الرئيسية » الآداب » الغراب وبيض العصافير / قصة قصيرة

الغراب وبيض العصافير / قصة قصيرة

الوحش القاتل يطاردنا

في كل الازمان ……..

متى تهدأ بندقيــــة السركال ..؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



مضت فترة ليست بالوجيزة منذ أن أخبره آمر الرعيل

بإنتهاء الطيرن المعادي، لكنه إستمر في بقائه خلف رشاشته ( الدوشكه )

المركّبة فوق برج الدبابة .

أخرج من جيب قميصه صورة ًلأبنته ،

نظر اليها وتخيلها تلعب الآن عند عتبة الدار مع صديقاتها الصغيرات

أو ربما نائمة في احضان سريرها الهادئ …

عادت لمسمعيه دعوات والدته صبيحة مغادرته المنزل

عند انتهاء اجازته الاعتيادية الاخيرة،

وتذكر نظرات الحزن في عيني زوجته الحامل ودعواتها الصامتة له بالعودة سالماَ .

وطافت ذكرياته بسعف النخيل وجداول المياه وحقول القمح في قريته السمراء ،

وانعطفت في توغلها قليلاَ نحو الماضي القريب ، ورجعت به لأيام طفولته ،

فتوهجتْ أمام عينيه ألسِنة النيران وهي تلتهم بيادر القمح في حقلهم الصغير .

ودوًت من جديد تلك الاطلاقات التي مزقت صدر ابيه ،

مصحوبة بقهقهات الشيح وكلمات السركال :

( خلصنه منه ومن طلايبه يامحفوظ )

واستقرت ذكرياته عند مقبرة القرية حيث انين والدته

وهي تحتضنه مع أخته الصغيرة أمام قبر أبيه صبيحة عيد الاضحى .

فذرف دمعة ساخنة ونظر مرة اخرى الى صورة إبنته تلتف بمعطف

من الفرو الابيض وهي تبتسم ببراءة طفولية…… فتنهد بحسرة .



* * *

كان الشتاء قد اقترب من نهايته واستعد الربيع لاستعادة عرشه

المتوج بأكاليل الزهورالتي تفتقت براعمها لتزهو بأنشراح فوق اديم الارض

المنشغلة كعروس في يوم زفافها ، بأرتداءحلية خضراء .

وعلى امتداد المساحات التي تحيط بسفوح الجبال الشاهقة

تتمايل الاعشاب الطرية وهي تلامس لاول مرة نسمات الربيع الندية .

ومن بعيد تأمل منظر الطيور وهي تحط بأمان

فوق شجرة نبتت عند جدول صغير …

كان المنظرقريب الشبه بجدول قريته الوادعة الجميلة .

ناداه صاحبه : لقد مضى وقت طويل على انتهاء الطيران المعادي …..

ألمْ يخبرك آمر الرعيل ؟

أجابه وهو يعيد صورة إبنته الى جيبه : بلا اخبرني ،

رفع القلنسوة من على رأسه واغلق قفل الامـــــــــان لرشاشته

وترجل من برج الدبابة .



* * *

حين عاد الوضع هادئاَ حمل مع صاحبه حاويتي ماء فارغتين وإنحدرا سوية

بإتجاه الجدول ليأتيا بالمـــاء لأفراد طائفة الدبابة .

جلسا عند ضفة الجدول ،

وداعب بأصابعه الماء الرقراق وبعض الحصى الناعم بلون الثلج .

قال لصاحبه :انها تشبه بيض عصافير ،

حبذا لــــــــو استطعت ان اصنع منها قلادة لأبنتي الصغيرة .

أجابه صاحبه ملاطفاَ : وتلك الحصاة السوداء تشبه بيضة غراب .

إبتسم له وهو يطبق بكفه على حصي بيض ،

وقبل ان يجيبه على عبارته تلك …

فاجأته بندقية السركال ،

وإرتمى صريعاَ بجانب الجدول الصغير ،

تدحرجت من بين اصابعه حصيات حمراء …

فلم تعد بيض عصافير ،

ولم يصنع منها قلادة لإبنته .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيدر الحيدر ــ 9 / 2 / 1982

جبهة ديزفول / أيام الحرب العراقية الايرانية

من مجموعتي القصصية ( أصداء تدوي في فضاءات أحلامي )