الرئيسية » الآداب » الرجل … كان اسمه صخي /قصة قصيرة

الرجل … كان اسمه صخي /قصة قصيرة

وإستمر النهر في جريانه ……………

والنوارس البيض تحوم حول الجثـــة

التي تطفو فوق سطحه،بينما الشمس

تغطس بقرصها الذهبي في الطـــرف

البعيــــــــــــد من النهر لتودع النهار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكان ما وفي زمن غير مجهول ،التقيته اول مرة .

كان الرجل نحيف البنية ،ناعم الجسم والهيئة ،

قصيرالقامة ، اشيب الشعر ،

يرتدي في قيظ الصيف ،معطفاً عسكرياً بالياً ينحدرتحت ركبتيه ،

يحتذي زوج حذاء بفردةٍ ممزقةٍ واخرى تشد قدمه بقيطان محكم .

اما رأسه الصغير المكبوس بطاقيةٍ قديمةٍ فكان يظهر

من بين ياقة معطفه بصعوبةٍ كسلحفاة عجوز .

لا يقترب من احد ولا يسمح لأحد الاقتراب منه ،

ربما بسبب رائحته التي لا تشتعل ولا تساعد على الاشتعال .

يحمل سجادةصلاته الى ركن قصي من باحة المسجد الكبير ،

بعيداً عن انظار الناس ويصلي قياماً وقعوداً بطريقته الخاصة ،

ولا اعلم من اين ابتكر تلك الطريقة؟ …

الا انني على يقين انه لم يقلد بها احداً .

حاولت الاقتراب منه دون ان اشعره بوجودي ،

فلم اسمع منه سوى : ( ربي آني اكوم واكعد .ربي ) !

وتلك هي العبارة الوحيدة التي يكررها بصوت خافت ضعيف

لا يلتقطها الا من تعنى لسماع صوته وفتح اذنيه جيداً ،

وحالما ينتهي من طقوسه تلك ،

ينفرد في قرنة جدار المسجد فلا يخالط احدا

حتى وهو يتسلم الصدقات من بقايا الطعام .

ولو حالفك الحظ ومررت من امامه ملقياً عليه التحية ،

رفع سبابته والوسطى وبحركةٍ بطيئةٍ يجيبك بكلمة 🙁 هله )

وهو يبخل عليك بصوته وكأنك اجبرته على فعلٍ لايرغب القيام به .

* * *

دفعني فضولي للإقتراب منه اكثر لأتعرف على بعض اسراره ،

ورفع اللثام عن الغموض الذي يكتنف ذلك الرجل .

لكنه كان يتركني وينزوي في مكان آخر كلما حاولت التقرب منه والتودد اليه .

ويوم ادرك اصراري على محادثته صرخ بوجهي :

ـ ( بويه روح على شغلك ….انته شرايد مني ؟ )

ـ اجبته انا لااريد له سوى الخير .

هز رأسه واجابني بحسرةٍ يخفي خلفها الكثيرمن المعاني المثقلة بالهموم :

ـ خير !………… أي خيرٍ هذا ؟

شيئاً فشيئاً توثقت علاقتي به …

وصرت اواظب الجلوس عنده حتى اطمأن اليَّ .

* * *

وذات يوم سألته : الا ترى ان الدنيا ما زالت بخير ؟

ـ اجابني : هم رجعنه لنفس السالفة ،

ثم اردف بعد ان نظر في وجهي ملياً :

ـ هذا ما تراه انت اما انا فلم التق به يوماً ولو عن طريق الصدفة .

وجدت في كلامه ما يشجعني للولوج معه في حديث

استجمع من خلاله ما يشبع ذلك الفضول .

سألته عن اسمه فأمتنع ثم اخبرني بعد ان عرَّفته باسمي .

قلت له : هل ان اسمك صخي ام سخي ؟

ابتسم وقال : لابويه صخي بحرف الصوص (وكان يقصد حرف الصاد )

ـ يبدو انك تجيد القراءة والكتابة ؟

ـ طكه وطكه .

ـ كيف ؟

اجابني بأنه يقرأكلمةً ويختزل اخريات ، ثم سألني :

ـ هل انت معلم ؟

ـ كيف عرفت ذلك ؟

ـ من هندامك وكلامك الحضري … اكتبلك ؟

قالها بعد ان استأنس الحديث معي

قلت له : ماذا تريد ان تكتب ؟

قال : اكتب نوري …شوف ، وخط الكلمة على الارض بطرف سبابته .

ـ احسنت…. وماذا بعد ؟

ـ قوري … شوف

ـ وبعد ؟

ـ بوري ….. تعرف شنو البوري ؟ ..هذا ،

واشار الى انبوب ماء قريب منه ،

فضحكت وضحك بدوره .

علمت انه يخفي شيئاً في صدره بصدد هذه الكلمة .

* * *

في جلسة اخرى سألته : اين تسكن ؟

اجابني : في هذا الجامع كما تراني

قلت له : وأين يسكن اهلك ؟

قال بحسرةٍ وتأوه : هلي آه هلي ..كانوا يسكنون عند السريع .

ـ اتقصد الخط السريع ام مجرى النهر ؟

ـ استهجن سؤالي وقال بغضب :

ـ اشمالك انته ما مسافر بالسريع الطويل ؟

ـ تقصد محطة القطار ؟

ـ اي نعم محطة القطار

ـ وأين تقع هذه المحطة ؟

اجابني بأن المحطات كثيرة والدروب متشعبة …

فهي في واحدةٍ من هذه الدروب .

