه الشعر والشعراء مثلا !! ) يقول : الشعر ما أنت فيه حتى تدعه ! ولقد وجدنا شعرية القصيدة لدى سعد جريو كامنة او متجاية سيان في الفكرة المحورية دون تفريط كثير بالبنية الخارجية !  ومع ان الشاعر جريو كان زعيما وطنيا بيد ان سلطان صوره الفنية زحف على عدد من الشعراء !


فإذا قال سعد جريو :


 الصبا والهوى وبيض الأماني   ذهبت كلها  كَظلٍّ ذاهب


حاكاه بدوي الجبل فقال


الهوى والشباب والأمل المنشود ضاعت جميعها من يديا


الامثلة كثيرة وقد اسبرق الوقت قابلا لكي ادرس نصوص سعد صالح دراسة موازنة ( مقارنة ) فالاحظ اين تأثر صاحب الترجمة واين أثَّر !! لكن الواضح لدي ان سعدا شاعر مقتدر هضم اللغة العربية الفصحى ودرس قواعد الشعر لثعلب !  وطبق البحور الشعرية  الستة عشر  كما تمرس على كتابة البحور الجديدة او المولدة ! بل وكتب نصوصا جميلة في البند محا كيا فنون ابن الخلفة وابن معتوق الحليين ! 


سلاما ايها الصحب فللمنتبذ الرب إذا ما صوَّح الدرب وقد ارقنا الكرب ! فلا تحزن اخا الحب ولا تسأل عن الركب ففي التعليل تهويل فهل يرضيك لو دبّْ على احلامنا الجدب ليبقى يوسف الصدق  على قارعة الجب ….


الجب الطب الجدب الركب صعب جذب ندب جنب السي رطب السغب لب


وجل الأ مل   —————–


* املي من وجلي  غاض الغرام      وانا  أمتح من  شهد السَّنا


ونديمي قد  سها عني ونام     وانا ألثم وحدي  السوسنا 


أحميا فاض كأسي أم حمام        أم جواب ٌ في سؤالي  كمنا


كنت قد فضت شعاعا في السما    فبدت منك بدور وشموس


وكسوت الارض بالزهر فما   هي في بهجتها إلا عروس


ذاك عهدٌ فيه دهري ابتسما     ثم اضحى اليومَ غضبانَ عبوس


كيف قد قطَّبَ ذاك الابتسام     وأقام البؤسُ من بعد الهنا


واستحال النورُ بحراً من ظلام غرقت في لجِّهِ بيضُ المنى


أفدهري راش لي تلك السهام أم ترى شكواي باتت ديدنا


الصبا والهوى ———————-


* الصبا والهوى وبيض الأماني       ذهبت كلها  كَظلٍّ ذاهب


حدثوني عن الشباب طويلاً        واعيدوا تذكار عهد الحبائب


أينَ  ولى الشباب أين نعيم       قد تندى بين المها والملاعب


صاحِ إني  لأشتري بعض يومٍ    من شبابي بحكمتي والتجارب


إنَّ نقصاً مع الشباب لأبهى    من كمالٍ مع المشيب الشاحب


وضلالاً مع الغوانيَ أجدى     من مشيبٍ يهدي الطريقَ اللاحب


ولليلٌ يوحي الحياةَ دجاهُ          هو خيرٌ من ألفِ فجرٍٍ كاذب 


سعد صالح في اسئلة الدكتور عبد الحسين شعبان ومقترحاته  —–


الأخ الصديق البروفسور عبدالاله الصائغ المحترم


تحية أخوية حارة


أنا مسرور جداً بما ترسله الي من زاد فكري وثقافي ومعرفي واكاد أقرأ كل حرف يصل منك بشغف وعناية ومتعة، لاسيما حول النجف وانتظر الآن الفرزة الثالثة على حد تعبيرك .


مضمون رسالتي هذه يتعلق بسؤال محدد أوجهه اليك حول سعد صالح ودوره الأدبي والثقافي، فقد مضى ستون عاماً على رحيله ولم يُنصف لحد الآن، أهو جحود عراقي أم غفلة أو أنه لم يُحسب على أحد أم لاعتبارات أخرى ولربما كل ذلك.سبق ان كتبت عنه لأكثر من مرة وأعد عنه الآن كتاباً بعنوان “سعد صالح : الفرصة الضائعة” وربما أنت أول صديق أطلعه على عنوان كتابي قبل صدوره ، هل أطمح أن تجيبني على بعض استفساراتي وانت العارف بالأحوال والأهوال التي تركتها الغربة علينا. 1- عندما تتفشى الطائفية اليوم أليس جديرا بنا ان نتذكر رجالات العراق غير الطائفيين، بل الذين جاهروا بعدائهم للطائفية منذ وقت مبكر، ولعل أبرزهم من موقع السلطة والمعارضة آنذاك كان سعد صالح. هل يمكن إضاءة ذلك؟ 2- يقول عبد الجبار الراوي في كتابه ” مذكرات عبد الجبار الراوي” الصادر في بغداد 1994 وبمقدمة من العلامة محمد بهجت الأثري: كان سعد صالح وزير الداخلية، يتابع بشكل جدي تنفيذ اجراءات الغاء المراسيم الاستثنائية التي فرضت خلال سنوات الحرب العالمية الاولى، … أوامر بالافراج عن المعتقلين، وتبع ذلك الغاء الاحكام العرفية والسماح للصحف المعطلة بالصدور، لخلق الأجواء والشعور بأن حالة الحرب قد ولّت وان السلم قد عاد الى البلاد…ولما حل شهر نيسان (ابريل) 1946 ، طلب مني أن أرافقه الى الشمال لدراسة الوضع، وحينما وافيته في الموعد المحدد، طلب التريث مبيناً أن لديه أوراقاً يجب أن يوقع عليها قبل سفرنا. فقلت له : ما هذه الأوراق؟ فقال إلغاء المعتقلات والسماح بانشاء الاحزاب. فقلت له: هل تخاف أن ترجع من الشمال وأنت لست وزيراً؟ فأجاب ربما يكون ذلك!  ويضيف الراوي: ولما بلغنا كركوك، استقبلنا أمين خالص، متصرف اللواء، ومعه عبد الرزاق فتاح، مدير الشرطة. وأبدى لي مدير الشرطة تخوفه من الوزير لخلاف سابق بينهما كان قد حصل في الناصرية والكوت. فقلت للوزير: ان مدير الشرطة خائف منك، فسألني: كيف عمله؟ فأجبته جيد. فقال الوزير سعد: لا يخفْ، أنا أعطي الحق للذي أكرهه وأنا كاره، وأعطيه للذي أحبه وأنا فرِح . هذه كلمات أحببت تسجيلها لذكرى سعد صاحب الضمير (ص 191-192).


