الرئيسية » شؤون كوردستانية » كوردستان والخيار الديمقراطي

كوردستان والخيار الديمقراطي

أثبتت تجارب الشعوب المضطهدة والتي ناضلت سنوات طويلة من اجل التحرر والانعتاق من الظلم والطغيان إن الخيار المسلح واستخدام العنف هي حالات طارئة واضطرارية تلجأ إليها تلك الشعوب حينما تعجز أنظمة الحكم الدكتاتورية أو الاستعمارية عن إدراك الطريق الديمقراطي لحل المشاكل والصراعات سواء ما كان منها من اجل المشاركة في السلطة أو التعبير عن الرأي أو في التحرر وحق تقرير المصير، ولم يكن السلاح ومن ثم العنف بحد ذاته هدفا بقدر ما كان وسيلة تضطر إليها الشعوب وقواها الطليعية ضد التعسف والظلم والاستبداد.
وفي كوردستان وعبر تاريخها الطويل لم تكن البندقية إطلاقا خيارا اختياريا بل كان فعلا اضطراريا، كما إن العنف لم يتحول في كل مراحل النضال من اجل الحرية إلى هدف بحد ذاته طيلة أيام الثورة ومقارعة الظلم والاضطهاد منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى سقوط النظام السابق في نيسان 2003م.
فقد كان الخيار الديمقراطي يتقدم دوما خيار المقاومة المسلحة بل ويشترط قيام الديمقراطية أولا لحل القضية الكوردية في ما بعد، وهذا ما اتضح جليا في شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان الذي رفعه الكورد منذ أواسط الأربعينات من القرن الماضي وأصبح هدفهم الاستراتيجي وخيارهم الأكثر أهمية، وليس ببعيد عن الذاكرة العراقية عامة والكوردستانية خاصة قرارات إيقاف القتال من طرف واحد من قبل الثوار لإفساح المجال لبصيص أمل في التوصل إلى حل سلمي وديمقراطي للقضية الكوردية في التعبير عن إن السلاح لن يحل أي إشكال، وان الصراع لم يكن في أي يوم من الأيام بين الشعبين العربي والكوردي بقدر ما كان صراعا بين النظم الدكتاتورية وبين كل مكونات الشعب العراقي التي ضحت وخسرت الكثير نتيجة استبداد تلك الأنظمة وتهميش دورها وإقصائها.
وفي كل مرة تتوفر فرص إيقاف الأعمال المسلحة يكون خيار السلم والديمقراطية هو البديل الطبيعي الذي اختاره الشعب دوما لتحقيق أهدافه ومطامحه وهو المطلب الأول في كل المباحثات والمفاوضات مع معظم الأنظمة التي حكمت العراق حيث الخيار الديمقراطي لكل البلاد من أجل تحقيق طموحات وأهداف شعب كوردستان، وهذا ما حصل فعلا في كل محطات السلام منذ ستينات القرن الماضي وحتى مفاوضات ما بعد الانتفاضة عام 1991م واستقلال الإقليم عن النظام الحاكم آنذاك، فقد دأبت قيادة الجبهة الكوردستانية على التفاوض مع نظام صدام حسين من اجل إحداث إصلاح سياسي يتم بموجبه التخلي عن النهج الدكتاتوري وإشراك قوى المعارضة الوطنية في الحكم لمواجهة الحصار الدولي وللخروج من ذلك النفق المظلم الذي أدى إلى تدمير البلاد حينما أصر النظام السابق على نهجه الشمولي ومعاداته للخيار الديمقراطي الحقيقي وإصراره على المراوغة والانفراد في السلطة والالتفاف على الحركة الوطنية العراقية.
وبعد فشل المفاوضات مع النظام الحاكم آنذاك كان الخيار الديمقراطي في طريقه إلى التطبيق في المناطق التي تم تحريرها بانتفاضة الربيع عام 1991م بعد أن حاول النظام إحداث شلل في البناء الإداري والمؤسساتي في المنطقة اثر سحب كافة الإدارات والخبراء والفنيين في كل أنحاء الإقليم ومفاصله الحيوية، فتوجه الناخبون الكوردستانيون في هذا الجزء من الإقليم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أول برلمان كوردستاني في تاريخ هذا الشعب وقيام أول حكومة منتخبة لكوردستان العراق، وبذلك ينفذ الكوردستانيون خيارهم الديمقراطي لأول مرة على جزء من الدولة العراقية التي يحكم جزئها الآخر نظام دكتاتوري مستبد، حيث بدأت القوى المضادة وفي مقدمتها النظام الحاكم والجهات ذات العلاقة من المحيط الإقليمي في مقارعة هذه التجربة ومحاولة إفشالها بشتى الأساليب ابتداءً بالحصار المزدوج على الإقليم وانتهاءً بالحرب الأهلية.
ولأن السلام والحرية والديمقراطية هي خيارات الشعب الأساسية فقد توجه الناخبون الكوردستانيون ثانية إلى صناديق الاقتراع في أواسط عام 2005م لانتخاب برلمان جديد ولأول مرة انتخاب رئيس للإقليم وانبثاق حكومة وطنية عريضة تشمل ائتلافا واسعا ضم كافة مكونات وفعاليات كوردستان السياسية والاثنية والدينية وبرنامج طموح لتحديث الإقليم ومؤسساته والعمل الدءوب للانتقال بكوردستان العراق إلى مستويات متقدمة في البناء والأعمار والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والتركيز على التنمية البشرية وتحديث برامج التربية والتعليم والنظم الاقتصادية والاجتماعية بإشراك المرأة بشكل واسع في كل مفاصل الحياة والعمل على تحريرها اقتصاديا واجتماعيا ومعالجة ظاهرة الفساد التي غدت واحدة من أهم المعوقات لمشاريع التمنية والتحديث بسبب ضلالها القاتمة.
واليوم وبعد ما يقرب من أربع سنوات من عمل البرلمان والحكومة يتوجه الناخبون الكوردستانيون في الخامس والعشرين من تموز المقبل إلى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة منذ انتفاضة شعب كوردستان في ربيع 1991م لمواصلة خيارهم الديمقراطي في الحياة والإصرار على إدامته وتطويره مع بداية ظهور حراك سياسي مختلف ربما يتبلور خلال الدورة القادمة إلى معارضة حقيقية تعمل تحت سقف المصالح والثوابت الوطنية العليا للإقليم بما يعمل على حبك النسيج الوطني وتعزيز مفهوم المواطنة والحفاظ على المكتسبات والمنجزات التي تحققت منذ الانتفاضة وحتى يومنا هذا مع الإيمان والعمل من اجل تطويرها وتقليص مساحات الفساد الإداري والمالي بما يعزز أفضل الفرص لبناء وأعمار الإقليم وبنيته التحتية في كل مضامير الحياة.