الرئيسية » مقالات » رحلة الصعود / قصة قصيرة

رحلة الصعود / قصة قصيرة

كان يحلم بالسعادة منذ طفولته

وأخيراً وجدها بعد رحلة شاقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أين يكون ذلك الفردوس الاخضر الذي تتحدثين عنه يا جدتي العزيزة ؟

هذا هو السؤال الذي كان يلح به على جدته .

فكانت تجيبه : انه بعيد ….. بعيد جداً يا صغيري .

ـ أهو أبعد من حدود قريتنا يا جدتي ؟

ـ بعيد .. بعيد .. انه وراء السور العظيم الذي لا يمكن لأحد عبوره ،

صعب بل محال الوصول الى الجانب الآخر من السور ،

كثيرون اولئك الذين حاولوا العبور وانقطعت اخبارهم .

* * *

كبر الصغير واستسلمت حواسه كلها لهذه الامنية ،

وباتت صورة الفردوس الاخضر تلاحق احلامه ،

وحكايات جدته ظلت تدور في تجاويف اذنه .

* * *

ذات ليلة حث خطاه للوصول الى ذلك السور العظيم ،

وصمم على عبوره . نظر الى الاعلى فكان جبلاً شاهقاً ،

وتخيل نفسه نملةً امام مارد عظيم .

لاحظ ان الطريق الى القمة ليس بالسهل وكل الدروب تبدو مغلقة .

بيد انه عثر على ثمة مسلك في السفح يمكن السير فيه للوصول الى القمة ،

بغية ان تحط قدماه في الجانب الآخر .فقرر العبور .


* * *

وضع قدمه على اول الطريق وحمل جسمه بقوة وشرع بأول خطوة ،

تبعتها الثانية فالثالثة .

سار بخطوات سريعة لم يع ِ خلالها الزمن حتى وجد نفسه يلهث من التعب والمشقة ،

توقف ونظر الى الخلف ليتعرف على المسافة التي قطعها …

فرماه الذهول في دوامة من التعجب !

ما عاد للدرب الذي سلكه من اثر .

واستمر في رحلة الصعود ..

غير ان الدرب الذي امامه اخذ يضيق كلما اسرع الخطى .

حتى وصل موضعاً لا يسع لراحتي قدميه ،

وادرك انه لا مجال للعبور او العودة ،

دفع بنظره الى الاسفل فكان وادياً رهيباً حالك الظلام .

شيئاً فشيئاً تلاشى الموضع من تحت قدميه ،

فألجأ ظهره لبعض الصخور لعلها تنقذه من مأزقه ،

لكنها قذفت به نحو حافة السفح .

حاول التشبث بأي شئ ، وتعلقت اصابعه الواهنة بآخر صخرة في الجبل

فلم تسعفه ونبذته في الوادي الرهيب .



* * *

حين لامس جسده الوادي ، شعر كأنه هبط بمظلةٍ شفافةٍ

او كريشةٍ هوت واستقرت بسلام وهدوء .

نظر الى المكان بدهشة واستغراب …!

( مروج خضر وزهور بكل الوان الربيع ، انسام عذبة وهواء عليل ،

ينابيع صافية المياه وفاكهة مختلفة الثمار … ! )

ـ أهذا هو الوادي الرهيب الذي كنت اتشبث بالصخور خشية الانزلاق الى جوفه ؟



* * *

ركضتْ به رجلاه صوب الينابيع العذبة المذاق ،

فشرب وارتوى بعد ظمأ ٍ طويل ، وطفقت اصابعه تقطف بعض ثمار الفاكهة ،

فألتذ بمذاقها العجيب …

ارتخت اجفانه واطبقت نصف اطباقة ،

ثم انحدر في نوم ٍ عميق عند تلك الينابيع ،

وتحت تلك الاشجار الوارفة الظلال ،

وكانت ابتسامة الارتياح والسعادة تداعب شفتيه .

* * *

عند الصباح عثر عليه عامل البلدية نائماً فوق الرصيف ،

وعندما حاول ايقاضه ،

وجده قد انتقل الى الجانب الآخر من السور !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيدر الحيدر

بغداد ـ 5 / 6 / 1992

من مجموعتي القصصية ( أصداء تدوي في فضاءات أحلامي )