هل يمكن التوقف في هذا الحديث على ثلاث مفاصل : 1- شعوره بأن الوظيفة طارئة والباقي هو العمل الصالح. 2- عدالته رغم الاختلاف، لاسيما الجانب الشخصي. 3- إيمانه بالمثل الديمقراطية؟ 3- هل يمكن أن تستذكر موقف سعد صالح من معاهدة بورتسموث؟ لاسيما عندما أريد تحريض البرزخ الطائفي، خصوصاً بوصول وفد النجف الى بغداد لكون رئيس الوزراء صالح جبر والذي سميت المعاهدة باسمه ” معاهدة جبر-بيفن بورتسموث” ينتمي الى نفس الطائفة التي ينتمي اليها سعد صالح، الذي كان معارضاً شديداً للمعاهدة، الأمر الذي أحبط محاولة استثمار المسألة الطائفية. كيف تقيّم ذلك بعد مرور 60 عاماً؟ 4- هل يمكن التوقف عند بعض انجازات سعد صالح الادارية، لاسيما عندما كان محافظاً (متصرفاً) لعدد من المحافظات (الألوية)؟  5- في ندوة الكوفة كشف المؤرخ محمد مظفر الادهمي عن وثيقتين بريطانيتين كانت قد أعدتا ضد سعد صالح، وقد حصل ذلك بعد 50 عاماً على وفاته باعتباره خصماً للانكليز وعدواً لسياستهم في العراق، كيف تقيّم ذلك الآن، علماً بأن سعد صالح لم يكن معارضاً راديكالياً، فهو موظف رفيع في الدولة العراقية وخرج من معطف الحكومة كما يُقال، ولكن من يرسم السياسة احتسبه على التيار المعارض الراديكالي، هل يعود الامر لوطنيته أم لنزاهته أم لمواقفه المعارضة ضد التيار المحسوب على البريطانيين وضد الفساد الاداري والمالي، ناهيكم عن موقفه من الحريات وحق الاحزاب وحرية الصحافة ومن معاهدة بورتسموث؟ وهل يضيق البريطانيون ذرعاً بأي هامش للتعبير والاختلاف رغم عراقة ديمقراطيتهم؟  6- ما هي أبرز ملامح شخصية سعد صالح كمثقف وأديب؟ وكيف تصنف خطبه البرلمانية ومقالاته السياسية، لاسيما في جريدة حزب الاحرار الذي تولى رئاسته في إطار الأدب السياسي، وماذا لو عاش بضع سنوات أخرى، هل كنت تجد فيه مشروعاً ونموذجاً عراقياً وطنياً ريادياً أم أنه كان جزءًا من فرصة ضائعة وقد يكون قد جاء في الزمن الغلط!! أطمح في أن تسنح لك ظروفك وبالقدر الذي تستطيع إضاءة بعض هذه الجوانب مراهناً على أكاديميتك وحرصك وصداقتك، إضافة الى انتمائك للمدينة ذات القباب الذهبية التي نجتمع عندها وفيها.


المخلص . إ . هــ


dr_shaban21@hotmail.com


التاسع من مايس 2009


عبد الحسين شعبان


  سعد صالح ارشيف الصائغ ——————


سعد صالح جريو أديب ظريف ومُرَبٍ حصيف  ووطني نظيف  ووجيه نجفي ساطع !  وزعيم عراقي  شاسع ! سعد صالح جريو سليل اسرة هاشمية أعرجية  حسينية شريفة  تسمى آل بو جريو ! وفي لقب جريو تعليلان الاول تحريف لاسم احد جدود الاسرة واسمه جريء الدين والعرب تستثقل الهمزة فسهلت الى الياء كقولهم في منائر مناير ! والآخر تحريف لاسن احد اجدادهم واسمه كليب بن السيد ابراهيم ! وهذه العائلة الهاشمية تتمتع باحترام كبير من لدو النجفيين بخاصة والفراتيين بعامة بل العراقيين جميعا لما لها من ثقل اجتماعي ووطني ! وهم عرب اقحاح عراقيون اصلاء ومؤلم قول السيد حمزة الكرعاوي  واحسبه اسما مستعارا وهو يذكر الزعيم سعد صالح على ان اسمه مقحم في ثورات النجف بل يجزم الكاتب وا أسفاه  وهو يتحدث عن آل بو جريو قائلا ( وهذه العائلة النجفية لا علاقة لها بالثورة ابدا ) !! . وفي النجف ثمة زقاق يسمى عكَد البو جريو بين سور النجف الداخلي ومتوسطة الخورنق وحين كنا طلبة في متوسطة الخورنق سنة 1956 محتجين على حكومة نوري السعيد لهوان موقفها من العدوان الانكَلو فرنسئيلي  ضربتنا الشرطة بالرصاص الحي فكان الطلبة يلوذون ببيوتات عكَد خانية وعكَد البو جريو بينما طفقت  العوائل تخبيء الطلبة وتتستر عليهم غير آبهة بالهوية كما تأبه الشلل العدمية  اليوم  فيا للزمن المجيد !  وقد نافحت اسرة السادة آل جريو عن النجف الأشرف ضد الغزوات الوهابية الشرسة بقيادة  السيد صكَر جريو !  واذا حل عام  1915 قاتلت النجف المحتل الانجليزي في شعيبة البصرة بقيادة الإمام السيد محمد سعيد الحبوبي ! فتحلق حوله فتيان ال جريو وفي الصميم المغفور له البطل السيد علي جريو !  وحين حل عام 1918 وشب لهب  ثورة النجف كانت راية ال جريو خفاقة بين رايات القبائل النجفية الباسلة ودافع الجريويون عن النجف الاشرف ! ويمضي فتيان هذه الاسرة لتحتل مكانة مرموقة  في 1920  فكان الزعيم السيد سعد صالح جريو ضمن قادة الثورة ومعه كل من السيد يعقوب صالح والسيد حسين سيد علي والسيد محسن سيد علي وآخرين ! وعميد  السادة آل جريو هو السيّد باقر السيّد يعقوب السيّد محمد صالح الاعرجي الحسيني .


