الرئيسية » مقالات » هل من لائحة مبادئ وطنية متمدنة ؟

هل من لائحة مبادئ وطنية متمدنة ؟

العراق والنفق الصعب

لقد اثبت العراقيون في انتخاباتهم المحلية أنهم قادرون على تشكيل إرادتهم السياسية ان أرادوا ، وان نماذج سياسية عراقية كانت بارعة في أن تقول كلمتها بعيدا عن كل ما جرى في السنوات السابقة على أيدي المتحزبين والكتلويين والمتخندقين وكل المعارضين في الطرف الآخر ! إن متغيرات العراق في النصف الثاني من عام 2009 ستكون شديدة الوقع على العراقيين ، خصوصا ، عندما يجدوا أنفسهم أمام سعي كل القوى السياسية الكبيرة لإعادة سيناريوهات العام 2005 ، ولكن في ظل انسحاب القوات الأمريكية من المدن . إن هواجسي تحدّثني بأن العراق سيمر في ممر نفق صعب جدا ، وقد بدأ يدخله الآن مع سخونة الاوضاع في الداخل .. وسباق كل القوى السياسية في شبكة عنكبوتية من الاتصالات .. وتخّلي البعض عن أجندته لصالح سياسات كان يعارضها ، وسعي آخرون للحفاظ على السلطة بأي ثمن كان ..



مطلوب التحرر من الماضي

إن تجربة الانتخابات المحلية لا يراد لها ان تتجدد من خلال الانتخابات العامة مهما كانت الظروف .. وبينما كنّا وما زلنا نتطلع وكل العراقيين لترسيخ مشروع وطني مدني من اجل إنقاذ العراق من المستنقعات التي عاش فيها زمنا طويلا ، نجد اليوم سعيا محموما من اجل الحفاظ على القديم تحت مسميات جديدة .. وعندما كان العراقيون وما زالوا ينشدون ولادة قوى سياسية وطنية جديدة ، تشرع القوى السياسية الحالية ، وهي في السلطة ، كي تتكلم باسم تشكيلات تجمع القوى الوطنية العراقية ! أو العمل بتجدد هذا ” الائتلاف ” أو ذاك ” التحالف ” ، أو ذاك ” التوافق ” ! إن من يريد أن يغدو جزءا من مشروع وطني موّحد الإعلان عن ولادة جديدة له يرفض فيها ما كان عليه سابقا .. إن تشكيل ائتلاف وطني يعني باستيعاب أكثر القوى السياسية خارج الأطر الطائفية ـ كما قال السيد رئيس الوزراء ـ ينبغي أن يترجم إلى واقع ، والواقع يفرض الخروج العلني من عباءة الطائفية نهائيا بالإعلان عن تغيير مناهج الأحزاب الحاكمة وأنظمتها الداخلية .. إننا لسنا أمام معضلة تعبير ( قوى وطنية) ، بل أمام خلق ” إستراتيجية حكم مدني ” يعلن ويشهر علمنة كل المؤسسات وفي مقدمتها مؤسسة الدستور العراقي.



العودة الى المربع الاول

إنني اعترف بأن تطورا واضحا قد حدث في العملية السياسية ، ولكنه تطور لم تصنعه القوى السياسية الحاكمة ، بقدر ما هو حصيلة تغير واضح في الوعي العراقي عند الناس الذين ضاقوا ذرعا بالسياسات التي تحكم العراق اليوم . إن الشعب العراقي اليوم يتبلور وعيه السياسي من اجل ولادة حكم مدني وطني بعيدا عن أية أجندة انقسامية أو طائفية أو دينية أو عرقية شوفينية .. إن الشعب العراقي بنخبه وفئاته وكل جماهيره قادر على صنع إرادته بنفسه ، إن لم تعصف به وبأصوات الناخبين كل التآمرات والتزويرات والمناورات والمخاتلات .. وسنشهد عصفا على الأرض بازدياد الهجمات والتصفيات والاغتيالات ..

إن التصريح بـ ” توسيع الائتلاف لأكبر عدد ممكن من القوى الجديدة والشخصيات المستقلة حتى يستفيد من التجارب السابقة ” .. لا يلغي تلك التجارب المريرة ، وان التصريح بأن ” استمرار الحوار مع …. لإعادة القوى المؤسسة للائتلاف إلى تماسكها وتعاونها السابق. ” هو رجوع للمربع الأول الذي اثبت الواقع مثالبه الكبيرة ، فأين هو التجديد إذن ؟ . وان التصريح بـ ” ان القوى السياسية تسعى لتشكيل كتلة وطنية كبيرة تضم مختلف مكونات الشعب العراقي لتأمين كتلة برلمانية قادرة على تشكيل حكومة قوية ومدعومة نيابيا ” . هو ضرب من الخيال ، ان لم تجد الكتلة الوطنية الكبيرة نفسها متوازنة مع الطيف الاجتماعي العراقي ، كي تقول ان العراقيين قد خرجوا من خنادق مكوناتهم الثلاث ، ودخلوا الشرعة الوطنية الموحدّة .



