الرئيسية » مقالات » هل فشل الاسلام في ايران؟

هل فشل الاسلام في ايران؟

بالامس كنا على اعتاب سقوط احدى اهم المدارس السياسية العالمية الا وهو النظام الرأسمالي الذي يحكم معظم دول الغرب بضمنها الولايات المتحدة الامريكية نتيجة ً لازمة اقتصادية حادة وخطيرة لم يفق من تداعياتها الامريكيون والعالم حتى هذه اللحظة .. واليوم نحن نشهد تحديات صريحة للنظام الاسلامي الحاكم في ايران منذ عام 1979 ولا احد يستطيع ان يتكهن بما قد تخبأه الاقدار في المستقبل القريب، هل سيصمد هذا النظام الذي امتهن خطاب الهيمنة ونجح في توجيهه في السيطرة على مجتمع برمته فترة ً امدها ثلاثون عاماً؟

الاسلام المُستخدم في الجمهورية الاسلامية الايرانية ومنذ عهد مؤسسها ومرشدها الروحي الامام الخميني كان قد اعتمد بالتأكيد على ثورة الطاقات الهائلة لجيل الشباب الايراني، حيث عرف الخميني كيف يوجه تلك الطاقات من خلال ادواته الروحية واستعانته بالغيب في مواجهة شرور دكتاتورية النظام الشاهنشاهي البغيض .. وبالفعل نجح في قيادة امة حزمت امرها على مواجهة اجهزة السلطة الامنية في شوارع وازقة طهران والاقاليم الاخرى، حتى انتهت المعركة بانتصار الشعب الايراني ورفع شعار “لا غربية ولا شرقية .. جمهورية اسلامية”.

اذن هي وحدها الطاقة الروحية الدينية التي اطاحت بنظام الشاه بتأثير مباشر طبعاً من شخص يمتلك مواصفات الاب الروحي والزعيم الديني المنتصر بارادة السماء فقط وهو السيد روح الله محمد الموسوي الخميني.

الآن لنا ان نسأل اين هي هذه الطاقة اليوم؟ لماذا لم يستطع المرشد الحالي السيد علي الخامنئي من استخدامها ذات الاستخدام قبل ثلاثين عاماً، اي ايام الثورة الاسلامية وهو الذي كان احد مبعثيها؟ وهل فعلاً باستطاعته اليوم استخدام تلك الطاقة الروحية ذات المحركات الايديولوجية الغيبية ليسيطر على فورة المتظاهرين ويمنعهم من النزول الى الشوارع كما كان يحركهم ضد الشاه سابقاً؟ الجواب العملي ترجمه المتظاهرون في نزولهم للشوارع رغم دعوات الولي الفقيه بالزام البيوت وعدم التظاهر، مما يعني ان القدرة على تحريك الشارع او اسكاته بنفس ادوات الثورة والخطاب الديني لم يعد يجدي مع الشعب الايراني او على الاقل نسبة لا بأس بها منهم، وهو ما يسترعي القول باننا نشهد بوادر تحديات للنظام الاسلامي ولهرمية ولاية الفقيه نفسها من خلال ابناء واحفاد الشعب الذي شكل هذه الهرمية واضفى عليها الشرعية بانتخاباته.

ان بودار الانقلاب على الاصل تأتي من التمرّد على الفرع او الفروع احياناً، وان كان ثمّة تمرّد على دعوات ووصايا المرشد الاعلى للثورة الاسلامية في جزئية النزول الى الشوارع، فذلك يعني بانه التمرّد بعينه على سلطة ومرجعية الولي بمكانته الدينية، وهي اخطر انواع التمرّد بالنسبة لنظام يعتمد على الكرسي الديني والاخذ بتعليمات السماء .. ومتى ما اهتزت السماء في اعين الناس يهتز ما سواها ولا تبقى هيبة او حصانة للعمامة الحاكمة ولو كانت بمستوى آية الله العظمى.

الخلل اما ان يكون في محرّكات تلك الطاقة واقصد بها بكل صراحة المنظومة الدينية الاسلامية بحلالها وحرامها ومستحبها ومكروهها وباحاديثها وآياتها وموروثاتها المقدسة، ام في مستخدمي تلك المنظومة وهم شبكة الآيات الحاكمة في ايران وعلى رأسهم المرشد الاعلى، وها نحن ندخل المنطقة المحظورة في توصيفنا هذا .. حيث ليس من السهل تناول تلك المفردات المقدسة بشقيها الروحيين الدين وعلماء الدين، ولكن لا حيلة لنا الاّ ان ندخل حقول الالغام ونفكك صواعقها كي تسهل علينا معرفة وتشخيص مكامن الخطأ في الحكم الاسلامي لاي بلد كان، حتى نستطيع القول بعدها هل ان الاسلام فشل في ايران ام ان العاملين عليه هم الذين فشلوا في الحكم؟
وتلك لعمري مهمة شاقة ينبغي التطرق اولاً لبواعث الطاقة الدينية في عهد النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما اذا كانت ناجحة في ارساء قواعد الحكم وقيادة الحكومة فعلاً؟