فهمت انه لايرغب في ارشادي لمحل اقامته السابقة

* * *

ومرة كنت عنده كالعاده فبادرني بسؤال غريب .

ـ كلي استاذ .. انته هم تعرف ترسم ؟

اجبته بأسلوب كلامه : طكه وطكه .

فابتسم وطلب مني ان ارسم له دجاجه رشيقة بريشٍ ناعم جميل ..

ظننت انه جائع فقلت له :

ـ اذا كنت تشتهي الدجاج جلبت لك واحدة من المطعم القريب ؟

ضحك وقال : لقد اسأت فهمي … ان الدجاجة مسكينة يا استاذ .

ـ مسكينة !..والديك ؟

اجابني بأن الديك مصدر جميع ( البلاوي )

ـ كيف ؟

ـ استاذ …لاتغشم روحك .

اذ ذاك سألته عن سبب تعلقه برسم الدجاجة ،

اجابني بكلام محزن مغزاه في نفسه : ان الدجاجة شرف ..

ولكن الديك لايفهم هذا المعنى .

ادركت بأنني وقعت على سر من اسراره،

فشجعته على الاستطراد في حديثه فأستمر قائلاً :

ـ ( جانت عدنه ديايه ، حلوه ومؤدبه وخدومه ..

تكعد من الفجر تعجن وتخبز وتروب الحليب ..

ماليه علينه البيت فرح وسعاده وخير ..

يوم من الايام دخل ابويه البيت وبيده سجينه وتتجادح عيونه نار ..

كام وذبحهه من الوريد للوريد جدام عيني ..

وظلت ترفس ترفس والدمايات تجري .

وإلتمت الوادم وصاح ابويه بيهم :آنه غسلت العار وحافظت على الناموس)

ثم اخذ يبكي بحرارة .

قلت له : وبعد هذا الحادث ؟

قال : بعد يومين مات ابويه بالسكته …

شنهي السكته ما اعرف ؟ ….اي الواحد يسكت احسن .

ـ ومتى كان ذلك ؟

اجابني من زمن بعيد ..قبل احداث رشيد عالي ،

بل قبل مقتل الملك غازي …

فعرفت انه في حدود السبعين من عمره

وان لهذا الحادث وقع تأثير في تكوين سلوكه وبناء شخصيته ..


* * *

في جلسات متعاقبة أخرى اخبرني انه عمل في صباه عامل مقهى

بأجر زهيد وخدم فراشاً في مدرسة تعلم من معلميها بعض حروف اللغة.

ثم ان عمه قد طرده من القرية

رغم انه كان خائفاً من البوح بحب ابنته لكن الوشاة كثيرون .

كان خوفه من كل شئ يدفعه للالتزام احياناً فوق درجة الالتزام ،

حتى انه اتم الخدمة العسكرية الالزامية ماكثاً في المعسكر لا يغادره

ولم يهنأ خلالها بأجازةٍ تذكر .

ويوم تسرح من الجيش ،عاد لقريته طالباً يد ابنة عمه

التي بادلته مشاعر الحب منذ الصبا ورفضت كل من تقدم لخطبتها ،

فظن اهلها بها الظنون ،

حينها زجره عمه بشدة وطرده من البيت ،

وصمم على تزويجها من شخص لا ترغبه ،

فأحرقت المسكينة نفسها ،

واتهموه بما لم يقدم عليه وشقوا رأسه بآلةٍ من حديد ( بوري )

افقدته توازنه وذاكرته لحين وجد نفسه في زاوية ٍ شبه مظلمةٍ

من ردهة ٍ رطبةٍ بمستشفى الامراض العقلية .

فحاول الهرب من ذلك المكان . لكنهم اعادوه بالقوة ،

رغم انه لم يك ليؤذي ( دجاجة )

الا انه كان معرضا ًلعمليات الكي المستمرة في الرأس والصدغين ….

لماذا ؟

لايعلم …..ويبكي حين يتذكر تلك الايام .

بعد سنوات وقد اشتعل الرأس شيباً وكياً عاوده الحنين لقريته ،

فأستقبلته ( الزعاطيط ) بقشور الرقي كلما وطئ طريقاً من طرقاتها

التي يخزن في ذهنه ذكرياتها الحلوة والمرة . * * *

في آخر لقاءلي معه كان يبدو كئيباً حزيناً فسألته :

ـ ما بك ؟

قال : اما زلت تسأل يا استاذ ؟ اما وقد عرفت قصتي ؟

ومضى عني مودعاً .. قلت له الى اين ؟

فأشار الى النهرالقريب ليغتسل فقد تذمر الناس من رائحته

* * *

عند الاصيل رأيت جمهرةً من الناس عند ضفة النهر ،

تقدمت لأرى ما حدث ؟

فوقع بصري على معطف عسكري بالٍ وطاقية وفردةحذاءٍ قديم ،

وعلى سطح النهرالجاري كانت تطفو جثة رجل

يحتذي فردة حذاء تشد قدمه بخيط محكم .

ذلك الرجل كان صخي .

وقد رن صوته في مخيلتي من جديد :

ـ اما زلت تسأل يا استاذ ..؟

اما وقد عرفت قصتي .

واستمر النهر في جريانه والنوارس البيض تحوم حول الجثة

التي تطفو فوق سطحه …

بينما الشمس تغطس بقرصها الذهبي

في الطرف البعيد من النهر لتودع ذلك النهار …..

ترى اي الرجال كان صخي ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيدر الحيدر ــ شباط 1999
من مجموعتي القصصية ( أصداء تدوي في فضاءات أحلامي )