الرئيسية » مقالات » النظام الاسلامي في ايران والثورة الخضراء

النظام الاسلامي في ايران والثورة الخضراء

تداعيات الازمة الايرانية الداخلية او ماتعرف بالثورة الخضراء كناية ً عن الخرق الخضراء التي استخدمها انصار المرشح الاصلاحي مير حسين موسوي وما اعقبها من مظاهرات ومسيرات احتجاجية هي الاولى في قوتها منذ تاريخ انتصار الثورة الاسلامية بقيادة الراحل آية الله الخميني، لم تأت ِ اعتراضاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي افرزت فوز احمدي نجاد بولاية ثانية متقدماً على اقرب منافسيه موسوي باكثر من 13 مليون صوتاً .. بل بصراحة هي انتفاضة شعبية لها دلالات سياسية كبيرة اخذت من النتائج الانتخابية ذريعة فقط لتكون الشرارة الاولى في ايقاد شعلة تلك المظاهرات.

طبيعة هذه المظاهرات رغم المطالب الظاهرية التي حملتها شعارات المتظاهرين الراغبين باعادة الانتخابات بسبب التزوير التي تعتقدها تلك الجماهير الغاضبة، لم تكن الاّ بوادر ظهور حركة تصحيحية كبيرة للسياسة الايرانية خصوصاً السياسة الخارجية .. فالمتظاهرون ومعهم قياداتهم الميدانية من كبار الاصلاحيين كمير حسين موسوي وخاتمي ورافسنجاني وكروبي والذين كانوا اعمدة الثورة الايرانية وقادتها طوال عمر الثورة، لم يعد يخفون حقيقة ما يصبون اليه من خلال تأكيد بعضهم بان القضية لم تعد قضية تزوير في الانتخابات، بل قضية نظام سياسي يحتاج الى التصحيح والتقنين نحو المدنية والاعتدال في الخطاب السياسي العام وبناء علاقات متزنة ومرنة مع العالم، وان شكل النظام الاسلامي الحالي بخطابه المتطرف لم يعد الآن مقبولاً من الايرانيين انفسهم قبل غيرهم .. وهو بلاشك تطور جريء في خطاب المعارضين وتمرد واضح على المبادئ الاساسية لبنية النظام الاسلامي والثورة الايرانية التي يقودها احد اكبر مراجع التشيّع في العالم آية الله علي خامنئي.

باعتقادي لم يكن يجرؤ الاصلاحيون طرح مثل هذه الملاحظات القوية، بل لم يفعلوها قبل الانتخابات ولا حتى التلميح لهذه المفردات في برامجهم السياسية وقت المنافسة .. وفي ذلك اسباب كثيرة اهمها حسب تصوّري، لم يتوقع الاصلاحيون حجم التأييد الشعبي لتلك المطالب الاّ بعد الاحتكام الى الشارع الذي افرز بشكل قاطع ان نسبة كبيرة من الايرانيين يرغبون بتجديد الخطاب الديني ليوائم الجيل الايراني الحالي والتغيّرات العالمية الالفينية .. مما الهم قادة الاصلاح في ايران الى مواصلة اللعبة والانتقال من المطالب الجزئية الى مطالب عامة تمس كينونة النظام الاسلامي نفسه ولو بشكل دبلوماسي سياسي غير صريح احياناً خشية استفزاز مراجع الدين المحافظين الذين يمتلكون مفاتيح قلب المعادلة في اي لحظة وبفتوى واحدة فقط لتكون النهاية المأساوية لمشاريعهم وخططهم لحساب المحافظين من معسكر نجاد ورفقائه.

سبب آخر مهم في تطور مطالب الاصلاحيين، هو وصول باراك اوباما الى البيت الابيض لكن ليس على طريقة نظرية المؤامرة بانه وراء ما يجري في ايران كما يراها معسكر المحافظين وكعادة دولنا في الشرق الاوسط التي ما انفكت تتهم الغرب في كل مشكلة داخلية صغيرة كانت ام كبيرة .. اوباما الرئيس ومن خلال سياساته وخطاباته ورغبته المميزة في اقامة علاقات ممتازة مع المحور العربي والاسلامي، اشعل لهيب الجمهور الايراني المتحمس بانها الفرصة الممتازة في تحسين العلاقات الايرانية الامريكية وبالتالي مع دول العالم الاخرى .. وان وجود رجل في السلطة مثل موسوي (على الاقل كخطوة اولى في هذه الفترة) يجعل الامور اسهل في التعاطي مع هذا الملف الشائك، ملف العلاقات الايرانية الامريكية.

اما نجاد فسوف يقضي على ما تبقى من بصيص امل تترقبه الجماهير الايرانية في استغلال الفرصة المؤاتية لتحسين دور وصورة ايران الخارجية التي اتسمت بدعم منظمات وحركات كان لها باع طويل في خلط الاوراق والعبث باستقرار الآخرين في عقر دارهم والتجربة العراقية خير برهان على مانقول …

ثمة امر مهم يجب التنويه له وهو ان الاصلاحيين ليسوا دعاة تحوّل راديكالي جذري على النظام الاسلامي الذي ينتمون له .. بل هم نقطة اتصال بين جيلين مختلفين في فهم الثورة وتصدير ادواتها الى العالم، جيل كان يرى شعارات الشيطان الاكبر وتحرير القدس وتصدير الثورة وكل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء هي ما تصلح لكل مرحلة وزمان، وآخر يرى بان التاريخ غير مقدس، بل من صنع البشر وثمة تاريخ لكل مرحلة لابد ان يستجيب للواقع في نهاية المطاف.
باختصار شديد جيل واقعي يرى بان السياسة ليست امراً مطلقاً انما شيء نسبي تحكم نظريات الورق وتوجّهاتها.

من هنا جاءت ملامح توجّهات الاصلاحيين التي شددت على شعار “ايران اولاً” والتي تضمر الاستياء من دعم اصدقاء الخارج حيث لا ضرورة كما يرون في دعم فلسطين ولبنان ومنظمات حماس وحزب الله وفصائل المقاومة العراقية للاحتلال الامريكي .. كما لا ضرورة ايضاً في انفاق ملايين الاموال على السياسة الخارجية في حين مازالت ايران تدور في فلك الدول النامية على رغم من تطور صناعاتها ونتاجاتها في كل المجالات. ايران اولى باموالها من غيرها ولا داعي في الاستمرار بسياسة العداء للغرب الى مالانهاية، هذا ما يؤمن به الاصلاحيون.

انها ثورة خضراء فعلاّ لكني اعتقد بانها ليست قوية بما يكفي للتأثير على النظام القائم في ايران، فمازالت ايران المحافظة تمتلك عناصر قوة كثيرة في ردع اي ثورة او انتفاضة تسعى النيل من شكلها وفلسفتها وطريقة ادارتها للحكم .. واهم تلك العناصر الطاقة الروحية الدينية الموجّهة باتقان وحرفنة للدفاع عن الثورة الاسلامية وقادتها الحاليين في ايران.