 سعد صالح جريو سيرة عراقية مشرفة  ————–


ولد السيد سعد صالح في مدينة النجف الأشرف سنة 1894 لأبوين هاشميين وقد تلقى تعليمه الاولي لدى الكتاتيب فكان طفلا ذكيا ختم  السور القرآنية دون عناء وبوقت قياسي وحفظ شعر الفصحى من غير تكليف ! بل والشعر الشعبي ايضا !!   فادهشت مواهبه شيخه الظريف والصارم معا الملا  عباس المازندراني رحمة الله عليه  ! وهو الى ذلك معتدٌّ  بنفسه ويتصرف على انه الخلفة اي  خليفة الملا  من بعده ( معلم معيد )  ! وفي سعد بعض غلظة وأنفه أوقعتاه  في خصومات مع الصبيان من أترابه الذين يدرسون  معه او يلعب معهم  !   وقد حصلت خصومة تاريخية مشؤومة بينه وبين طفل أكبر منه  سنا  وأخشن جسداً  وأغلظ  طبعاً ! وهو اسماعيل هرندي الذي ادخل سلاية القلم في عين سعد اليسرى  فاطفأتها  للتو ! وظل يكابد من كونه وحيد العين  بما انعكس على شعره غلالات حزن مرة  وغضب تارة  وثورة تارات وحين كبر استعمل النظارات الغامقة لاخفاء الأثر ! ويجعل بروفيله خلال التصوير الجهة اليمنى من وجهه !! كان ابن جريو  شهما في  المروءة ! و نهما في المعرفة  فلايكاد يمضي عليه وقت من يومه دون قراءة ومذاكرة ! ثم انصرف للدراسة الدينية فدرس المقدمات والسطوح ! وكان زيه كدأب امثاله عهد ذاك الدشداشة البيضاء والقباء والعباءة واليشماغ المنبت والعقال وهو كما المعنا  زي شباب النجف عهدئذ ! بعدها دخل دار المعلمين الريفية في ابو غريب وتخرج معلما متفوقا على زملائه مما بوأه لاشغال ادارة مدرسة الايتام في بغداد وقد اعتاد الزي الافرنجي او زي الافندية ! وعمل بعدها معلما في المدرسة الجعفرية لكن حرفة التعليم لم ترض طموحه فعمل ملاحظا في وزارة المالية وما لبث ان ضاق بعمله الجديد فانتسب الى كلية الحقوق وقد ربطت الصداقة بينه وبين الزعيم صالح جبر فقد كان الاثنان يعانيان من الضائقة المالية بحيث اقاما في فندق السعادة وهو فندق  شعبي صاخب وغير مريح يحاكي الخان من حيث عدد الغرف و يقبل بأجر ضئيل ! فاستاجر بعض المحامين غرفا داخله بل وثمة صحيفتان تحتلان مكانين متقابلين  في فندق التعاسة كما يسميه سعد صالح وهما جريدة الرافدان للاستاذ سامي خندة وجريدة دجلة للاستاذ جابر السعدي ! وبعد تخرجه بتفوق من كلية الحقوق  شغل وظيفة وكيل قائمقام بيد انه سرعان ما استقال منها برما بها وعاد الى النجف ليمارس المحاماة والدفاع عن الفقراء والمظلومين فكان  اول نجفي يحصل على ليسانس حقوق من العراق ! واحد اوائل  المحامين الذين  يترافعون  عن الفقراء والمظلومين مجانا !! .


صاحب الترجمة  سليل  عشيرة انجبت للوطن والثقافة عددا مهما من المناضلين والمثقفين ! ولعل من ابرز رموز هذه العشيرة النقية هو السيّد سعد صالح المولود ومحمد مهدي الجواهري في السنة ذاتها ونعني  سنة 1894 لكن الوفاة ادركته مبكرا ! فقد ودع الحياة غير آسف عليها سنة 1949م،


وتاريخ سعد صالح ينبئنا انه  اكمل دراسته الأولية في النجف الاشرف المدينة التي انجبته كما انجبت كبار العلماء والزعماء والخطباء والشعراء فهي حاضنته ايضا وشهدت  نشأته الاولى، ثم انتمى إلى دار المعلمين ببغداد كما مر بنا وتخرج فيها، ثم واصل دراسته في كلية الحقوق كما تقول سيرته العلمية وتخرج فيها عام 1925 ومارس المحاماة وبرع فيها بنزاهة القانون وقوة ثقافته. وهو سيّد علوي يضرب جذره النسبي بجده الأعلى عبيدالله الأعرج احد احفاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام.


وآل جريو هاشميون أقاموا في النجف الأشرف منذ زمن بعيد وسُمّوا ( بآل جريو ) نسبة إلى احد اجدادهم ( جريء بن القاسم ). وكان لهم منذ قرنين تأثير مهم في صناعة تاريخ النجف، وعرف سعد  في مطلع شبابه تلميذاً مقتفيا اساتذته من علماء الحوزة والمرجعية ، فدرس عليهم مبادئ الفقه والبيان والمنطق، وأجيز فيها وامتاز بذكاء فطري وحسن كياسة وحصافة.