لا يمكن لنا اغفال ما عاناه النبي محمد (ص) خلال فترة تأسيسه للدولة الاسلامية وبعدها، نعم الدولة الاسلامية، حيث كانت دولة بكل معنى الكلمة لانها نجحت في توحيد شرذمة قبائل اعرابية مختلفة ومتخالفة فيما بينها على بعير او بقرة، ليتحدوا في دولة واحدة موحدة لها دستور يقنن العملية التنظيمية لادارة حياتهم المدنية، لتكون بعد هذا امة مترامية الاطراف ذات نظام حكم اداري معقد ودقيق اعتمد بشكل اساس على نظام الولايات المتحدة من شرق البلاد حتى غربها تحت عباءة الخلافة الاسلامية بغض النظر كيف تكونت هذه الامة وما هي الوسائل التي اعتمدها المسلمون في توسيع امبراطوريتهم، حيث لا مجال لذكر ذلك هنا لانها ليست مناسبة المقالة .. لكن الذي اريده قوله بان النبي محمد وخلال فترة رئاسته لتلك الدولة الفتية لم يزل يعاني مؤامرات الاقرباء قبل الغرباء، كما لم ينقطع عن رفع يديه يومياً تقريباً حتى ظهر بياض ابطيه وهو يقول اللهم اني بريء من فلان او فلان، اللهم اني بريء من هذا او ذاك ….. رغم ان قرآنه يقول بحق امته ” كنتم خير امة اخرجت للناس”، وما ان توفي الرسول (ص) حتى انقلب اصحابه واتباعه بشهادة القرآن ليحوّلوا هذا الدين العظيم الى ضيعة قبلية وعشائرية تتحكم بمصائر الناس تحت شعار تلك الخلافة التي اخذت معظم البيعات لخلفائها بسطوة السيف ليس الاّ.. فهل نستطيع القول بان الاسلام قد فشل في تكوين نموذج حكم لادارة الحياة السياسية للبلاد؟ ام ان المسلمين هم مَن لم يرتقوا الى مستوى ذلك الدين؟ اين الخلل؟

بالطبع حينما يكون هناك نظاماً سياسياً يعتمد الآليات الغيبية والميتافيزيقيا الالهية في حكم الدولة لا يمكن له ان ينجح مالم تكن الرعية بمستوى تلك الآليات، وهو شبه محال ان يكون الجميع منتميا للغيب حيث لابد من وجود فئة لا تؤمن بذلك الغيب، بل وحتى المؤمن بها على درجات، اذ ليس الجميع بمستوى واحد من الايمان في عالم محسوس ودنيا جميلة ملموسة بمغرياتها، ولهذا ما قد ينجح في مرحلة معينة في تحريك الناس قد لا ينجح بالضرورة في مرحلة مغايرة وعصر مختلف .. بمعنى آخر ان الخطاب الديني الذي استخدمه الثوريون الايرانيون اثناء ثورتهم الشعبية على الشاه لا يمكن ان ينجح في كل فترة وعصر، لانها تعتمد بشكل اساس على الطاقة الايمانية للمجتمع نفسه .. وبما ان الطاقة الايمانية متغيّرة تبعاً لظروف المرحلة ومتغيّرات الزمن، فان بالتأكيد عملية تحريك الناس او حكمهم بالدين سوف تتأثر ايضاً، او حتى تتلاشى في وقت من الاوقات، وحينها لن تكون هناك قدسية دينية على الاطلاق تخضع لها الجماهير.

ان مشروع حكم الدولة بالنظام الاسلامي سيما من قبل علماء الدين الاكابر يتطلب بالمقابل ايمان مجتمعي بمستوى ايمان هؤلاء العلماء وهو من الناحية المنطقية مستحيل حيث لا يمكن ان تكون القاعدة والقمة على نفس الادراك والعلم في طريقة فهم الدين وادبياته .. بالتالي لا يمكن لللاهوت الديني ان يصمد طويلا ً في اخضاع المجتمع وسيضطر في مرحلة من مراحله الى استخدام القمع والقوة في عملية الاخضاع، وهو ما يجري حالياً في الجمهورية الاسلامية الايرانية.

الامر الذي لم يستطع الرسول محمد فعله في تلك الفترة لانه كان يقتضي ايماناً من المسلمين بمستوى ايمانه، بالتأكيد لا يستطيع غيره فعله، لا خامنئي ولا غيره، لان القضية مرتبطة بمجتمع لا يرى في الاسلام ما يراه وليّه الفقيه او على الاقل يرغب بالاسلام صوماً وصلاة ً وزكاة ً وحجّاً لكنه لا يستطيع التأقلم مع حكمه لما يقتضيه ذلك الحكم من امور وقضايا يصعب على الانسان العادي تطبيقها، واهمها قضية الحريات والحقوق المدنية التي تتعارض في اغلبها مع الكثير من احكام الاسلام وقوانينه.

لهذا فأن الحكم الديني لابد له ان يفشل في مجتمعاتنا الاسلامية ولو على الامد الطويل، الاّ اذا استخدم العنف والقوة ضد الجماهير وهو ما قد يحوّل هذا الحكم الى دكتاتورية بغيضة لا تقل سوءاً عن دكتاتوريات الانظمة الاخرى، بل ستكون ابشع لانها دكتاتورية باسم الله والدين وليس باسم الحاكم الكافر المجرم .. وحتى الدكتاتوريات لها فترة محددة وسقوط مؤكد وفق الحتمية التاريخية.

لا يمكن للشعب الايراني ان يبقى متديناً الى الابد ولا يمكن له ان ينظر الى وليه الفقيه مثلما كان ينظر له في بدايات ثورته، لان الدين نفسه يقول مثلما هناك الله هناك شيطان، وشيطان كامن في كل فرد يقوى ويضعف كيده حسب العصر والمرحلة. واحسن علاج لهذا الشيطان هو الشيطان نفسه .. شيطان الحرية في الاختيار بعيداً عن الاجبار والقوة، فان كان في الحكم الديني خيراً سيختاره المجتمع، والاّ فالبديل موجود وينافس في سوق المدارس الفكرية والسياسية.

وتلك هي الحرية المدنية حيث لا ولاية على الامة الاّ نفسها، ولا ولي فقيه الاّ رأيها.