الرئيسية » مقالات » علي شريعتي وعالمية الفكر

علي شريعتي وعالمية الفكر

اسلامية الفكر تعني بنظري انسانيته وهذا ما توصل اليه علي شريعتي في بداية المطاف وليس نهايته لان علي شريعتي كان قمة وهو على السفح فادرك الخاتمة العقلية ونهاية الطريق الصحيح قبل الوصول التام لمسيرته .

ان المفهوم الرئيسي الذي عاشه شريعتي واراد ايصاله للاخرين هو ما اسميه انا ( حقيقة دولة علي بن ابي طالب ) أي عالمية الرسالة وابراز المشتركات الانسانية .

وهذا المفهوم – والسير عليه – هو ما جعل من علي بن ابي طالب ومن ثم علي شريعتي رموزا انسانية بعيدا عن التداخل الديني .

ففي حين اعتبر الايرانيون شريعتي بطلا قوميا ساهم في نضوج فكرة الثورة على الوضع الفاسد وابرز معالم المدرسة الدينية الاصلاحية في ايران اعتبره الاسلاميون الاخرون رمزا من رموز النهضة الاسلامية الحديثة واعتبره الاشتراكيون مناضلا ضد الاستغلال وهيمنة الرأسمالية العالمية ومناصرا لحركات التحرر الشعبية ورآه الغرب الرأسمالي المتحرر استاذا اكاديميا ومفكرا يعتمد العلمية وبالتالي كان من المهم التعامل مع افكاره بجدية وواقعية , وقد جهل جميع هؤلاء حقيقة علي شريعتي وواقع رساليته فهو لم يكن اكثر من اسلامي ولكن وفق اسلام علي بن ابي طالب .

ان الجرأة في الطرح التي تمتع بها علي شريعتي نابعة من المفهوم الانتمائي اعلاه وبالتالي كان اعداء شريعتي ثلاثة : فرعون وقارون وبلعم بن باعورا .. أي : السلطة الطاغوتية ورأس المال الاحتكاري المجحف و رجال الدين النفعيين , وهؤلاء الثلاثة كانوا على مر الزمان في تحالف مستمر لامتصاص دم الانسان .

السلطة والمال والدين اهم محركات الاحداث وابرز وجوه التغيير في ملامح التأريخ وجرت عادة الناس على الانصياع لهم لحفظ النظام العام وسد الحاجة المعيشية فاستغل هؤلاء الثلاثة تلك الحاجة وبنوا تحالفهم الامتصاصي ليصلوا الى مرحلة استعباد الناس الذين اختلطت عليهم الاوراق في معمعة الاحتياج لذلك ادرك علي شريعتي ضرورة تنظيف وتنقية العقول الانسانية وفك شفرات التفكير المغلقة باقفال الحاجة قبل الانطلاق لمرحلة الثورة على الواقع الاستعبادي .

شريعتي في تشيعه العلوي لم يرد ان يميز بين تشيعين بقدر ما اراد ان يوضح معالم المدرسة المحمدية بصورتها النقية وبالتالي يبين كيف يكون الانسان انسانا غير مستحمر ومستغفل بشعارات مبهرجة واراد ان ينهي كذلك عهد عبادة الاصنام التي تستغل الانسان باسم الدين وهي لاتمارس أي دور حقيقي للنهوض بواقع الامة فضلا عن الانسانية ولكنها مطبقة الصمت لتحيط نفسها بهالة قدسية كاذبة يدعمها التصوير الاعلامي النفعي ويدفع باتجاهها كاريزمات السلطة والمال .

علي شريعتي في دعمه للثورة الجزائرية وحركات التحرر في امريكا اللاتينية لم ينطلق من مفهوم الامة الاسلامية بل انطلق شريعتي من قاعدة التلاقي الانساني وفكرة تحرير الانسان قبل تغذيته بالمبادئ والعقائد الاعلى وما يؤيد رؤيتي هذه ان اغلب قادة هذه الثورات لم يكونوا اسلاميين بل وبعضهم لم يكن مسلما اصلا .

ان المدرسة الفكرية التي تركها الدكتور شريعتي تُعد منجما غنيا بالقيم والمثل الانسانية عالمية الطابع ترفض الاستغلال والاستعباد بكل اشكاله وتدعو الى بناء منهج ديني حركي يقوده رجال دين يعيشون واقع الانسان لايصورون انفسهم كيانات ملائكية نزلت من السماء بهالة قدسية تعرض نفسها للعبادة وليس للقيادة وكذلك يشترك في اقامة هذا البناء عقول لمفكرين واقعيين لا ينسلخون من قيمهم بل يدفعون باتجاه تكاملها ويؤسسون لتواصل انساني يفجر الحجارة الصماء التي وضعها تحالف الاستغلال على مفاتيح الذهن والتفكير الجمعي ويذيب الجليد الذي يحجب رؤية المشتركات الانسانية وبالتالي تتوفر امكانية الارتقاء بالانسان الى مراقي الفكر الاسمى .

ختاما :

ان علي شريعتي الاستاذ والمفكر والانسان ورجل الدين مظلوم ومهتضم الحق ولم تعطه الانسانية حقه ولم تضع فكره في المكان المناسب وكذلك لم يستثمر قادة الفكر الاصلاحي في العالم هذه الثروة النادرة الوجود .. ادعو الجميع الى الاهتمام بهذه المدرسة عبر محاولة الاستفادة من ثمار اشجارها .