أسهم الزعيم الوطني سعد صالح جريو  في ثورة النجف الكبرى  على الانكليز سنة 1918 وانتمى إلى حزب ( حرس الاستقلال ) سنة 1919 الذي ساعد على نشر مبادئ النضال الوطني ومنه انطلقت ثورة العشرين التي ارغمت المحتل الانكليزي على تنفيذ مطالب الشعب العراقي في تأسيس دولته الحديثة في عام 1921. وتنبه النحتل الى خطورة دور سعد صالح في تجييش الراي والسلاح ضده فلاحقه وهكذا تعرض سعد صالح إلى المطاردة الانكليزية والنفي خارج وطنه، ولكنه ظل صُلب الارادة شجاع القرار  وربط فكره وعقله بسلوكه الوطني. وآناء الحكم الوطني كان من الزعماء المعارضين الأشداء  على العهد الملكي. بيد ان  معارضته لبثت حضارية فلا كلمات بذيئة ولا طموحات دنيئة  فحياته وهو المعارض  الوطني وسلوكه وهو  الاداري الحازم والشفاف معا ! طراز رفيع حقا ! انه فارس بني جريو فالوطن لدى بيت السادة آل  جريو يكون ترتيبة دائما وابدا  اولا وثانيا وثالثا واخيراً !! سعد صالح   تنقل في مفاصل  الدولة فمن مدير ناحية عكيكة المصاقبة لسوق الشيوخ ( وكان الصائغ  معلما ابتدائيا في مدرستها الوحيدة عام 1962 وهي شبه جزيرة تصلح للسياحة العالمية !  كنت اصغي بكل جوارحي  لذكريات معمريها عن انسانية سعد جريو وحزمه ! وميله للطرافة في اشد المواقف خطورة ! ) ويبدو ان الاستاذ عبد الحسين شعبان قد اهتدى لكنز من مخلفات الزعيم سعد صالح واعني اولاده وبناته فهو يقول انه حصل على شهادات من ابنتيه  الاستاذتين سلمى ونوار و من ابنه  المحامي لؤي سعد صالح وذلك يعني ان موضوعات مخبأة سوف تكشف عنها الشهادات العائلية بما يؤكد وبما يدحض وبما يعدل ! .


سعد صالح جريو نصير الشعب الكوردي ————-


لابد من القول ودون تنطع ان النجفيين عروبيون وأمميون معا ! فهم يأنسون لكل العراقيين ولجميع الوافدين وليس لديهم تحفظ على اية قومية عراقية او دين عراقي فاحتضنوا الكورد بمحبة كبيرة وخالطوهم وناسبوهم وتساكنوا معهم وبخاصة الكورد الفيليةالذين وجدوا في النجف والكوفة اناسا ودودين  بقلوب حانية وفي النجف كما مر بنا في فرزات النجف ثمة عكَد للكورد وعكَد لليهود ومحلة للوافدين من مدينة العمارة الحبيبة … الخ !! ومعظم زعماء النجف يتبنون حقوق الشعب الكوردي العظيم سواء في ذلك القدامى  منهم كالشرقي والشبيبي وسعد صالح  ومحمود الحبوبي والمحدثين كالشهداء سيد حسين الرضي ومحمد باقر الصدر وحسن عوينة  ! ففي بيت الزعيم عطية  ابو كلل – كمثال – ثمة اسماء اولاده مثل كوردي وتركي وعجمي وهذه  الاسماء رائجة  في النجف كانت وما فتئت ! فليس غريبا ان يتعاطف سعد صالح مع قضية شعبنا الكوردي والتركماني مثلا !! قال سعد صالح  في مجلس النواب ( إنني اريد للألوية الكوردية نفس ما اريده للألوية العربية ! اريد رؤية شعبنا العراقي متساويا في كل الحقوق والواجبات ! فالمطر يهب خيره للجميع :


فلا مطرت عليَّ ولا بأرضي       سحائبُ ليس تنتظم البلادا


انني ادعو فخامة رئيس الوزراء الى الكف عن اخماد نائرة الثورة الكوردية فحين نوقشت قبل يومين قضية البارزانيين تجهم وجه فخامته وكان رده مشوبا بالغضب مع انه لم يسمع مني سوى النزر اليسير فانا انقل ما يتداوله الناس عن تلك القضية وعن اهراق الاموال العظيمة التي صرفت لإطفاء ثورة القبائل الكوردية ! انك يافخامة الرئيس سمعت مني بعض ما اعرفه  ولم تسمع مني كل ما اعرفه ! فليس كل ما يعرف يقال ! ومع ذلك وصفتني فخامتك بالتجرؤ على حكومته واتهامها بقمع طموحات المواطنين بل قاطعني وقال انه يرد عليَّ بكل القوة ! فلا ادري ماذا يدخر فخامته من القوة غير المستعملة ؟ وفخامة رئيس الحكومة حفظه الله ورعاه لايتورع في غضبه فقد استعمل ضدي من التعابير ما لايرضاه له صديق فلقد ذكرني موقفه هذا بمقطع للشاعر اللاتيني جوفنال المتوفى عام مئة واربعين لميلاد سيدنا المسيح  وهو يخاطب الحاكم عهد ذاك ( ما أكثر ما تخلعونه على النزاهة من برود الثناء ! ولكنها مع ذلك ترتجف من البرد ) !


وقال في مداخلة اخرى ( .. نريد من جيوشنا ان تعود الى ثكناتها لكي نحارب بها الرذيلة ! نحن نحتاج الى احزاب سياسية ومنظمات اجتماعية تتسابق فيما بينها لبعث الفضيلة ومحق الرذيلة وتشجيع الكرامة الوطنية فالبلاد التي تنمو فيها الموبقات والآثام لاتعيش فيها الفضائل والأمجاد ! والأمة التي تعتاد احتمال الهوان تموت ميتة الجبناء فيدوس التاريخ جثتها باقدامه احتقارا وازدراءا


من يهن يسهل الهوان عليه   ما لجرح بميت ايلام


ولكن ليس في وسعنا بعث الكرامة الاجتماعية وكرامات الافراد موضوعة للمناقصة والمزايدة كيف نبث شعور العراقيين بالكرامة القومية ؟ هل بإسدال الستار على الآثام والموبقات ونجاة مقترفيها من طائلة الحساب والعقاب ) !


وللكورد الفيليين في النجف والكوفة ذكريات جميلة مع الزعيم سعد جريو فهو يتفقدهم تفقد الصديق ويحضر مجالسهم كفرد منهم كلما تحقق لديه الوقت !