هل من لائحة مبادئ عراقية ؟

إن تشكيل كتلة غير طائفية لقيادة العراق في المرحلة المقبلة يقتضي الإعلان عن لائحة مبادئ يتفق عليها الجميع وتشهر على الناس لتقول لهم : ها نحن ذا سنرشح باسم كتلة وطنية تعمل بـ استقلال البلاد من هيمنة المحتلين ، والعمل بالحكم المدني للعراق وخدمة أهله العراقيين ، والإبقاء على وحدة العراق من دون انقسامات ، والتحرر من طوق الطائفية البغيض ، والشروع بتغيير الدستور وتجديده . عند ذاك بالإمكان تسمية أية كتلة سياسية بـ ” كتلة وطنية ” .

إن توحيد الصفوف ومنع الشق لا يمكن أن يبنى على الأقوال والتصريحات فقط ، بل انه بحاجة إلى ترجمة واقعية على الأرض .. إن الدستور لم يكن منتج جمعية وطنية ، بل انه إقرار للشرذمة العراقية .. وهو لا يعكس وجه دولة حضارية ، بل وجه دولة متخلفة وانقسامية .. إن مجرد تشكيل كتلة كبيرة خارج الأطر الطائفية ، لا يعني التخلص من المحاصصة التي أضرت ليس بالمشروع السياسي ، بل كانت وراء انسحاق المشروع الوطني وعليه ، فنحن لا نريد كتلة كبيرة تناور بأساليب سياسية ، بل نطمح أن تكون صاحبة مبادئ حضارية مدنية ووطنية حقيقية تبّشر بها .



اشتراطات التغيير

إن الخارطة السياسية العراقية ستشهد مرحلة صعبة قبل الانتخابات المقبلة لمجلس النواب .. ذلك أن القوى السياسية القديمة لا تريد أن ترحل عن دست الحكم ، وهي تستخدم الشعارات المطاطة لاحتواء أي قوى سياسية جديدة برزت على السطح في انتخابات مجالس المحافظات تحت مسميات “قوى مستقلة وعلمانية” .. فهل باستطاعة كل الائتلافيين التخلي عن التجربة المريرة التي شهدها العراق على أيديهم ، وإعلان لائحة مبادئ جديدة من اجل الإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري ؟ إنني اشك في ذلك كثيرا . إن الخروج من دائرة التخندق الطائفي أو المذهبي وحتى العرقي ، لتشكيل عدة أطياف تجد قبولا واسعا لدى قطاعات شعبية وحتى نخبوية ـ كما يقول احد القادة السياسيين العراقيين ـ هو مجرد كلام لا أساس له من الصحة ، ما دام هناك قادة حتى اليوم اشتغلوا منذ ست سنوات على مشروعات طائفية وعرقية ودينية وانقسامية وتحاصصية .. ، فكيف يمكنهم أن يغّيروا مبادئهم بهكذا سرعة ؟ وحتى ان غيروا أفكارهم ، فهل يمكن إقناع الشعب العراقي بأدوارهم القادمة مهما بلغ ادعاءهم بالتمدن والمشروعية الوطنية ؟ وإذا كانوا قد فشلوا حتى اليوم باستثناء بعضهم في إدارة البلاد ، فكيف يمكنهم إعادة ترشيح أنفسهم ؟ وان فازوا بأي طريقة كانت ، فهل لهم القدرة على تبديل ملامح العراق الكالحة نحو الأفضل ؟ وهل باستطاعتهم القضاء على المحاصصة ؟ وهل سيبقى مفهوم ( التوافقية ) وهو يترجم ( المحاصصة ) بالمعنى العراقي؟

وأخيرا : الانتخابات وسيلة لا غاية
عندما كّنا نطالب في العام 2005 ، بأن تجري الانتخابات العامة وفق أسس وطنية ومدنية .. انبرى البعض ليصّر إصرارا غبيا على المحاصصة متهمين إيانا بشتى التهم السريعة .. فجأة وعندما أزف موعد الانتخابات اقرأ تصريحات بلغة جديدة وأفكار لم نألفها من قبل .. وانني اعتقد بأن كل ما يقال الآن هو لأغراض الاستهلاك المحلي ، فكل من التغيير والتطوير قال احدهم : ” إننا إزاء جديدة تواكب المتغيرات والتطورات التي حصلت في الساحة السياسية العراقية منها نتائج الانتخابات الأخيرة مبينا أن الشعب العراقي بدأ يؤكد على الخدمات والهوية الوطنية بعيدا عن القضايا والأمور التي شغلت باله فترة تأسيس العملية السياسية”.
سأكون سعيدا جدا إذا صدق المتحدث في توضيحه : ” إن الائتلاف الجديد سيضم عربا وأكرادا وتركمانا إذ سيضم مذهبيا السنة والشيعة وأيديولوجيا سيضم الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين بالإضافة إلى عشائر وقوى واعدة وسيتسع باتساع حدود العراق “. إن من الأهمية التاريخية اليوم أن يجتاز العراق مرحلة الخطر ليتفرغ لعملية الإصلاح الدستوري والتغيير السياسي والتطور الاقتصادي .. إنني أخاطب كل أبناء الطيف العراقي أن ينتخبوا المرشح الأفضل الذي يتكلم ضميره باسم العراق ، وان يعمل من اجل خدمة العراق والعراقيين ..
نشرت في الصباح 25 حزيران / يونيو 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com