سعد صالح نصير الثقافة والابداع    ———-


انهم اعلام النجف الاشرف واعلام العراق !! قواسم وطنية وابداعية مشتركة ! احمد الصافي النجفي وعلي  الشرقي ومحمد رضا  الشبيبي ومحمد مهدي الجواهري عبد الصاحب عبيد الحلي و محمد علي اليعقوبي وعلي بازي  والسيد ابو الحسن الموسوي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ومعروف الرصافي ومير بصري  وجعفر الخليلي هؤلاء وغيرهم كانوا احباب سعد صالح يصغي الى كبيرهم ويحنو على فتيهم ويمزح مع أترابه ! وفي فترة عمله كمتصرف في الناصرية كان ينعقد في بيته ليالي الخميس  مجلس للشعر والقول المأثور ! يغطيه اعلام الادب والقول عهد ذاك !  حين مر  رائد القصة العراقية جعفر الخليلي بالسيد سعد صالح وكان متصرفا للواء المنتفك دون مذكرات مهمة عن المتصرف سعد صالح فمثلا اهتبل سعد الفرصة فدعاه الى بيته لتناول طعام العشاء ودعا على شرف الخليلي كلا من السيد سعيد كمال الدين والشيخ محمد حسن حيدر ! وعددا من ادباء سوق الشيوخ وفي تلك الليلة الليلاء وفي بيت المتصرف سعد صالح جرت في البداية مطاردة شعرية بين الشاعر السنيد من سوق الشيوخ والشاعر الدبوس وانظم الخليلي الى فريق الدبوس بينا انظم سعد صالح الى فريق السنيد وكان الفوز للسنيد وجريو ! ثم حدثت مشاجرة شعرية طريفة بين الشاعر السيد سعيد كمال الدين وبين الشيخ محمد حسن حيدر وكان القاضي بينهما سعد صالح وسجل حكمه بابيات شعرية :


سعيد كمال الدين يوسعنا شعرا     وينزلنا  في شعره جنة خضرا 


ولكن شيخا جاء يدعى محمدا     اذاب قوافيه على كبد حرى


هما بعد ضيفاي اللذين حباهما   الهي لطف الطبع في لغة غرا


اقول سعيد فاز بالشعر ليتني   اقول محمد في شعره كسب النصرا


هما نخلتا حلوان في الشعر من ترى   يفضل في احكامه النخلة الاخرى


يقول صديقنا الاستاذ  حامد كَعيد الجبوري الحلي في معرض حديثه عن الشاعر الكبير عبد الصاحب عبيد الحلي ان هذا الشاعر الشعبي قد ساهم في حركة رشيد عالي الكيلاني مايس 1941 م و طبع ديوانا له اسماه  الحياة الحرة بعد تحطيم انكلترا و بسبب فشل الثورة احرق الديوان من قبل متعهد تصريفه، و صدر امر بالقاء القبض عليه، فشفعت له وساطة المرحوم السيد سعد صالح جريو متصرف لواء الحلة انذاك إ . هــ ومتصرف الحلة سعد صالح كان حديث المجالس الحلية فهو متصرف وشاعر وانسان قدم للحلة الكثير ولعل جنائن الحلة المعلقة الاصطناعية شاهد آخر على عشق المتصرف النجفي للواء الحلة ارضا وشعبا ! وجنائن سعد صالح  غير جنائن نبوخذنصر! فهي جنائن شيدت   بطلب من سعد صالح جريو متصرف لواء الحلة وقتها ! على انقاض مزبلة كاربت تلا كبيرا ! ضمن حكاية طريفة تصلح درسا للمحافظ  العراقي الحديث ! فكثيرا ما كان سعد صالح جريو يمر بتل  في وسط المدينة تشكل على مرور الوقت وبسبب الاهمال من مزابل المدينة وانقاضها فيستفزه منظر تل القمامة القبيح  وقد استحال الى مصنع للاوبئة بسبب الحرية التي يتمتع بها الذباب والجرذان والقطط والكلاب السائبة  فطلب سعد صالح من مهندس انجليزي فنان تحويل تل النفايات  الي جنائن تسر الناظرين تحاكي الجنائن التاريخية وهكذا نفذ هذا المشروع الرائد بعزيمة سعد صالح جريو وذائقته الفنية ! وهكذا كنا نحن النجفيين نأنس لهذه الجنائن المعلقة الاصطناعية فنجلس على بساط سندسي مستظلين بالشجر الوارف ناعمين بعبق الزهور والرياحين ! وبات هذا التل ملتقى للعوائل الحلية فمن يعرف ان هذا التل من بنات افكار سعد صالح ترحم على روحه الطاهر ومن لم يعرف يقول في نفسه ليرحم الله من ترك هذا الاثر الفني الجميل ! بل وكان سعد صالح متصرف الحلة شغوفا بالكتب والمكتبات ويمكن القول ان مدينة الحلة الفيحاء تشكل في خارطة الابداع العراقي والثقافة العراقية واحدة من المعالم الثقافية العراقية المعروفة كمثل بغداد والبصرة والموصل وسامراء والنجف والناصرية والعمارة  ! وعليه فقد عرفت الحلة المكتبات الكبيرة الخاصة منذ ابن طاووس بل منذ انتقال الحوزة الدينية الى رباها بعد احتلال المغول لبغداد سنة 656 هـــ ! ثم اهملت في العصور العثمانية الثقيلة وفي العصر الحديث نهضت مكتباتها من جديد ويتذكر الحليون  المعمرون مكتبة الفرات التي افتتحت نهاية الربع الاول للقرن العشرين ثم توالت المكتبات وتتالت وكان بعض زعماء العراق من العسكر يدخلون الحلة ليلة الجمعة لانتقاء كتب يطالعونها في معسكراتهم مثل الزعيم عبد الكريم قاسم وكان آمر معسكر المسيب ومحمد رفيق عارف وفاضل المهداوي ! حتى اذا جاء الزعيم سعد صالح متصرفا للواء الحلة شجع فتح المكتبات وخصص مبالغ دعم لها من خزينة اللواء بل وكان يطلب من القائمقامين ومدراء النواحي ان يفتتحوا مكتبات عامة في مراكزهم وخاصة في دوائرهم ! واخبرني المغفور له الشاعر الاستاذ شاكر حيدر معاون محافظ الحلة في ستينات القرن العشرين انه وجد غرفة مغلقة في مبنى المحافظة ففتحها فوجد فيها كنوزا من الكتب بعضها عليها هوامش وتعليقات مهمة بخط سعد صالح جريو ! .


سعد صالح متصرف  لواء الناصرية —————–


يقول الخليلي جعفر انه دعي لزيارة سوق الشيوخ من قبل صديقه الشيخ محمد حسن حيدر وكان السيد سعد متصرفا للواء النتفك وخلال مروره بالناصرية جاءه رسول من سعد صالح ليقول له انك مدعو عند المتصرف ولا يقبل منك اي اعتذار فخشي الخليلي من الرسول وزار بيت سعد للمبيت فيه بناء على رغبة سعد فالتقى هنالك بمتصرف الديوانية السيد عبد الله القصاب لاجراء حوار بينهما من اجل تشكيل جبهة متصرفين في وجه صالح جبر الذي كان عهدها وزيرا للداخلية  وعند عودة الخليلي من سوق الشيوخ مر بسعد بناء على اتفاق بينهما فاولم سعد وليمة دعا اليها بعض الوجوه والادباء مثل السيد سعيد كمال الدين والشيخ محمد حسن حيدر وهناك في بيت المتصرف سعد جرت مساجلة شعرية بين كمال الدين ومحمد حسن حيدر حكم فيها سعد صالح ودون حكمه بابيات شعرية وكان مجلسا لاينسى (  وبدا لي سعد مكشوفا بطهارة قلبه وصفاء نفسه وقد اراني هنا ما لم اكن قد رأيت من طيب السريرة والوداعة ( … نكملها في الفرزة اللاحقة ) .


روف ابو جدّاحة ——————–


هناك في المنتفك طغى نهر الفرات وزادت نسبة الطغيان اكثر من كل سنة ! وكان الخوف على المدينة من الغرق ياتي من مكان يعرف ابو جداحة فراح سعد صالح يبذل كل وقته وطاقته وجهده لكي يمنع كارثة الغرق فالناس في الناصرية يختزنون اسود الذكريات عن فيضانات ابو جداحة ( اقول انا عبد الاله الصائغ انني شهدت بنفسي فيضان روف ابو جداحة سنة 1954 وكنت تلميذا في المدرسة المركزية الابتدائية واسكن مع اخي الكبير المغفور له عبد الامير الصائغ في احد بيوتات الصحة التي تقع خارج الناصرية قريبا من روف ابو جداحة وقد شاهدت بعيني طوفان بيوت القصب والجثث البشرية والحيوانات النافقة تطفو على الماء المندفع كما الشلال بل شاهدت الكثير من جثث الاطفال المنتفخة في بانوراما قدرية مروعة جدا ) وكان الاستاذ جعفر الخليلي وهو يلبي دعوة حميمة في سوق الشيوخ يقول للقلقين من طوفان ابو جداحة وبثقة كاملة : ثقوا ان الناصرية لن تغرق ! فتعقد الدهشة افواه اهل الناصرية !! وحين يستثقلون تفاؤله وغيبياته يوضح الخليلي رحمه الله دون ان تفارق ابتسامة الثقة شفتيه : هل تظنون ان المتصرف سعد صالح سيسمح لروف ابو جداحة ان يدمر الناصرية ! وكان قول الخليلي حقيقا بالموضوع وخليقا بخلق سعد صالح الاداري الحازم والعراقي الحالم !! بل وهذا الذي حصل فعلا فقد كان سعد صالح رحمه الله يعمل مع العمال والموظفين ويحمل هزز التراب والاحجار بنفسه ولم تنفع معه توسلات من حوله بان يلاحظ وضعه الصحي الحرج ! وحين علم الناس ان المتصرف يحمل اكياس التراب المصنوعة من الجوت الهندي اندفعوا مثل رجل واحد وحافظوا على سلامة مدينتهم ! .


زعيم شاعر ام شاعر زعيم  ———————


في علم تحليل النص ثمة دقة في التعامل مع الجملة اسمية كانت ام فعلية !! فقولنا مثلا جاء زيد مختلف تماما عن قولنا زيد جاء !! ففي الاولى يكون المركز او المسند او الهم الدلالي هو المجيء وليس محمدا ! وفي قولنا الثاني يكون همنا الدلالي المركزي منصرفا الى زيد وليس الفعل جاء فكل من نبتديء به يكون معنيا بمقول القول ! اذن يكون العنوان القريب من حقيقة سعد صالح هو سعد صالح وطني شاعر اي اننا نركز على وطنيته قبل شعره وهكذا دواليك ..


وهل كثير على مبدع عراقي شغله الهم الوطني ان يكون كذلك ؟؟


يرى  المؤرخ  العراقي اليهودي الثبت والشاعر والقاص والناقد  المغفور مير بصري ان سعد صالح كان شاعرا بالفطرة وكان على اعتاب مجد شعري سامق لولا  عشقه الوطن الذي قاده الى السياسة  ولولا  طموحه العريض الذي قاده للادارة !! وهذه نماذج من شعر سعد صالح جريو : بلادي رهينة قُهّارِها ————-


وقفتُ بطامسِ آثارها     فهاج الجوى نوحُ اطيارها


بروعٍٍ قد اغبرَّ منها الاديم     حداداً على فقد أقمارها


سلامُ عليكِ هضابَ العراق    منار العلى برج انوارها


فوالهف نفسيَ كفُّ الخطوب    تشقُّ حشاكَ ببتارها


وتهجر ارضك تلك العلوم  وقد كنتِ كعبة زوارها


عزيزٌ على الحرِّ تلك البلاد    يراها رهينة قهارها


سئمت العيش في وطن     يضام يذل يضطهد


محته يد غدرت          فلا روح ولا جسد


عفت تلك الربوع فلا   قديمات ولا جدد


رياضٌ صوَّحتْ ومها     رداها مجمع بدد


فيا زمني أقِلْ وطني   إذا ما استامه الأبد


ويا وطني أقل شجني   وقد الوى بيَ الجَلَد


جميل حديث  المؤرخ ورائد القصة العراقية والصحفي المغفور له جعفر الخليلي عن صاحبه سعد جريو ! فقد استطرد في منعطفات صديقه سعد جريو الشعرية !! ( .. وسعد شاعر وخطيب وله شعر كثير اغلبه يصور نزعاته الوطنية وقليل منه في النواحي الاخرى وقد وضع سعد صالح جريو لمدرسة الغري الاهلية في النجف اناشيد وطنية جيدة كانت نتشدها المدرسة الى وقت قريب ! ولقد انشده مرة المستر كرملي ونحن في قارب بدجلة ابياتا بالانجليزية تتضمن تمنياته الطيبة للعراق وشعبه وتمنى في شعره ان يظل العراق دوما في رخاء من حيث ارضه وبساتينه ومزارعه فرد عليه سعد صالح مرتجلا ثلاثة ابيات بالعربية تتضمن المعنى  نفسه ولكن للشعب الانجليزي وعلق سعد قائلا ان هذه تمنيات مجرد الفاظ ينبغي ان يرد عليها بالالفاظ وحينما تكون التمنيات اعمالا فسوف ارد عليها بالاعمال ! ولقد رثى نفسه قبل ان يموت باسبوعين بقصيدة من نحو ستين بيتا اسماها – الأشباح – ولما كان غير قادر على ان يمسك القلم بيده فقد كان ينظم الابيات ثم يتلوها على من يحضر ليكتبها عنه وقد كتب شطر منها بقلم حسن الاسدي وشطر اخر بقلم محمد كمال الدين وشطر بقلم ابنته سلمى  سعد صالح جريو ! ويعز علينا ان لانعرف شيئا عن ابنته سلمى ؟ أهية كاتبة ؟ وهل دونت سيرة ابيها  ؟؟ عموما  هذه ابيات من قصيدة الاشباح التي نشرتها الصحف بعيد وفاته


الأشباح ————-


أبوارق الآمال والآلام             لوحي لعلك تكشفين ظلامي


فلقد بدا شبح الهموم على الدجى   حلكا ركاما قام فوق ركام


يوحي الى نفس الكئيب كآبة   خرساء تخلع مهجة الضرغام


متوسطاً شبحين ذاك لمحنة الـ     وطن الأسير وذا لفرط سقام


فلعلتي شبح رهيب كالردى            ولموطني شبح جريح دام 


إني إخال العمر فصل  رواية           حبكت وقائعها يد الاحلام


فروايتي وصلت لآخر مشهد         وبدايتي اكتملت بفصل ختامي


    


سعد صالحا والعمل الوطني  ———————-


مبكرا زج سعد صالح نفسه في العمل الوطني ويروي الصديق الاستاذ كامل سلمان الجبوري في تمهيده لمذكرات الكابتن مان مايفيد ان هناك ( مذكرات سعد صالح جريو ) ومثل هذه المعلومة تمثل لكتابتنا مرجعية بالغة القيمة ! ومن خلال عدد من المذكرات وبخاصة مذكرات السيد حسين كمال الدين ومذكرات السيد سعيد كمال الدين يصل القاريء الى  ان جريدة العرب بعددها الصادر 16 تشرين الثاني 1918 نص بلاغ الحلفاء الذي اعلن في باريس ونيويورك ولندن والقاهرة في الثامن من تشرين الثاني فتلاقفته ايادي الشبيبة في كل اصقاع العراق وكان ان اطلعت شبيبة النجف على البلاغ المجحف وفي الصميم السيد سعد صالح جريو والسيد سعيد كمال الدين والشاعر احمد الصافي النجفي وهرعوا الى منخفض ارضي قرب السكة الحديدية ليتشاوروا وزيتدارسوا كيفية افشال مخطط الحلفاء فاتفق الراي على افشال جريمة الانتخابات تحت خيمة المحتل واتفق الراي على ان تكون الدعوة لحكومة عربية ملكية نيابية ديموقراطية فنهدوا الى ترويج افكارهم بين الاوساط الفراتية ! وقد استطاعت مجموعة سعد صالح جريو كسب كل من الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد محمد رضا الصافي والسيد علوان الياسري والشيخ محمد باقر الشبيبي والسيد عبد الرضا الشيخ راضي والسيد كاطع العوادي والشيخ شعلان الجبر والسيد نور الياسري والسيد محسن ابو طبيخ والشيخ عبد الواحد ال سكر والشيخ علوان الحاج سعدون والشيخ غثيث الحرجان والشيخ شعلان ابو الجون وذلك يعني ان مجموعة سعد صالح من الشباب النجفي هيات السبيل اللاحب لثورة العشرين ! . يقول الاستاذ احمد الناجي في  موقع الحوار المتمدن حول  تأسيس الحزب الوطني النجفي في 3 تموز 1918، فقد تبنى الحزب  نشر الأفكار الوطنية، وأعضاؤه المؤسسون هم الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد رضا الشبيبي والسيد سعيد كمال الدين والسيد محمد رضا الصافي والشيخ محمد باقر الشبيبي والسيد حسين كمال الدين والشيخ محمد جواد الجزائري والشيخ علي الشرقي والسيد سعد صالح جريو والسيد احمد الصافي والسيد محمد علي كمال الدين. وقد انضم اليه جمع كبير ومن طبقات مختلفة وكانوا يتلقون توجيهاتهم من الطبقة الروحية العليا وهم الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجزائري والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي والشيخ مهدي الملا كاظم الخراساني، وكان للحزب الوطني النجفي علاقات واسعة مع البعض من رؤساء العشائر وشيوخها وأبناء المدن والحواضر القريبة، فقد كان له معتمدون في مدينة الحلة وناحية الكفل.


لقد نعم العراق لاول مرة في تاريخه وربتما لآخر مرة ! نعم حقا  بوزير داخلية استثنائي عمل المعجزات في وقت قياسي من اجل ترسيخ الخطى الديموقراطية وهذا الوزير لايمكن ان يكون سوى سعد صالح جريو الذي صار وزيراً للداخلية عام 1946. وفي عهده أُجيزت عدة احزاب وطنية، منها حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي. ولكن سعدا صالح جريو استقال من وزارته بعد ثلاثة اشهر فقط   ! ان سعد صالح وزير  الداخلية بكل ثقلها في حكومة توفيق السويدي  لم يلبث سوى ثلاثة اشهر  فتمكن في  تسعين يوما لاغير ان يطلق حرية الصحافة ويرفع القيود على تحركات رجال الاعلام كما الغى  الاحكام  العرفية وحالة الطواريء  والقوانين الموقوتة والمراسيم الاستثنائية ! وشرع  قانون الانتخابات الجديد ووقع على اجازة فتح الاحزاب الوطنية كما اطلق وزير الداخلية سعد جريو  سراح المعتقلين السياسيين   من كل الاتجاهات الوطنية والقومية والاممية ! بعبارة منصفة ان سعد صالح خلال تسنمه لحقيبة وزارة الداخلية لثلاثة اشهر استطاع بكفاءة عالية شهد لها الغريم قبل الصديق من طلس آثار الحرب وعقابيلها ! فهو اذن نموذج مضيء للوزير الوطني ! استقال سعد صالح من الوزارة غير آسف عليها واسهم في تأسيس حزب الاحرار! ومارس منذ عام ( 1930 ـ 1935 ) المعارضة الوطنية في البرلمان العراقي حين انتُخِب عضواً فيه تلك الاعوام. وكشفت وثائق مجلس النواب في المكتبة الوطنية العراقية قوةَ دفاعه عن مصالح الشعب  وحضارة خطابه العراقي وكونه جريئاً قوياً في نبراته الهادفة. ولقد سعا بوعيه الثقافي الملتزم بأهداف الأمة  الى تكوين شعب واع تقوده حكومة  تكنوقراط متواضعة مع شعبها متشددة مع الطامعين بها  ، سعد صالح جريو عراقي طيب القلب، ذكي الفطرة شهم  ذو جاذبية بين اصدقائه شريف في مقاصده السياسية. وكان صبره السياسي الاعتقادي من أهم العناصر التي تجلّت في سلوكه الوظيفي طوال حياته، فعاش كريم النفس، أليفاً في مجتمعه الخاص والعام.. وبقي اسمه بل ما زال اسمه يعيش خالداً في الذاكرة العراقية.لكن ثمة من يغمط حق هذا الزعيم العراقي الثائر ! فقد قرأت مثلا مذكراتي للمرحوم توفيق السويدي ص 417 فصل وزارتي الثانية ( لقد توخيت في توليف وزارتي الثانية التي شهدت حفلة الاستيزار في 23 شباط 1946  بحضور الشريف حسين بن ناصر وكيل رئيس الديوان الملكي ان اختار للتعاون معي فيها كوزراء بعض الوجوه الجديدة والعناصر القوية النظيفة المشهود لها بالكفاءة والوطنية والنزاهة والسمعة الحسنة التي تجعلها في نظر الشعب شخصيات مقبولة ومحبوبة .. وهكذا فقد الفت وزارتي على الشكل التالي : توفيق السويدي رئيسا للوزارة ووزيرا للخارجية ثم سعد صالح جريو وزيرا للداخلية وعبد الوهاب محمود وزيرا للمالية ……. الخ . وفي ص 446 ثمة مبحث عنوانه ارشد العمري يتحدث عن جدال صاخب حدث بين ارشد العمري ووزير الداخلية سعد صالح جعل العمري مضطرا للتخندق ضد وزارة السويدي ( ارشد العمري كان يسعى الى توليف وزارة برياسته قبلي وحين فشل ساعدني على توليف وزارتي ظنا منه انها ستكون وزارة اصدقاء له الا ان بعض الخشونة التي صادفها من وزير الداخلية سعد صالح جعلت منه رجلا غاضبا صاخبا فوحد مساعيه مع مساعي الآخرين الذين هاجمهم السيد سعد صالح بكل قسوة فارادوا ان ينتقموا منه بهجومهم على وزارتي .. )


السويدي يسمي وطنية جريو وجرأته في القول خشونة وقسوة فهو يقيس بملعقة السياسة وسعد صالح يقيس بملعقة الوطنية ! ولسوف يجد القاريء الكريم ان الخشونة والقسوة ينسبهما رئيس الوزراء السويدي الى سعد صالح ومنجزات اجازة الاحزاب الوطنية وقانون الصحافة العظيم وقانون الانتخابات المتطور واطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين واشاعة مناخ من الحرية الاجتماعية غير مسبيوق  وهي من منجزات سعد صالح وزير الداخلية فان السويدي يغمط حق جريو وينسبها لنفسه فكان الله في عونك ايها الوطني الغيور سعد صالح قارن قوله للمثال ص 453 مبحث قانون الانتخابات ( إن قانون الانتخابات الجديد الذي وضعت اسسه لجنة خاصة كنت اراسها كان قد اوجد تبدلا اساسيا في الطرق المستعملة فجعلها قريبة للديموقراطية كما انه اوجد ضمانات هامة تصون الشعب من تلاعب الحكومة وتاثيرها فيها ! فحين كان وزيرا للداخلية ناصبه الصحفي يحيى قاسم رئيس تحرير  جريدة الشعب عداوة ثقيلة فهو يشتم سعدا مرة ويتهمه اخرى ويعرض به ثالثة وقد تواصل التهجم والتجريح شهرين دون ان يكف فرفع سعد صالح سماعة الهاتف وخابر رئيس تحرير جريدة الشعب وخلال الحديث الهاديء  قال سعد :والله يااستاذ يحيى قاسم الى ان تموت  لاسمح الله فلن اكسبك شرف اغلاق جريدتك


يأنس للنكتة رغم مكابداته —————————–


يامن رأى زعيما عراقيا وطنيا كمثل سعد صالح !  متواضعا ومترفعا <